ليبيا الحديثة بين حكم الأقاليم والاستعمار والدولة الواحدة

ليبيا الحديثة بين حكم الأقاليم والاستعمار والدولة الواحدة

المصدر: إرم – عبدالعزيز الرواف

يعتبر العثمانيون رغم كل مساوئ حكمهم أول من أقام نظام دولة في مناطق طرابلس وبرقة وفزان التي شكلت فيما بعد ليبيا الحديثة، وحتى قدوم العثمانيون إلى هذه المناطق كانت ليبيا تعتبر أرضا بلا دولة.

ورغم أن الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي استطاعت نشر الإسلام بين سكان المنطقة، لكنها لم تقم نظام حكم خاص في هذا البلد، كما أن الموحدين الذين حكموا المغرب الأقصى لم تكن لهم إلا سلطة صورية على طرابلس أثناء صعود سلالتهم.

أما برقة، فكانت لقبائلها تحالفات فترة الحكم المملوكي في مصر، مما جعل المماليك يعلنون أن إقليم برقة ومن ثم باقي أراضي ليبيا الحديثة تابعة للحكم المملوكي.

وبعد صعود نجم العثمانيين الذين أسقطوا الحكم المملوكي، خضعت مصر لهم عام 1517 ثم برقة وطرابلس عام 1551.

وهكذا ظلت “ليبيا الغير موحدة” طيلة فترة ما بين 1551 و1711 تحت الحكم المباشر للباشاوات العثمانيين وجيوش الانكشارية التابعين لهم.

وظلت منطقة برقة منفصلة لكن خاضعة للسلطة العثمانية صوريا، حتى ظهور الطريقة السنوسية عام 1837 على يد الشيخ محمد بن علي السنوسي (1787- 1859).

وخلال دعوته ببرقة، أقام السنوسي مجموعة من الزوايا أصبحت مراكز للدعوة و نشر علوم الدين الإسلامي، وشكلت نمطا إداريا بين السكان في برقة بما يشبه الحكم الفيدرالي، وإن كان لم يتنصل نهائيا من الحكم العثماني الذي كان أكثر وضوحا ووجودا في مناطق طرابلس غرب ليبيا.

ومنذ 1878، كان الإيطاليون يعتبرون أن ليبيا جزء من دائرة نفوذهم الإمبريالي، وحاول الطليان التغلغل بنفوذهم الاقتصادي في المنطقة، ومع تنصل الأتراك العثمانيين من مساندة الليبيين مع بداية الغزو الإيطالي عام 1911 وتركهم ليبيا لروما لتسيطر إيطاليا بسرعة على أغلب مناطق طرابلس في الغرب الليبي.

غير أن مناطق برقة ظلت عصية على إيطاليا حتى عام 1932 حين تمكن الإيطاليون من هزيمة قبائل الإقليم بقيادة المجاهد عمر المختار وضم معظم أراضيهم واحتلال كامل التراب الليبي.

وأرغم القادة السنوسيين على النفي واللجوء خارج ليبيا، ومع حلول عام 1934 استكمل الإيطاليون غزو مناطق برقة وضمت إلى طرابلس ووحدوا الإقليمين تحت ما يعرف بـ”ليبيا الإيطالية”.

وبعد هزيمة إيطاليا في الحرب العالمية الثانية ومشاركة الليبيين بقيادة إدريس السنوسي فيها، بدأت تتشكل ملامح الدولة الليبية تحت الإدارة البريطانية في برقة أولا ثم اتخذت الأمم المتحدة قرارا بمنح الاستقلال لليبيا عام 1951.

وأصبح الملك محمد إدريس السنوسي ملكا على ليبيا ليكون بذلك أول حاكم ليبي شرعي للدولة الليبية الحديثة تحت اسم المملكة الليبية المتحدة، وفي عهده قفزت ليبيا إلى عهد التعليم ومؤسسات الدولة الحديثة.

في العام 1969 استطاعت مجموعة من الضباط يقودها معمر القذافي من احداث انقلاب عسكري في سبتمبر 1969.

وأدت سياسات القذافي المتخبطة وأفكاره الغريبة الأطوار، إلى أن تجر ليبيا لأزمات وصدامات مع المجتمع الدولي، حيث اضطر الشعب الليبي للخروج على نظام القذافي بثورات الربيع العربي في السابع عشر من فبراير 2011.

وبعد سقوط نظام القذافي، دخلت ليبيا مرحلة من التخبط لعدم وجود أسس وقواعد للدولة التي دمرها نظام القذافي باتباع سبل التسيير المرحلي والتغيير المستمر بأفكار الكتاب الأخضر وسلطة الشعب التي كانت تخضع لمزاجه الشخصي ومزاج اللجان الثورية التي تفسر هذا المزاج على هواها.

