ماتيلدا .. ترقص ”الفلامينغو“ بطريقة نزار في إسبانيا

الراقصة الفرنسية تتحول إلى أشهر فنانة شوارع في إسبانيا بعد أن نزلت بهذا الفن؛ "الفلامينغو"، من القاعات المغلقة إلى الشوارع.

المصدر: مدريد- من الربيع ادوم

قررت ماتيلدا ليفيبفر- 28 عاما الراقصة الفرنسية العالمية، أن تعيد فن الفلامينغو الإسباني العريق إلى الشوارع بعد أن ظل حبيس المسارح والمهرجانات، في محاولة لخلق تواصل جسدي بين هذا الفن والجمهور، وخلق بساطة لهذا الفن الذي اعتبر دائما فنا إسبانيا عريقا يعبر عن الهوية وتحيط به تفاصيل غاية في الدقة.

إنها تجربة صعبة وفريدة خصوصا في إسبانيا حيث يعتبر هذا الفن جزء من الهوية، لكنها أيضا تجربة ممتعة ومليئة بالتحدي نجحت خلال في إعجاب الجمهور الإسباني الذي يعطي لهذا الفن عناية كبيرة.
10565200_540978706007137_87

الراقصة الفرنسية ذات التجربة الكبيرة في الجاز والرقص المعاصر بدأت منذ ما يقارب 10 سنوات تدرس الفلامينغو وانتقلت منذ 4 سنوات إلى إسبانيا لتخوض تجربة أكبر عمقا مع هذا الفن الذي تعود جذوره إلى الحقبة التي حكم فيها المسلمون دولة الأندلس لمدة ثمانية قرون انتهت في القرن الخامس عشر.. حيث أدى اختلاط الآلات الموسيقية التي جلبها العرب من المشرق والأدوات الموسيقية الاسبانية إلى إنتاج نمط جديد من الموسيقى والرقص سيكون بعد ثلاثة قرون من خروج العرب من الاندلس، قوة فنية فريدة للتعبير عن قضايا الغجر والموريسكيين، قبل أن يبرز على أيدي الغجر الذين طوروه وأودعوه آلام الرحيل والغربة التي هي جزء من هويتهم، لاحقا سيكون تعبيرا عن آلام الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939 ) وعنوانا للحزن في إسبانيا .. قبل ان يتحول إلى رقصة تعبر عن الحزن والفرح معا في أكثر تجليات اندماج الفنون في المشاعر البشرية المتناقضة.
IMG_3183

اليوم باتت ماتيلدا أشهر فنانة شوارع في إسبانيا بعد أن نزلت بهذا الفن من القاعات المغلقة إلى الشوارع.
وفي ساحة سول المركزية وسط العاصمة مدريد يمكن مشاهدة ماتيلدا وهي ترقص في المساء لجمهورها الذي يتجدد كل ساعة مستمتعا برقصها وقدرتها الفائقة على إتقان حركات الفلامينيعو.. ومن بعيد تدق أقدام ماتيلدا الارض عبر إيقاع منتظم لتجذب الناس من الشوارع القريبة.

في لقاء مع ”إرم“ تقول ماتيلدا: ”منذ الطفولة، كان يجذبني فنانو الشوارع وكنت معجبة بهم دائما. كان عندي خليط من الإعجاب والرهبة، ودائما كنت أحلم أن أفعل ذلك، وهنا في إسبانيا بدأت الرقص في الأماكن المغلقة (قاعات ومسارح …). ولكن هذا سبب لي الكثير من الضيق، وشعرت بأنه أمر يحب الأنفاس، فقررت الخروج بهذا الفن إلى الشارع“.

بالنسبة لماتيلدا العاشقة للحرية والفضاءات المفتوحة بات الرقص في الشوارع عادة مدرة للدخل وان بطريقة مختلفة: ”مع مرور الوقت، أصبح الرقص في الشارع عادة. فالأمر مختلف جدا عن الرقص في الأماكن المغلقة، والسبب الرئيسي هو أن الجمهور لا يدفع أولا ليشاهد، بل يشاهد أولا ثم يساهم إذا رغب في ذلك. لا يوجد أي التزام، هو حر وعفوي… في الشارع، كل يوم، هناك رقصة مختلفة. أنا مختلفة والجمهور أيضا، والمناخ، والشارع نفسه يتغير، وهذا يؤثر على الطريقة التي سوف أرقص بها كل يوم، حيث يختلف الشعور والتعبير.. وتعلمت الكثير عن العلاقة بين الفنان والجمهور، لأنه عندما أرقص، أرقص لنفسي، ولكن أرقص أيضا للجمهور، وأستطيع أن أرى في أعين الناس التعابير بينما أنا أرقص“.
IMG_1145kjh

لكن الرقص في الشوارع خصوصا فيما يتعلق بالفلامينغو ليس بسيطا كما يتصوره جمهور ماتيلدا الذي يشاهد رقصاتها بشكل عابر، حيث تقول الراقصة الفرنسية: ”الرقص في الشارع متعب جسديا لأنني أرقص على لوح خشبي موضوع مباشرة على الإسمنت، وبالتالي لا يحتوي على الخصائص التي يجب أن تتوفر في أرضية رقصة الفلامينغو العادية. لذلك أنا أصاب في كثير من الاحيان، ويعتبر السقوط خطرا، و دائما في نهاية المطاف أحس بألم شديد في القدمين والظهر. كما يصعب علي تحمل الطقس في مدريد.. فبالإضافة إلى التلوث.. فالجو يكون إما ساخنا جدا أو باردا جدا“.

الشابة الفرنسية التي درست التربية الاجتماعية إلى جانب الرقص ترى أبعادا اجتماعية للرقص في الشارع، وعندما تعبر عنه فإن كلماتها تنطلق كالقصيدة الحرة غير المقيدة بالقوافي: ”الرقص في الشارع، قربني من الجمهور، وسمح لي أن أرفع رأسي وأنظر إليه، مع الثقة والتواضع، ودون خوف. علمني الاستماع وتقديم الشكر. وهذا غير طريقتي في الرقص. من ناحية أخرى أعتقد أن الفن له علاقة مع الشارع، والأزقة، والطرق، والساحات، عبر لقاءات عفوية بين الفنان والجمهور.. اليوم، صحيح أن الفلامنينو يشاهد في الغالب في المسارح، والمهرجانات … ولكن لم يولد هناك. الفلامنغو، مثل العديد من الفنون الأخرى ولد في الشوارع، والبيوت، عندما يتجمع الناس، ويغنون ويرقصون بشكل عفوي لأنها كانت طريقتهم في الحياة. الفلامنغو، قبل أن يكون فنا أورقصا … هو طريقة في الحياة.. وأخيرا، الفلامنغو مرتبط بالأرض وبالإنسان وبأشياء ملموسة. الذي يرقص فلامنغو يضرب قدميه بقوة مع الأرض كما لو أن له جذورا فيها .وكأنه سيدخل فيها. ومن جهة أخرى، تمتد ذراعيه نحو السماء، نحو اللانهاية، وتتحرك أصابعه في الهواء، بشكل أثيري.. في الشارع، كل هذا موجود، فتختلط الأشياء الملموسة مثل الأرض والغبار والضوضاء، وبائع اليانصيب، والطفل الذي يتناول الآيس كريم، وخشبة الفلامنغو، والقيثارة، والجسد … مع أشياء لا يمكن لمسها مثل المشاعر والعواطف والحركات. أنا في وسط واقع ملموس، في شارع، وهو جزء صغير جدا من العالم، ولكن في نفس الوقت، أستطيع أن أشاهد السماء.. الفلامنغو، تمارسه قلة منا، ولكنه لا نهائي“.

يثير نزول ماتيلدا إلى الشارع جدلا في الأوساط الفنية، حول موضوع الرقص في الشارع الذي بات موضة إسبانية.. لكن حتى يهدأ ذلك الجدل الكبير حول الفن ومدى نخبويته أو شعبيته، فإن ماتيلدا.. ستظل ترقص على طريقة نزار قباني.. لكن هذه المرة ليست حافية القدمين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com