أسرار تكشف لأول مرة عن مقتل الزرقاوي وصعود داعش

كان الزرقاوي مجرد مذنب بسيط في سجون الأردن قبل أن يتم تلقينه أصول التطرف، الذي قذف به بعدها إلى جبال تورا بورا ليقابل بن لادن ويصبح من أعلام الإرهاب، وحينها كانت إدراة بوش قد توصلت لعلاقته بإغتيال الدبلوماسي الأمريكي في عمان عام 2002، وبدأت تبحث عن أي خيط يدل على علاقة ما بين القاعدة وصدام حسين على خلفية أحداث أيلول/ سبتمبر، وكان التساؤل الكبير حينها: هل يكون الزرقاوي هو الحلقة المفقودة؟

المصدر: إرم- عبدالله علاونه

صدر عن مؤسسة بانتام برس كتاب للمؤلف والصحفي الأمريكي جوبي واريك بعنوان (الرايات السود.. صعود داعش)، يتناول حياة مؤسس التنظيم ”أبو مصعب الزرقاوي“ ويروي تفاصيل جديدة عن الأسرار التي أحاطت بهذه الشخصية والتحولات التي أودت به إلى نهايته.

ونشرت ”الديلي ميل“ ملخصاً للكتاب يتضمن بعض التفاصيل الخاصة بتصفية الزرقاوي.

وتبدأ القصة، التي نشرتها الصحيفة البريطانية، في السابع من يونيو/ حزيران 2006، حين كانت هناك سيارة فضية، ترصدها طائرات من دون طيار وتلاحقها أعين المخبرين على الأرض، سارت السيارة التي كانت تقل الشيخ عبدالرحمن، وبعد أن أبدل سيارته مرتين؛ استقر به الأمر في مركبة (بيك أب) واتخذ طريقا ترابية أوصلته إلى مشارف قرية ”هبهب 45 كم عن بغداد“، فدخلت إلى بيت تحجبه أشجار النخيل، لينزل هناك ويستقبله شخص ملثم يرتدي ثيابا سوداء، وأدخله البيت، فيما مضت المركبة في طريقها.

 2CC9355800000578-3250181-image-a-14_1443282803919

وفي تمام الساعة 4:55 من مساء نفس اليوم كانت أنظار كل أفراد طاقم العمليات في ”قاعدة بلد العسكرية“ تحدق في شاشات تبث تصويرا مباشرا لذلك البيت الذي يضم الشخصين المذكورين، وحينها صرخ الجنرال ستانلي ماك كريستال ”يا إلهي.. إنه الزرقاوي“، معلنا تمكن الأمريكان أخيرا من رؤية الرجل المرعب الذي أسس ما نسميه اليوم ”داعش“ والذي أدّت وحشيته إلى تبرؤ تنظيم القاعدة منه.

قبل أربع سنوات فقط من العام 2006 كان الزرقاوي مجرد مذنب بسيط في سجون الأردن قبل أن يتم تلقينه أصول التطرف، الذي قذف به بعدها إلى جبال تورا بورا ليقابل بن لادن ويصبح من أعلام الإرهاب، وحينها كانت إدراة بوش قد توصلت لعلاقته بإغتيال الدبلوماسي الأمريكي في عمان عام 2002، وبدأت تبحث عن أي خيط يدل على علاقة ما بين القاعدة وصدام حسين على خلفية أحداث أيلول/ سبتمبر، وكان التساؤل الكبير حينها: هل يكون الزرقاوي هو الحلقة المفقودة؟

ذلك السؤال جعل إدارة بوش تصب تركيزها على الزرقاوي آنذاك، خصوصا بعد أن عرفت بأنه تلقى العلاج يوما في إحدى مستشفيات بغداد الحكومية، وبأنه فر من معسكر شيده بمساعدة القاعدة غرب أفغانستان متجها إلى العراق.