الحركات السياسية في إقليم برقة

برقة اسم يطلق على الإقليم الشرقي من ليبيا، واشتهر هذا الاسم بعد الفتح الإسلامي، وكانت في قديم الزمان تعرف بسيرينايكا نسبة إلى دولة الإغريق في سيرين والتي تعرف الآن بشحات أو قورينا، وتمتد من أمساعد على الحدود المصرية شرقا إلى قرية بن جواد غربا على الساحل الليبي.

وأهم ما يميز برقة، هو التجانس الاجتماعي بين سكانها وحب الاجتماع على القيادات الشعبية أو السياسية أو الدينية والكرم العربي الأصيل والإيثار على النفس والتمسك بالعادات والتقاليد العربية، ولهذه الأسباب برز فيها عدد قليل من الحركات السياسية.

جمعية عمر المختار

تأسست جمعية عمر المختار في مصر في 31 يناير 1942 على يد عدد من النشطاء السياسيين الليبيين في المهجر، ثم تجدد إعلان تأسيسها في بنغازي في 4 أبريل 1943 وافتتح لها فرع في مدينة درنة.

وتمكنت الجمعية من السيطرة على الحراك السياسي والثقافي في مدينتي بنغازي ودرنة، واستمر نشاطها إلى أن صدر مرسوم بحل الأحزاب والحركات السياسية في البلاد.

ويؤخذ على هذه الجمعية عدم وصولها لكافة مناطق برقة، واقتصارها على بعض النخب في درنة وبنغازي وأغلبهم من العائدين من المهجر، ولديهم نظرة متعالية على البدو الذين يشكلون أغلب سكان برقة وينتمي لهم أغلب المجاهدين وقادة حركة الجهاد الذين لم يغادروا البلاد وقضى أغلبهم نحبهم في مقاومة المستعمر.

الجبهة الوطنية البرقاوية

تأسست هذه الجبهة في اجتماع لزعماء قبائل السعادي أحد أهم مكونات برقة عام 1946 وكان هدفها هو الدعوة إلى استقلال برقة خصوصا بعد مماطلة وجهاء طرابلس الذين كانوا يفضلون قيام جمهورية طرابلسية يكون لهم حق رئاستها وتكون طرابلس عاصمتها ويرفضون قيام المملكة الليبية حينها.

رابطة الشباب الليبي

أسست هذه الرابطة بتوجيه من رجال الأمير المعتدلين لكي تستقطب الشباب من جمعية عمر المختار، وكان أبرز قادتها السيد صالح بويصير وتمثل فيها جيل الوحدة الليبية وقدامى الموالين للقصر وأنصار الفيدرالية ومصالح برقة حينها.

وعندما بدأ الصدام بين هذه الجمعيات والتكوينات السياسية، حيث يدعو كل تيار لإيديولوجيا معينة وكان همّ أغلبها الوصول للسلطة، اتخذ الأمير إدريس أمير برقة حينها قرار إلغاء جميع الأحزاب في عام 1947.

المؤتمر الوطني البرقاوي

تأسس هذا المؤتمر عام 1948 كي يوحد كل الحركات في مظلة واحدة تحت لواء وطني مقرب من الأمير إدريس، وربما كان هدفه الحقيقي إيجاد عمل سياسي وطني يتفهم حاجة كل إقليم وطبيعة الشعب الليبي حينها.

الحركات السياسية في إقليم طرابلس الغرب

يعتمد المكون الاجتماعي في هذا الإقليم على تواجد العائلات في بعض المدن كطرابلس ومصراته وبعض العرقيات المختلفة والأقليات كالأمازيغ، وترجع هذه الثقافة بفعل سطوة السلاطين والأمراء الذين حكموا طرابلس عبر السنين إضافة إلى وجود عدد من القيادات الدينية والاجتماعية المتقاربة في القدرات وسيطرة الفكر الصوفي القديم على معظم مراكز التعليم الديني، وبروز عائلات متنفذة بسبب علاقاتها التاريخية بالخارج وتعاونها مع الأقليات الأجنبية في طرابلس.

لكل هذه الأسباب لم تبرز في طرابلس زعامة سياسية تلتف حولها رجالات الإقليم، وبدا واضحا في مشهدها السياسي تشرذم الحركات السياسية من أبرز الحركات السياسية الحزبية في طرابلس.

