سوريا.. رسائل بوتين الأربعة

سوريا..  رسائل بوتين الأربعة

المصدر: مدني قصري– إرم نيوز

يقول المحللون الدبلوماسيون والخبراء العسكريون، إن بوتين، على الأرجح، ليس رجلا ديمقراطيا كبيرا، ولا رجلا إنسانيا مجنونا.

ولكن الذي لا يمكن إنكاره في حقه، حسب هؤلاء المحللين والخبراء، أنه استراتيجي يملك الجرعة الكافية من السياسة الواقعية.

فبإعلانه يوم الثلاثاء 15 مارس/آذار عن سحب الجزء الأكبر من القوات الروسية من سوريا، استطاع بوتين أن يحقق ضربة مُعلمٍ حقيقي. فإذا كان الأسد والإيرانيون قد أُخبِروا بذلك، فإنه يبدو أن الغربيين أنفسهم، قد أُخِذوا بالنّبأ على حين غرة.

وفي تحليل لها تقول صحيفة ”لوبوان“ الفرنسية، استنادا إلى آراء المحللين والخبراء، أنه أمام أمريكا الفاترة، وأوروبا العاجزة، وفرنسا التي اختفت من على شاشات الرادار، استطاع بوتين المناورة.

وتتابع أنه، بسحب الجزء الأكبر من قواته، يكون بوتين قد أرسل إلى العالم أربع رسائل مهمة.

الرسالة الأولى تتلخص بأن روسيا لا تنوي تكرار سيناريو التورط في أفغانستان في الثمانينيات. فالتدخل العسكري في سوريا لا يكلف كثيرا، من 3 إلى 4 ملايين دولار يوميا (من 1 إلى 1,5  مليار سنويا) أي   2 أو 3٪ من الميزانية العسكرية الروسية.

وهو ما يراه الخبراء ثمنا محتملا، وإن كان لا يستهان به – وخاصة مع مرور الوقت – بالنسبة للاقتصاد الروسي الذي تأثر بشدة من انخفاض سعر النفط، والعقوبات الدولية المتصلة بالأزمة الأوكرانية.

الرسالة الثانية، وتتمثل بأن روسيا أصبحت من جديد لاعبا عالميا رئيسيا. فكما كان الحال في أيام الحرب الباردة، صارت القضايا الأساسية تعالَج الآن مباشرة بين موسكو وواشنطن.

لقد قرر أوباما وبوتين وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 26 فبراير/شباط، تمهيدا لمفاوضات تجري خلال هذه الأيام في جنيف. فمن خلال سحب قواته يطرح الرئيس الروسي نفسه كصانع سلام.

ومن هنا فهو يُهمش دور الصين، التي، على الرغم من قوتها الديمغرافية وقوتها الاقتصادية لا تلعب الآن في ملعب الكبار في العالم.

الرسالة الثالثة، وتتلخص بان موسكو ليست ”متزوجة“ بالأسد. الروس (والإيرانيون) قد أنقذوا النظام بالتأكيد،  لكنهم قالوا إنهم دائما يريدون قبل كل شيء تجنب تفكك الدولة السورية، مثلما حدث في العراق مع تدخل الولايات المتحدة.

فالانسحاب – حتى وإن كان جزئيا – فهو إشارة قوية جدا وتحذير مجاني من شأنهما أن يقللا إلى حد كبير من هامش الحركة لدى دمشق. والهدف البديهي من ذلك هو وضع حل سياسي مقبول، قابل لأن يُجنب وقوع البلاد في الفوضى.

أما الرسالة الرابعة، فهي أن روسيا شريك مسؤول في سوريا وفي أوكرانيا، رسميا، لا توجد أي صلة بين الأزمتين. فالدبلوماسيون يُقْسِمُون بأن الملفين منفصلان.

ويرى المحللون أن إزالة جزء من العقوبات الأوروبية ضد روسيا مرتبطة بتنفيذ اتفاقات ”مينسك 2“ الموقعة بين أوكرانيا والانفصاليين وروسيا، تحت إشراف فرنسا، وألمانيا ومنظمة الأمن من أجل التعاون في أوروبا (OSCE).

ويؤكدون أنه لا توجد أي صلة، من حيث المبدأ، مع سوريا. اللهم إلا أن بوتين، بإظهار حسن نواياها، يضع الزيت في الدواليب، فيما العديد من البلدان الأوروبية تتردد أكثر فأكثر في تمديد العقوبات ضد موسكو.

ويرى الخبراء أنه يجب على الانسحاب الروسي من سوريا أيضا أن يقلل من التوتر مع تركيا، العدو الوراثي للإمبراطورية الروسية، وأن يُحسّن العلاقات مع دول الخليج، بما فيها المملكة العربية السعودية.

لكن الانسحاب في المقابل قد يعزز بشكل كبير النفوذ الإيراني، الذي يظل – حتى الآن على الأقل – الحليف غير المشروط الوحيد لبشار.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com