ويطرح الكتاب أسئلة أخرى متعددة عن ذلك الشخص، على شاكلة: لماذا فضل الذهاب إلى العراق بدلاً من البقاء مع بن لادن في كهفه؟ ليقضي وقته في قاعدة أنصار الإسلام المشابهة لطالبان، والتي يعرف عن قادتها شغفهم بالأسلحة السامة واجراؤهم التجارب عليها، فيما كانوا يربطون ذلك بتساؤلات آخرى مثل: هل هنالك شخص ارتبط اسمه بالأسلحة الكيميائية أكثر من صدام حسين في التسعينات؟

0A2836FD000005DC-3250181-image-m-21_1443284433384

يقول الخبير المختص بنشاطات الزرقاوي في وكالة الاستخبارات الأمريكية نادا باكوس، إن مرؤوسيه طلبوا منه إثبات أنه لا علاقة تربط الزرقاوي والقاعدة بصدام حسين، في وقت خرج فيه وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول مصرحاً بأن صدام على علاقة وثيقة بالقاعدة، وأحداث أيلول 2001، فهل كان مخطئاً؟

في محاولته لجعل الزرقاوي ذريعة لغزو العراق، صنع البيت الأبيض منه ”سوبرستار الإسلام“، حيث طبق الزرقاوي كل ما وصفوه به على الأرض وجعل منه حقيقة.

ويضيف الملخص: ”بعد غزو العراق والانهيار الأخلاقي الذي صبغ البيت الأبيض في تلك الفترة، بدأ الزرقاوي حملة هجمات بالقنابل والمفخخات على الشيعة والأمريكان على حد السواء.

وفي يناير 2004 وبعد 10 شهور من دخوله بغداد، بعث برسالة إلى زعيم القاعدة بن لادن يسأله الدعم لمنظمته الصغيرة والفعالة، قال فيها:“كل ما ننشده هو أن نكون رأس حربة لطلائع الإسلام، وأن نكون الجسر الذي تعبر به الأمة الإسلامية إلى النصر المنشود“.

وفي 10 مايو من نفس العام ظهر الزرقاوي في مقطع فيديو مدته سبع دقائق، كان ملثما وممسكا برأس الرهينة الأمريكية نيكولاس بيرغ، والذي كان يجثو أمامه على ركبتية ومرتديا زيا برتقاليا، وجه الزرقاوي رسالة إلى كل العالم حينها مفادها أن على أمة الإسلام أن تعلم أن بشائر الخير قد جاءت، وأن رياح النصر قد هبت، وأكمل خطابه الموجه إلى العالم: ”لن تروا منا سوى قتيل تلو الآخر ونعش تلو النعش“، وأستل سكينه وقطع رأس الرهينة ووضعها على ظهر جثته التي سقطت على الأرض.

هذا المقطع أصبح نموذجا يحتذيه أتباعه الذين أطلقوا عليه شيخ الذباحين أو أمير الذباحين أحيانا، فأصبحنا نشاهد المزيد من مقاطع الذبح التي قام بها أتباعه كسائق الشاحنة البلغاري الجنسية والمترجم الكوري وآخر مصري الجنسية، وأفلت من قبضتهم أيامها لبناني بعد أن دفعت فديته، ليروي للعالم قصص مروعه عن عمليات إعدام قام بها أتباع الزرقاوي على بعض الأجانب الذين لم يتمكنوا من دفع الفدية وكيف تم قتلهم ببرود بواسطة مثقب كهربائي وآخرين صلبوا بعد أن أجتثت ألسنتهم.

وفي يونيو 2004 رفعت الإدارة الأمريكية من قيمة المكافأة لمن يدلي بمعلومات عنه من حوالي 10 ملايين دولار إلى 20 مليونا، ليقارب بذلك الرقم المعروض على رأس بن لادن، فأحتفل بهذا بمقطع فيديو جديد، مشيدا بمقاتلي الإسلام الأوائل وواضعا نفسه بينهم، وداعيا المسلمين في كل مكان للإنضمام إليه، ومن جانبه ظهر بن لادن ليشاركه النصر ويعلنه أميرا للقاعدة في بلاد الرافدين.

