بوتين يوقع قرار إرسال قوات أمريكية إلى سوريا

بوتين يوقع قرار إرسال قوات أمريكية إلى سوريا

المصدر: إرم- عبدالله علاونه

صدر قرار إرسال قوات برية أمريكية إلى سوريا  بإمضاء من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بالطبع ليس هذا ما أعلنه السكرتير الإعلامي في البيت الأبيض جوش إرنست، ولكن كلامه يحمل هذا المعنى عندما شرح الأسباب التي تقف وراء إرسال 50 من قوات العمليات الخاصة الأمريكية لتقديم المساعدة والإستشارة والتدريب في سوريا، فلولا تدخل بوتين في سوريا لما اضطرت أمريكا لإرسال تلك القوات إلى هذا البلد المدمر في وقت متأخر لتدعم حلفاءها المناهضين للأسد ولداعش في نفس الوقت.

ونشرت مجلة فورن بوليسي الأمريكية تقريرا مثيرا للجدل حول تأثير التدخل الروسي في سوريا على سياسة الرئيس أوباما حيث قالت إن أردنا معرفة ذلك التأثير علينا إعادة النظر إلى سير سياسة أوباما خلال الثلاث سنوات الماضية، والتي لم يتمكن فيها أحد من مستشاري الأمن القومي في البيت الأبيض من اقناع أوباما باتخاذ إجراءات أكثر حسما لوقف الصراع العشوائي في سوريا، والذي لم يسفر عن بروز أكثر الجماعات تطرفا ودموية فحسب، بل تسبب بأكبر موجة لجوء تأثرت بها أوروبا، ولكن يبدو أن بوتين يتمتع بنفوذ ورجاحة رأي في البيت الأبيض أكثر من هيلاري كلينتون وروبرت غيتس وليون بانيتا وديفيد بيترايوس، والذين ذهبت آراءهم ونصائحهم أدراج الرياح.

إن القرار الروسي الحاسم في التدخل في سوريا فضلا عن تعزيزه نظام الأسد أرسل رسالة قوية لأعدائه ومنهم حلفاء أمريكا نفسها بأنهم سيتلقون ضربات أشد شراسة  ودموية من داعش، وبالنسبة لداعش كثفت روسيا الكلام عن محاربتها ولكن واقع الحال يظهر بأنها تحارب كل من يقول (لا) للأسد.

وتضيف المجلة إن الكثير في واشنطن لم يفهموا الدوافع الحقيقية وراء التدخل الروسي في سوريا بعد، لم يفهموا بأن بوتين تدخل ليضمن وجود نظام يقبله الكرملين سواءا الأسد أو من سيخلفه، وبالنسبة للعشوائية الدموية فهي لن تضر روسيا في شيء، أما قضية اللاجئين فهي تقض مضاجع أوروبا ويضعف اتحادها وهو أمر إيجابي بنظر بوتين.

    مهما تكن الاهداف العسكرية المعلنة لإرسال هذه القوات إلى سوريا، ربما تكون محاولة لإنعاش عملية التدريب للمعارضة السورية التي فشلت حتى الآن، لكن بالتأكيد أن لها أهداف ورسائل سياسية، أولها إلى الداخل الأمريكي الذي يتهكم على أوباما بتقاعسه عن التدخل في سوريا باعتباره الأمر الذي مهد للتدخل الروسي فيها، كما أنها ورقة لحفظ ماء الوجه في محادثات فيينا تثبت فيها أمريكا دورها الجدي وحضورها، وهي أيضا رسالة إلى الروس بأن مهمتمهم قد تتعقد مما يمثل ضغط عليهم.

إن الناظر إلى مستقبل سوريا القريب يرى غيوم من الصراع العشوائي متعدد الألوان يتشكل في الأفق، فأمريكا ومتدربيها من المعارضة من جهة وروسيا وسوريا وإيران وحزب الله من جهة اخرى ستضطر للتصادم مع بعضها ومع الجماعات التي تدعمها قطر وتركيا ناهيك عن السعودية، إننا بصدد أكبر صراع جيوسياسي في التاريخ الحديث، ولهذا نستطيع أن نتنبأ ببقاء الأسد لفترة انتقالية كأحد مخرجات محادثات فيينا، إلى أن يأت نظام تقبل به روسيا وإيران ويرفع شعارات ديمقراطية تكون بمثابة ورقة التوت للغرب، في حين ستبقى الجماعات خارج المعادلة تحارب في النظام الجديد.

إن السياسة الخارجية تماما كالمسرح تكون فيها ردود الأفعال التلقائية الأفضل على الإطلاق، ولكن الفرق أننا في السياسة لا نستطيع أن نكتفي بردود الأفعال، بل يجب على السياسيين إتخاذ زمام المبادرة والخطوة الاولى وهو الأمر الذي فعلته روسيا في أوكرانيا وسوريا ولم تفعله أمريكا، فقد استغلت روسيا سلبية أوباما وفهمتها على أنها دعوة لاقتناص الفرصة، كما رفع هذا من شعبية بوتين إلى 90% على الرغم من العقوبات الغربية التي طالت قوت الشعب الروسي.

وفي نفس السياق فهمت إيران الرسالة وحذت حذو روسيا في بسط سيطرتها على ما تستطيع، فالتخبط السني أحدث فراغا أغرى كل ما هو ليس سني حتى داعش على اغتنام الفرصة، كما أن هذا التخبط يكبل الدور الأمريكي فالسنة يعرفون اعدائم ولكنهم لا يعرفون ماذا يريدون.

وعلى نفس الطريقة فعلت الصين في بحرها الجنوبي، فالكل فهم الخمول الأمريكي وحدد الخطوط الحمراء التي قد يقود اجتيازها إلى تحرك أمريكي فعلي، فحققوا ما استطاعوا من المكاسب وتوقفوا قبل الخطوط الحمراء بقليل.

تكرر الولايات المتحدة نفس النمط من ردود الأفعال مرارا، فنشرت مدمراتها البحرية حول الجزر الصناعية في بحر الصين، وأرسلت عدد قليل من القوات والعربات المدرعة إلى بولندا والآن بعض قوات العمليات الخاصة إلى سوريا إنها نسخة أوباما الخاصة من ”شبه العمل“

إن رد الفعل على خشبة المسرح تعد تميزا، ولكنه ليس كافيا للسياسة الخارجية وبالتأكيد فإنه ليس كافيا للقيادة. أحيانا، عليك أن تعرف ماذا تريد، وتكون على استعداد للتحلي بما يكفي من الشجاعة لاتخاذ الخطوة الأولى.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com