الحزب الوطني

تأسس هذا الحزب في طرابلس بزعامة السيد أحمد الفقيه حسن، وهو من العائلات الطرابلسية العريقة العام 1946، وانبثق هذا الحزب عن أول نادي ثقافي يفتتح في طرابلس باسم “النادي الأدبي” وكان هدفه الأساسي الدعوة للجمهورية الطرابلسية، ثم نشب خلاف بين أعضائه أدى إلى انشقاق أحمد الفقيه حسن وتولي مصطفى ميزران رئاسة الحزب.

حزب الجبهة الوطنية المتحدة

أعلن تأسيس هذا الحزب رسميا بتاريخ 10 مايو عام 1946 وتزعمه سالم المنتصر وكان في عضويته عددا من وجهاء طرابلس وبعض المدن القريبة منها مثل ترهونة و زوارة.

وكان أهم شعارات ومطالب الحزب هي استقلال ليبيا تحت زعامة إدريس السنوسي وله نشاط في هذا الشأن، غير أنه اشترط عدم توريث الزعامة بعد إدريس السنوسي.

ثم نشأت خلافات أدت إلى انشقاق سالم المنتصر من الحزب وتأسيس حزب آخر.

حزب الكتلة الوطنية

خرج هذا الحزب للوجود مع انشقاق أحمد الفقيه حسن عن الحزب الوطني حيث أسسه هو وأخيه على الفقيه حسن عام 1946 وكانت ميول الحزب جمهورية وبالتالي رفض زعامة إدريس السنوسي.

حزب الاتحاد المصري الطرابلسي

مؤسسي هذا الحزب اثنان انشقا عن حزب الكتلة الوطنية وهما الحاج يوسف المشيرقي وعلي رجب في ديسمبر 1946.

ودعا الحزب إلى استقلال ليبيا تحت التاج المصري، ولم يلق هذا الحزب تجاوبا في الداخل أو الخارج.

حزب العمال

تأسس هذا الحزب تحت زعامة بشير بن حمزة بعد فصله من حزب الكتلة الوطنية في سبتمبر 1947، كما دعا إلى استقلال ليبيا تحت زعامة السنوسيين.

حزب الأحرار

تكون هذا الحزب بزعامة الصادق بن زراع أحد وكلاء الحزب الوطني ودعا إلى استقلال ليبيا تحت أمرة إدريس السنوسي، لكن هذا الحزب لم يترك أثرا في الحياة السياسية بطرابلس.

حزب الاستقلال

أسس هذا الحزب سالم المنتصر العام 1948 مع عدد من أعضاء حزب الجبهة الوطنية الذين انشقوا عنها.

وطالب الحزب باستقلال ليبيا وضرورة التفاهم مع إيطاليا في هذا الشأن مما أكسبه تأييد الجالية الإيطالية في طرابلس وأصبح لها دور في نشاط هذا الحزب.

هيئة تحرير ليبيا

تأسست هذه الهيئة بالقاهرة في مارس 1947 بزعامة السيد بشير السعداوي وبتأييد من الجامعة العربية.

ودعت الهيئة إلى استقلال ليبيا دون الاعتراف بزعامة إدريس، مما أدى إلى عدم تجاوب أبناء برقة معها ثم اضطر إلى الدعوة إلى استقلال ليبيا موحدة تحت إمارة سنوسية.

حزب المؤتمر الوطني الطرابلسي

نتج هذا الحزب عن اندماج الحزب الوطني والجبهة الوطنية المتحدة في مايو من العام 1949 بزعامة بشير السعداوي، وكان لهذا الحزب حضور كبير في الكثير من مناطق الإقليم وشارك في أول انتخابات نيابية.

ويبدو أن غياب الثقافة الحزبية من ناحية وسيطرة العقلية القبلية من ناحية أخرى، جعلت الملك إدريس يقول كلمته الشهيرة “لن أسمح بأحزاب كالثعابين ذيولها هنا ورؤوسها هناك بعيدا عن الوطن”، في إشارة لتبعية أغلب الأحزاب لتيارات في دول عربية وإقليمية أخرى مثل مصر والعراق وغيرها.

حقبة الانقلاب

جاءت فترة الانقلاب الذي نفذه القذافي، لتلغي أي مؤسسات خارج إطار حكمه حتى لو كانت مؤسسات ثقافية أو رياضية، واستمر على إنهاء الأحزاب، بل ووصل لمرحلة وضع كل من ينتمي لحزب في السجون لسنوات طوال.

وأنهى القذافي العمل المدني والتطوعي بكافة أشكاله ووضع مكانها ما أسماه “سلطة الشعب” والتي تتكون من مؤتمرات ولجان شعبية وثورية تخضع لتقييمه ولأدواته القمعية، لذلك لا “يمكننا أن نقول بأنه يوجد أي حراك حزبي أو سياسي مستقل منذ بداية الانقلاب 1969 وحتى عام 2011”.

