الخرطوم متفائلة برفع العقوبات.. فهل تصطدم بواقعية المصالح الأمريكية؟

الخرطوم متفائلة برفع العقوبات.. فهل تصطدم بواقعية المصالح الأمريكية؟

المصدر: الأناضول

تشعر الخرطوم بتفاؤل جراء احتمال رفع العقوبات الأمريكية عن البلاد، مع اقتراب الموعد المحدد من قبل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في الـ 12 من أكتوبر/ كانون الأول المقبل، لاتخاذ قرار بشأنها.

وبلغ التفاؤل السوداني الحكومي مداه، إثر صدور قرار ترامب، الأحد الماضي، برفع السودان من قائمة الدول الممنوع دخول مواطنيها إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أو فرض قيود على دخولهم.

واعتبرت الخرطوم القرار مؤشرًا إيجابيًا، وسارعت الخارجية السودانية إلى الترحيب به، واصفة هذه الخطوة بأنها ”تطور إيجابي مهم ونتاج طبيعي لحوار طويل وصريح وجهود مشتركة وتعاون وثيق بين البلدين“.

بل وذهبت الخارجية السودانية إلى أبعد من ذلك، بالتشديد على تصميم الحكومة على بذل المزيد من الجهود مع الإدارة الأمريكية لإزالة أي عقبات أمام التطبيع الكامل بين البلدين.

وتدرج الولايات المتحدة السودان في قائمة الدول الراعية لـ“لإرهاب“، منذ العام 1993، لاستضافته زعيم تنظيم القاعدة الراحل، أسامة بن لادن بين عامي 1991 و1996، وتفرض عقوبات اقتصادية على الخرطوم منذ 1997.

ورغم إبعاد السودان لـ“بن لادن“ إلى أفغانستان، تحت ضغوط أمريكية، إلا أن واشنطن شددت العقوبات على الخرطوم، بين عامي 2005 و2006، بسبب الحرب الأهلية، التي اندلعت في إقليم دارفور غربي السودان، العام 2003.

دلائل إيجابية

الدلائل الإيجابية لاقتراب نهاية عقوبات أمريكية تجاوزت العقدين من الزمان تبدو واضحة لدى المسؤولين في الخرطوم، مع تأكيدات أن بلدهم التزم بخطة ”المسارات الخمسة“.

وأبرز هذه المسارات: تعاون الخرطوم مع واشنطن في مكافحة ”الإرهاب“، والمساهمة في تحقيق السلام بدولة جنوب السودان، التي انفصلت عن السودان العام 2011، إضافة إلى تسهيل إيصال المساعدات إلى المتضررين من النزاعات المسلحة في السودان.

وقال وكيل وزارة الخارجية السودانية، عبد الغني النعيم، في تصريحات سابقة: ”أنجزنا ما علينا، ونتوقع أن يتم التعامل معنا (من جانب واشنطن) وفق المصلحة العامة للبلدين“.

ورفع الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما في يناير/ كانون الثاني الماضي، جزئيا العقوبات التجارية والاقتصادية المفروضة على الخرطوم منذ عامي 1997 و2006، بينما أبقى على تلك المرتبطة بوجود السودان على قائمة ”الإرهاب“.

ومنذ فترة، يتوافد مسؤولون أمريكيون على السودان بشكل مكثف وغير معتاد، لدرجة وجود أكثر من وفد أمريكي في الخرطوم ودارفور في وقت واحد، وهو تطور تعتبره الحكومة السودانية مؤشرا إيجايبا آخر على اقتراب رفع العقوبات.

وخلال الأسبوع الماضي أجرى وزير الخارجية السوداني، إبراهيم غندور، مباحثات في واشنطن، مع مستشار ترامب للأمن ومكافحة ”الإرهاب“، توماس بوسرت، ونائب وزير الخارجية، جون سوليفان، ووكيل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، مارك غرين، وهو ما دعم حالة التفاؤل السودانية.

الحقوق والحريات

لكن يبقى المطروح داخل اللقاءات السودانية- الأمريكية المغلقة غير معلوم النتائج، بانتظار قرار ترامب بعد أسبوعين، وربما يبدو التزام الخرطوم بـ“المسارات الخمسة“ غير كافٍ مع احتمال طرح قضايا أخرى، مثل حقوق الإنسان والحريات الدينية في السودان.

ومثل هذا المنحى هو ما يخشاه البعض في الخرطوم، معتبرين أنه كلما نفذ السودان مطالب أمريكية فوجئ بمطالب جديدة، ويستدل هؤلاء بحديث نائب وزير الخارجية الأمريكي، جون سوليفان، عقب لقائه وزير الخارجية السوداني، منتصف الشهر الجاري.

وآنذاك شدد سوليفان على ”أهمية تحقيق نتائج في التزامات السودان بالقرارات الأممية حول كوريا الشمالية وقضايا حقوق الإنسان والحريات الدينية“ موضحا أن ”الحريات الدينية خارج المسارات الخمسة، لكنها مهمة للمحافظة على الارتباط الإيجابي بين الجانبين (الأمريكي والسوداني)“.

وتتهم الخرطوم واشنطن باتخاذ حرب دارفور ذريعة للتنصل من وعدها لها برفع العقوبات، بعدما قبلت بالتوقيع، العام 2005، على اتفاق سلام، بوساطة أمريكية/ أفريقية، أنهى الحرب الأهلية في جنوب السودان، ومهد لانفصال الجنوب عن السودان، بموجب استفتاء شعبي، العام 2011.

وبدأ تعاون بين البلدين في مكافحة ”الإرهاب“، عقب هجمات الـ 11 من سبتمبر/ أيلول 2001 على الولايات المتحدة، وبرره المدير السابق للمخابرات السودانية، صلاح قوش، بالحيلولة دون تلقي السودان ضربة على غرار الغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق عامي 2001 و2003 على التوالي.

انتقادات للخرطوم

على الجهة الأخرى يدعو منتقدون إلى عدم رفع العقوبات عن السودان، بدعوى أن نظام الرئيس السوداني، عمر البشير، لا يزال يقتل أبرياء ويزج بسياسين في المعتقلات دون محاكمة.

ورفعت أحداث ”مخيم كلمة“ جنوب دارفور، يوم الجمعة الماضي، من وتيرة الأصوات الرافضة لرفع العقوبات، حيث قتلت قوات الأمن ثلاثة من النازحين خلال تظاهرهم ضد زيارة البشير للمخيم.

ودعت منظمة ”هيومان رايتس ووتش“، الحقوقية الدولية، السبت الماضي، إلى الإبقاء على العقوبات، منددة بالهجوم على النازحين.

وقالت المنظمة إن النظر إلى ما حدث في المخيم، جنبًا إلى جنب مع سنوات من الإفلات من العقاب واستمرار انتهاك حقوق الإنسان في السودان، من شأنه أن يدفع الإدارة الأمريكية إلى التفكير في الإبقاء على جميع العقوبات المفروضة على الحكومة السودانية.

وأدان عضو الكونغرس الأمريكي، جيمس ماكفيرن، الأحد الماضي، ما حدث في المخيم، وكتب في تغريدة على حسابه بموقع ”تويتر“ أنه يتوجب على أمريكا أن تتصدى لانتهاكات حقوق الإنسان حول العالم.

وأضاف ماكفيرن، الناشط والمدافع عن حقوق الإنسان دوليا، أنه ”يقف بقوة ضد محاولات الإداراة الأمريكية لرفع العقوبات عن نظام الإبادة الجماعية في السودان“.

وبدورها، أدانت الحركات المسلحة المتمردة في ولاية دارفور (غرب) والنيل الأزرق (جنوب شرق) وجنوب كردفان (جنوب)، الهجوم على النازحين، ودعت إدارة ترامب إلى ضرورة الإبقاء على العقوبات.

المصالح الأمريكية

لكن التصور بأن الإدارة الأمريكية يمكن أن تمدد العقوبات بسبب انتهاك السودان حقوق الإنسان يراه الأكاديمي والمحلل السياسي، حاج حمد محمد، ”أمرا ليس صحيحا، وادعاءً لا أساس له“، قائلا إن ”السياسة الأمريكية لا تُعنى كثيرا بمثل هذه القضايا، فهي تعمل من أجل مصلحتها فقط، ولا تنظر إلى حقوق الإنسان في السودان كأولوية“.

واستبعد أن ترفع واشنطن العقوبات عن الخرطوم، الشهر المقبل، قائلا إن هذا ”غير وراد.. والتعاون الحالي بين البلدين هو فقط تعاون أمني لمكافحة الإرهاب“.

وأضاف أن ”حكومة الخرطوم تعاونت بشكل كبير، وكل ما تستطيع أن تفعله الأجهزة الأمنية الأمريكية لتكافئ السودان هو الضغط على ترامب فيما يتعلق بالأوامر الرئاسية، كما حدث برفع اسم السودان، أخيرا، من قائمة حظر دخول الرعايا“.

وتابع ”لكن فيما يتعلق بالعقوبات المرتبطة بتقاطعات سياسية واقتصادية ودبلوماسية، فإن مجرد تعاون الخرطوم الأمني مع واشنطن في مكافحة الإرهاب لا يعني إلغاء العقوبات“.

واعتبر المحلل السياسي السوداني أن ”رفع العقوبات الأمريكية عن السودان لا يزال بعيدا، بدليل عدم وجود سفير أمريكي بالخرطوم، واقتصار دعم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية للسودان على المساعدات الإنسانية“.

ما بين احتمال رفع العقوبات أو الإبقاء عليها، ينتظر السودانيون قرار ترامب، فإذا جاء إيجابيا، فسيُحدث تحولا سياسيا واقتصاديا، أما إذا بدد الرئيس الأمريكي التفاؤل السوداني فلا أحد يمكنه توقع المالآت داخل وخارج السودان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com