لبنان ما بين الحياة والموت في لقطات مستحيلة

لبنان ما بين الحياة والموت في لقطات...

صور تأتي بالمخاوف للجميع، ففي كل بيت من الشمال إلى الجنوب، وفي كل شارع في بيروت، فقد الأب والأخ والابن والابنة، ولطخ المسجد والكنيسة بالدماء.

المصدر: إرم- من شوقي عصام

الأجواء التي يعيشها لبنان متأثرا بالأزمة السورية، وتهديدات التنظيمات التكفيرية بتفجير الوضع الداخلي، وعلى رأسها ”داعش“، وسط عمل حزب الله باشتعال الموقف هناك، بتدخله المباشر عبر قواته لدعم نظام بشار الأسد في سوريا، بالإضافة إلى حالة الصدام القائمة بين الطوائف الرئيسية في الحكم، كل من الموارنة، السنة، الشيعة، لاختيار الرئيس الجديد في ظل حالة الفراغ، بالإضافة إلى المحاور الدولية التي تقوم بأدوار لاعبين أساسيين في تأجيج الموقف، وسط وقوف المواطن عاجزا في مواجهة هذا التضارب.

زيادة وتيرة العنف، والمخاطر التي تحيط بفكرة الدولة، أعادت الأذهان إلى فترة الحرب الأهلية المريرة، الملطخة بالدماء، التي دامت لأكثر من 16 عاما، كان فيها السلاح والبارود أصحاب الكلمة العليا، في الفترة ما بين 13 نيسان/ إبريل 1975 و13تشرين الأول/ أكتوبر 1990، وانتهت بانتشار الجيش السوري بموافقة لبنانية عربية ودولية، وذلك بحسب اتفاق الطائف.

”لبنان ما بين الحياة والموت في لقطات مستحيلة“.. هذه هي الحالة التي تعيد الأذهان لما عانى منه لبنان الدولة والشعب، وهي اللقطات التي تأتي بالمخاوف للجميع، ففي كل بيت من الشمال إلى الجنوب، وفي كل شارع في بيروت العاصمة، فقد الأب والأخ والابن والابنة، ولطخ المسجد والكنيسة بالدماء، فأصبح الدمار والخراب هو السائد، ولكن قام هذا الشعب ليعيد البناء مع الذكرى، بإزالة أشكال الهدم والحرق، في وجود عيون وأجساد، كبر بهم العمر في نفس المكان.

اللقطات المستحيلة متعددة أمام هذا الشعب، فنجد الصورة التي يقف فيها الشعب على حافة الموت، وفي نفس الوقت صورة أخرى يعود فيها نفس الشخص، محاطا بالأبناء أو مفتقدا للأخ أو الزوجة.

تأخذنا الصورة الأولى إلى ما يزيد على 30 عاما، وهي على مستوى الرؤساء، تجمع الرئيس اللبناني، بشير الجميل، الذي اغتيل بعد فوزه بالمنصب الرئاسي وقبل استلام السلطة في انفجار شهير، وفي نفس الغرفة بمقر حزب ”الكتائب“ اللبنانية، الذي كان شريكا رئيسيا في الحرب الأهلية، يقف بجانبه شقيقه الرئيس أمين الجميل، الذي استلم السلطة بعد مقتل شقيقه.

ويقف في الصورة الأولى ”بشير“ و“أمين“، كل منهما يتواصل مع الساسة من جهة في لبنان، وأنصارهما في الشارع من جهة أخرى، للوقوف على وضع منظمة التحرير الفلسطينية، برئاسة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، وهي المنظمة التي كانت تتخذ من بيروت مقرا، وجمعها صراع عسكري مع ”الكتائب“، خاصة ”بشير“، وفي الصورة الثانية، بالمبنى الذي تفجر، يقف ”أمين“ في نفس المكان بدون شقيقه، بذات المكتب بعد ترميمه، متابعا إحدى المعارك في منطقة ”الشوف“.

في اللقطة الثانية، نجد رئيس الحزب الاشتراكي التقدمي، وليد جنبلاط، زعيم الطائفة الدرزية، محمولا من جانب حرسه الخاص، لإنقاذ حياته بعد انفجار ضرب قصره وسط أنصاره في بيروت الغربية، وذلك في إطار حرب الشوف، التي تناحر فيها الموارنة مع الدروز، ليتهم الرئيس أمين الجميل وقتها، بمسؤوليته عن هذا الاغتيال، وبعد 20 عاما، ومع انتهاء الحرب الأهلية، يجلس ”جنبلاط“ في نفس مكان التفجير بحديقة القصر، ولكن هذه المرة بدون أي تفجيرات.

صورة أخرى ليست لزعيم أو رئيس في لبنان، فهي لأم وابنها الرضيع، تحمله وسط القذائف المتبادلة بين الميليشيات المتناحرة، تضع رضيعها في حضنها، تنتظر هدنة بسيطة في حماية أحد جنود الميليشيات، لتعود بابنها بسلام، ومع مرور السنين، يصبح الطفل شابا ابن 20 ربيعا ويقف مع والدته في نفس المكان، ولكن في هذه المرة بدون قذائف أو حماية من الميليشيات.

وسط النار والحرب التي اعتاد عليها اللبنانيون، لم تتوقف الحياة، فهو شعب يتمسك بالاستمرار في الوجود، ولذلك كانت اللقطة الخاصة بعريس وعروسه وقت الحرب يمران على آثار الحرب للوصول إلى منزلهما في شارع سوديكو، باتجاه ساحة الشهداء بقلب بيروت التي كانت وقتها ساحة للأشباح، وبعد سنوات ومع انتهاء الحرب، بدأت آثار الدمار إلى زوال، ونجد زفافا لعريس وعروسه يمران في نفس المكان، ولكن بقليل من أجواء الفرحة.

”الأم“ عانت كثيرا في الحرب الأهلية، فمات لها الابن وفقدت الرضيع، وهناك من يبحثون على أبنائهم وبناتهم حتى الآن، وفي لقطة بالحرب الأهلية، نجد أما تجري في الشارع وسط نيران وخراب، في حالة فزع تبحث عن ابنها وابنتها الصغيرين، وتتضح الدماء على ملابس الأم بعد أن ظلت تبحث بين الجثامين الملقاة على الأرض، لتعود الأم في منطقة المتحف بنفس المكان، ولكن هذه المرة مع الابن والابنة بعد أن أتما دراستهما وأصبحا في عمر الشباب.

لقطة أخرى تكشف مدى حدة الحرب الأهلية في لبنان، والمكان هذه المرة على الطريق الساحلي الذي يربط شمال بيروت ذا الأكثرية المسيحية، بجنوب بيروت الذي يشهد وجودا سنيا، وذلك عند نفق ”الكتائب“ عند نهر الكلب، وهذا النفق يربط أيضا لبنان شمالا وجنوبا، ونجد في لقطة الثمانينات، عناصر من قوات ”الكتائب“، تقوم بإغلاق النفق نهائيا بحواجز رملية وخرسانية، ولقطة أخرى يفتتح النفق بعد الحرب ليمارس اللبنانيون انتقالهم بشكل طبيعي بعد أن انقسمت الأرض.

لقطات ما بين منطقة جامعة بيروت العربية، التي كان فيها المشهد مدمرا، فانهارت المباني وأصبحت مساوية للأرض، لا تشهد بشرا ولا ناسا، وبعد الحرب، أعيد البناء لتدب الحياة مرة أخرى، مع مرور الأب مع ابنه الصغير، شارحا له ما عاناه الوطن، وأيضا مطار بيروت، الذي لا يمر عليه حدث في لبنان، وما أكثر الأحداث المضطربة هناك، حتى يعاني من قصف سواء للطائرات أو المباني، وهناك مشهد أيضا، قاس على جميع من يتعاطفون مع معاناة الشعب الفلسطيني، وهي مجزرة ”صابرا وشاتيلا“، التي تتراوح تقديرات الضحايا ما بين ألف إلى 3 آلاف شهيد، وتمر السنوات وتنتهي الحرب، ويقف الأطفال في أماكن دماء الأب والأخ، ويستمر عناء المخيمات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com