الواقع الحزبي والسياسي الحالي

وظهرت في الوقت الحالي أحزاب عديدة، بعضها يعود في الاسم لحقبات سابقة.

واختلفت الأهداف والتعاطي مع هذه الأحزاب، وأغلب من يتصدرون مشهدها الحالي يقتربون في الصورة السياسية كما حدث في أربعينات القرن الماضي، حيث يمثلها ليبيون عادوا من المهجر، وينظرون لشكل وصورة الأحزاب كما شاهدوه أو سمعوا عنه في أوروبا والغرب.

أما عن الحالة الحزبية الحالية، فهي تمثلت في الكثير من الأحزاب أغلبها لا أثر له في الواقع السياسي الليبي، لكن هناك عدة كيانات حزبية تواجدت بشكل أو اخر في الحياة السياسية في الأربع سنوات الأخيرة، منها:

تحالف القوى الوطنية

يرأسه محمود جبريل الذي كان مستشارا سابقا لسيف القذافي ورئيس المكتب التنفيذي (رئاسة الوزراء) زمن المجلس الانتقالي في بدايات ثورة 17 فبراير.

ويتكون هذا الحزب من مجموعة تكوينات سياسية مختلفة تعتمد اللحمة القبلية في بعضها والمناطقية في بعضها الآخر، ولم يظهر للحزب توجه معين أو إيديولوجيا واضحة سوى صدامه مع الإخوان المسلمين في زمن المؤتمر الوطني السابق.

حزب العدالة والبناء

يمثل الذراع السياسي للإخوان المسلمين ويهدف لتمكينهم من كل مفاصل الدولة الليبية، وساعده التفاف الليبيين في شهور الثورة الأولى حول المجلس الانتقالي وعدم فهم أغلب أبناء ليبيا لإيدلوجيات بعض الأحزاب والمعارضين في الخارج.

وتنفذ كثير من الأعضاء في هذا المجلس ومرروا كثيرا من الأمور في صالح جماعتهم، كما استطاع الإخوان في الانتخابات الأولى إحراز نجاح ملحوظ ثم مني بفشل ذريع في انتخابات البرلمان، مما اضطر قادته إلى إحياء المؤتمر الوطني من جديد ودعم ذراعه العسكري المتمثل في المليشيات بطرابلس ومصراته ودعم بعض التنظيمات الإرهابية ببنغازي ويرأس هذا الحزب الزعيم الإخواني محمد صوان.

حزب الجبهة الوطنية

 يعود حزب الجبهة الوطنية لحركة معارضة سابقة لحكم القذافي ترأسها الدكتور محمد يوسف المقريف، ضمت لاحقا أغلب الفصائل الليبية المعارضة وعملت بقوة بمساندة أمريكية وأوروبية ضد القذافي، ثم خفت عملها حتى كادت أن تنتهي في فترة الألفية الثانية.

وبدأت الحركة تخرج من تحت عباءتها عدة كيانات مثل تنظيم الإخوان الذي هادن وصالح القذافي عام 2005، غير أنها كحزب سياسي فشلت فشلا ذريعا وصارت أشبه بظل حزب يتبع حزب العدالة والبناء ذو التوجه الإخواني، ويرأس حزب الجبهة الوطنية محمد الضراط.

حزب الوطن

حزب صغير ذو توجه متشدد (إسلامي) يرأسه أحد أعضاء الجماعة الليبية المقاتلة وسجين سابق بمعتقل غوانتانامو، عبدالحكيم بالحاج، يعتمد في وجوده وتأثيره على مليشيات تتكون من أعضاء سابقين في جماعات إرهابية عربية وليبية.

أحزاب قزمية

ثم تأتي مجموعة أحزاب صغيرة ليس لها أي أثر لا في الواقع السياسي أو الانتخابات، ويتندر الليبيون على هذه الأحزاب بالقول: “أحزاب مكاتبها حقائب ومقراتها سيارات”.

ومن هذه الأحزاب نجد حزب ليبيا المستقبل، تجمع ليبيا الديمقراطية، حزب الوفاق الليبي، الحزب الوطني الليبي، حزب التنمية والرخاء الديمقراطي، الحزب الليبي للتنمية، حزب الاستقلال المحافظ، حزب الوسط الليبي، حزب شباب ليبيا، حزب التيار الوطني الوسطي، حزب التضامن الليبي، حزب التغيير، حزب الليبيين الأحرار، حزب القمة وحزب التحرير الإسلامي.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع