لغز كاهوكيا.. لماذا اختفت أضخم مدن أمريكا الشمالية؟

لغز كاهوكيا.. لماذا اختفت أضخم مدن أمريكا الشمالية؟

المصدر: إرم نيوز- إسماعيل الحلو

كانت مدينة كاهوكيا الواقعة في إيلينوي الجنوبية، على بعد 8 أميال من مدينة سانت لويس الحالية، في أمريكا الشمالية وشمال المكسيك، تمتاز بالازدهار، والثراء بتعداد السكان يشابه لندن، وذلك قبل أربعة قرون من وصول كولومبوس للنصف الغربي من الكرة الأرضية. وذلك حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

وبنى هذه المدينة أبناء المسيسيبي، وهم مجموعة من الأمريكيين الأصليين الذين سيطروا على جنوب شرق الولايات المتحدة اليوم، من نهر المسيسيبي وحتى شواطئ المحيط الأطلسي.

تاريخ مدينة كاهوكيا، غير معروف لأغلب الأمريكيين  

كما كانت مدينة كاهوكيا، مدينة راقية وعالمية في ذلك الحين. إلا أن تاريخها عمليًا غير معروف لأغلب الأمريكيين وسكان إيلينوي الحاليين. إنها واحدة من تلك القصص المطموسة التي نسيها التاريخ، ودعم ذلك الأدب وقرن من السينما الأمريكية، حيث تم تصوير سكان أمريكا الأصليين على أنهم متخلفين وبدائيين.

يقول توماس ايميرسون، البروفيسور في علم تاريخ الإنسان، الأنثروبولوجيا، في جامعة ايلينوي: ”الكثير من الناس في العالم ما زالوا يتخيلون رعاة البقر والهنود الحمر، الريش والخيام“. ”لكن عام 1000 قبل الميلاد، ومنذ البداية، قبعت مدينة في مكان محدد. لم تكبر المدينة لتحتل الموقع، بل بدأت هكذا كما هي. لقد صنعوا أضخم تلة ترابية على الإطلاق في أمريكا الشمالية.

في حين، جعل تعدد الأعراق من كاهوكيا مدينةً تشبه مانهاتن، حيث كان السكان يأتون من جميع أنحاء منطقة حكم أبناء المسيسيبي: الناتشيز، والبنساكولا، والشوكتاو، والأوفو. حيث أجرى علماء الآثار فحص الإسترونتيوم على أسنان البقايا المدفونة من البشر هناك، ووجدوا أن ثلث السكان ”لم يكونوا من كاهوكيا، لكن من مكان آخر“، وفقاً لإيميرسون، الذي كان أدار المسح الأثري لولاية ايلينوي.

ووفقًا لصحيفة الغارديان، عمل سكان أمريكا الأصليون في كاهوكيا، بالزراعة والتجارة والصيد. وكانوا أيضًا مخططين متحضرين، حيث استخدموا المحاذاة الفلكية لتخطيط مدن صغيرة تتكون من 10-2000 نسمة، مبرزين مركزًا للمدينة بساحات عامة واسعة ومبانٍ أساسية وضعت على قمة التلال الترابية الصناعية. وأكبر هذه التلال كان بارتفاع 100 قدم وتغطي مساحة 14 هكتار وما زالت موجودة لغاية الآن.

لكن بدلاً من التطور لمدينة عصرية مثل لندن، أصبحت كاهوكيا مثل قارة الأطلنطس الأسطورية الضائعة. ومثلما أصبحت مركزًا سكانيًا رئيسًا حوالي عام 1050 قبل الميلاد، فقد تم هجرها بشكل كبير من قبل سكانها بحلول عام 1350 دون أن يعرف السبب بشكل مؤكد. فالعلماء نفوا أن تكون الحرب، أو الوباء، أو الغزو الأوروبي سببًا لترك سكان كاهوكيا لمنازلهم. وبالفعل، فقد كان أول رجل أبيض يصل هذه الأراضي هو المستكشف الاسباني هيرناندو دي سوتو، وكان ذلك عام 1540.

وسيطر أبناء المسيسيبي بناة التلال على جزء كبير من النصف الشرقي للولايات المتحدة حاليًا بين الأعوام 1000 و1500. والعديد من قراهم أسست بالقرب من الطرق التجارية أو مصادر المياه والطعام، لكن كاهوكيا كانت مختلفة.

فبالرغم من غناها بالخشب والغزلان والأسماك من نهري ميزوري والمسيسيبي، إلا أن الأرض كانت معرضة للفيضانات. ووفقًا لإيميرسون، فإن التفسير الأكثر ترجيحًا هو أن كاهوكيا خططت وأنشئت بشكل مضاعف لتكون ”مدينة حج“، حيث يمكن لجميع أبناء المسيسيبي التجمع في المناسبات الدينية.

ويقول ايميرسون: ”من الممكن أنها كانت منطقة جيدة للاستكشاف، لكنها ليست جيدة للعيش بها. لكن حينها تغيّر شيء ما حوالي عام 1000 قبل الميلاد، وأصبحت هذا المركز الرئيسي. أغلب التغيير لم يكن متعلقًا بالاقتصاد، وإنما بالدين“.

أبناء المسيسيبي صمموا مدينة ذات حدود منيعة

ولا يختلف الأمر بالنسبة لمدينة كاهوكيا، بعد حدوث الحرب في الضواحي الأمريكية مثل، ليفيتاون بولاية بنسلفانيا أو بارك فوريست بولاية إيلينوي، حيث صمم أبناء المسيسيبي، وبنوا كاهوكيا متنبئين بنجاح تدفق السكان إليها. لقد صنعوا مدينة مساحتها من 6 إلى 9 أميال مربعة، و120 تل ترابي داخل حدودها المنيعة. هذه التلال كانت عملاً شاقًا جدًا، حيث كان عليهم الحفر، نقل وتكويم 55 مليون قدم مكعب خلال بضعة عقود من الزمان، مستخدمين فقط السلال لنقل كل هذا الكم من التراب.

وكانت أكبر تلال كاهوكيا، التي سميت لاحقًا بتلة الراهب تيمنًا بالرهبان الفرنسيين الذين زاروا حدائقها المدرجة في القرن التاسع عشر، موقعًا لمبنى ضخم اجتمع فيه السياسيون والقادة الدينيون لكاهوكيا وفقًا لعلماء الآثار. ويحيط بمركز المدينة سياج من الأوتاد الخشبية بمحيط ميلين، حيث يتعبد السكان والحجاج والقادة ويقيمون شعائرهم الدينية.

وعاش أغلب أبناء المسيسيبي، على الجانب الآخر من السياج الخشبي في بيوت مستطيلة الشكل مكونة من غرفة واحدة، وأبعادها حوالي 15 قدم طولاً و12 قدم عرضًا، بجدران من الخشب العريض المغطى بالحصائر سقف من القش. وبعيدًا عن كونها تجمع من القرى أو المخيمات، فقد كانت المنازل متصلة فيما بينها بالساحات والممرات، مشكلة اتصالات حقيقية لا تختلف عن الشوارع المعاصرة. بل أن السكان قاموا بتحديد الطريق الغربي والشرقي الذي يمثل الطريق الرئيس بين المكان وسانت لويس الحالية.

نهاية المدينة تمثل لغزًا

كانت كاهوكيا في أوج حضارتها، تزخر بالنشاط. الرجال يصيدون، ويزرعون ويخزنون الذرة، ويقطعون الأشجار للبناء. والنساء كن يعملن في الحقول، يصنعن الأواني الفخارية، يحكن الحصائر والأقمشة، ويقمن بعرض منتجاتهن غالبًا، ويشاركن نشاطهن الاجتماعي في ساحات صغيرة، وحدائق تقع خارج كل تجمع للمنازل. فيما كانت التجمعات الدينية والطقوس، تحدث في الساحات العامة والمباني داخل حدود السياج الخشبي.

ويوضح البروفيسرو الفخري في علم الآثار في جامعة نورث ويست، جيمس براون: ”كان هناك اعتقاد بأن ما يحدث على الأرض كان يذهب لعالم الأرواح، والعكس كذلك، لذا حين كانوا يذهبون للقيام بهذه المراسم المقدسة، كان يجب أن يكون كل شيء دقيقًا“.

وعمل أبناء المسيسيبي على جعل اتجاه مركز كاهوكيا تمامًا على خط الشرق-الغرب، مستخدمين خطوط المكان ومواقع الشمس، والقمر، والنجوم لتحديد الاتجاهات بدقة متناهية. وغربي تلة الراهب، كانت هناك دائرة من الأعمدة الطويلة التي وضعت لتحديد موقع شروق الشمس لوضع علامات على حدوث انقلاب الصيف والشتاء، واعتدال الربيع والخريف. وتم إعادة نصب هذه الأعمدة التي سميت ”وودهينج“ من قبل علماء الآثار الذين بدأوا بأبحاثهم عن المنطقة عام 1961.

وكشفت أعمال التنقيب منذ الستينيات عن معلومات مثيرة عن هذه المدينة القديمة. حيث عثر الباحثون على حجارة فنية وأشكال مصنوعة من السيراميك؛ وكان براون جزءًا من الفريق الذي عثر على معمل صغير للنحاس بجوار قاعدة إحدى التلال. حيث قال: ”في الداخل كان هناك موقد للنار وقطع فحم، حيث كان يمكن سكب النحاس وتشكيله. كانوا يقطعون النحاس، ويقومون بتسخينه للسماح بترتيب جزيئات النحاس، وحين يتم تبريدها بالماء ستحصل على قطعة من الحلي، خرزة كروية“.

واكتشفت أعمال التنقيب عن الآثار أيضًا، تلة تحتوي على مقابر كثيرة. وبينما ما زالت مساحتها موضع جدل، إلا أنه يبدو بأن أبناء المسيسيبي قاموا بعمل طقوس فيها قرابين بشرية، حيث أن هذه المقابر احتوت على مئات البشر، غالبيتها لنساء صغيرات دفنت هناك. وبعض البقايا بدا أنها ماتت شنقًا؛ وبعضها يحتمل أنها ماتت بإراقة دمائها. أربعة رجال وجدوا مقطوعي الرؤوس والأيدي؛ بينما احتوت حفرة دفن أخرى على غالبية من الذكور الذين ضربوا بالهراوات حتى الموت. قد يكون سكان كاهوكيا قد قاموا وتعرضوا لكثير من هذا العنف، حيث أن الباحثين لم يجدوا دليلاً على حرب أو غزو من الخارج.

 ويقول إيميرسون بأنه نقب في مواقع أخرى للأمريكيين الأصليين، وكانت مليئة برؤوس السهام التي تركت بعد الحرب؛ وبالمقارنة، لم يكن هناك شيء مشابه في كاهوكيا. وأضاف، ”إنه أمر مثير. في كاهوكيا كان الخطر من الناس الذين يعيشون على قمم التلال؛ وليس من أناس آخرون، من قبائل أو أماكن أخرى، يهاجمونك“.

من جانبه، أشار عالم الآثار والمدير المساعد في موقع تلال كاهوكيا، ويليام ايسمنغر، بأنه لا بد من وجود خطر مستمر على المدينة، سواء من مصدر داخلي أو خارجي، وهذا ما جعل من الضرورة إعادة بناء المدينة لأربعة مرات بين الأعوام 1175 و1275.

ويضيف ايسمنغر، ”ربما لم تتم مهاجمتهم أبدًا، لكن الخطر كان موجودًا بحيث شعر القادة بضرورة التوسع، وحاجتهم لعدد كبير من العمال، والمواد لحماية مركز منطقة الطقوس“.

وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية، تمثل قصة التراجع ونهاية كاهوكيا لغزًا. حين وصلت لأقصى تعداد سكاني عام 1100، وبدأ التعداد بالتقلص، واختفى بحلول عام 1350. ربما استنزفوا موارد الأرض، كما يفترض بعض علماء الآثار، أو كانوا ضحايا عدم استقرار سياسي واجتماعي، أو تغير مناخي، او امتداد الجفاف. بكل الأحوال، ابتعد أبناء المسيسيبي عن كاهوكيا لتصبح مهجورة بالكامل.

ولا تظهر قصص كاهوكيا في فلكلور الأمريكيين الأصليين، ولا حتى في التاريخ الشفهي، كما يقول إيميرسون، ”من الواضح أن ما حدث في كاهوكيا ترك أثرًا سيئًا في عقول الناس. الأرض والتلال فقط ما يروي القصة“.

ووتقول الغارديان، إنه من خلال استمرار الدراسات الأثرية، أصبحت تلة الراهب هي مركز تلال كاهوكيا التي تمتد على 3.5 ميل مربع من الموقع الأثري، والذي يعتبر موقع تراث عالمي من قبل اليونيسكو منذ عام 1982، ويحتوي على 2200 هكتار من الأرض، و72 تلة باقية، ومتحف. وتدرس دائرة الحدائق الوطنية الأمريكية احتمال أن تضم المنطقة والتلال المحيطة الباقية تحت جناحها.

ويعطي الاهتمام الفيدرالي في المنطقة كاهوكيا، المزيد من الشهرة والسياحة. حيث يزور المدينة حاليًا نحو 250 ألف شخص سنويًا؛ في الوقت الذي يستقطب فيه قوس مدخل إيرو سارينين الأكثر حداثة في سانت لويس نحو 4 ملايين زائر سنويًا.

ويختتم براون قوله في تقرير صحيفة الغارديان، ”كاهوكيا هي قصة تم التقليل من شأنها. عليك الذهاب إلى وادي المكسيك لتعثر على ما يضاهي هذا المكان. إنه موقع يتيم تمامًا، بل إنها مدينة ضائعة بكل ما للكلمة من معنى“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com