2CC9358800000578-3250181-image-a-15_1443283091151

في تلك الحقبة بدأ أعداؤه بالظهور للرد على أفعاله، فوصل بهم الأمر للتعامل مع ”السي آي إيه“ للإدلاء بمعلومات عنه، إحداها كانت تقول بأنه سيتم نقله من الفلوجة إلى الرمادي في 20 من فبراير 2005، فما كان من القوات الأمريكية إلا أن أرسلت طواقم المراقبة المصحوبة بطائرة من دون طيار لترصد شاحنة صغيرة  تقله إلى منزل تحيطه أشجار النخيل، لكن عطلا إلكترونيا منع الطائرة من قصفه، فتمكن من الفرار تاركا الشاحنة، وعند وصول الأمريكان وجدوا مفاجأة غير عادية بانتظارهم، كانت كمبيوتر الزرقاوي المحمول، ولأول مرة يتمكن الأمريكان من الإقتراب من شخصية الزرقاوي، فبعد أن قضى المختصون أسابيع لفك شيفرة الجهاز والوصول إلى الملفات الخاصة به، وجدوا صورا عن جوازات سفر عديدة تحمل صورته بأشكال مختلفة، وأرقام هاتف وعناوين عديدة، إلا أن جميعها كانت قديمة وملغية.

وفي ملفات أخرى عثر الأمريكان على الهيكل التنظيمي لجماعة الزرقاوي، ومقاطع فيديو للقاءات الزرقاوي مع أعوانه وكلامهم عن الخلافة الإسلامية في الماضي وفضائلها، وعن إقامتها في المستقبل القريب.

للمرة الأولى يتمكن الأمريكان من الدخول إلى عقله وتحليل شخصيته، فوصفه خبراء في علم النفس بأنه شخص نرجسي، يعتقد بأنه بطل أسطوري، لا يمانع من قتل الأبرياء بدم بارد.

بعد ستة أشهر تعثر ”السي آي إيه“ على رسالة من الزعيم الثاني للقاعدة أيمن الظواهر، تتألف من 6 آلاف كلمة، تعبر عن رفضه لممارسات الزرقاوي الوحشية، وعدم حاجة المسلمين لها إلا أنه لا يمانع من قتل الأمريكان والجنود العراقيين، ولكنه يرفض تدمير مساجد الشيعة وقتل أطفالهم وحتى مقاطع قطع الرؤوس التي وصفها بالمقززة في رسالته، ولكن الزرقاوي رد عليه بأن كل ما قام به تم إجازته من قبل العلماء المسلمين، وبهذا انفصل الزرقاوي عن القاعدة ”شكلا“ وضرب بنصائح الظواهري عرض الحائط.

كان الأمريكان يقتربون شيئا فشيئا منه، وفي الاجتماع الأمني الأول للبيت الأبيض بخصوص الزرقاوي، سأل بوش جنراله كريستال: ”هل ستتمكن منه؟“، فأجابه :“بكل تأكيد“، فسأله بوش: ”هل ستقبض عليه أم ستقتله؟، فأجابه أفضل أن نقبض عليه فلديه معلومات نريد الحصول عليها“.

ثم جاءت أحداث عمان الإرهابية التي زادت من ضرورة القضاء عليه، وبعد فترة وصلت معلومات تفيد بأن للزرقاوي أب روحي اسمه الشيخ عبدالرحمن، فتمت مراقبة بيته الفاخر لمدة أسبوعين، وفي السابع من يونيو غير عبدالرحمن روتينه اليومي، فخرج من بغداد إلى مدينة ”هبهب“ حيث قابله الزرقاوي، ولكن للمرة الثانية يصيب الطائرة عطلا إلكترونيا، ما أثار غضب الجنرال كريستال، فما كان منه إلا أن أصدر أوامره لطائرة إف 16 كانت تقوم بدورية بالتوجه للمكان، وقال حينها للطيار :“لا يمكننا الانتظار.. أضرب الهدف“، فألقت الطائرة قنبلة نتج عنها وميضا غطى شاشات المراقبة في القاعدة الأمريكية، وعندما انزاح الغبار عن الموقع ألقت الطائرة بقنبلة ثانية فأختفى المنزل، وبعد عشرين دقيقة وصلت الشرطة العراقية وسيارات الإسعاف  إلى الموقع لتجد الزرقاوي ما يزال حيا فنقلته إلى المستشفى وتوفي حوالي الساعة السابعة وأربع دقائق من ذلك اليوم.

ومرت جماعته بمرحلة من التقهقر الذي سرعان ما تحول إلى قوة ”داعش“ مكنتها من تحقيق بعضا من طموحات الزرقاوي بإزالة حدود الشرق الأوسط، والتمدد الذي تؤمن جماعته بأن لا حدود له.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com