أجبان باجة الإيطالية يتوارثها التونسيون‎ – إرم نيوز‬‎

أجبان باجة الإيطالية يتوارثها التونسيون‎

أجبان باجة الإيطالية يتوارثها التونسيون‎

المصدر: إرم نيوز- الأناضول

باجة- منذ ما يزيد عن قرن استقر مزارعون إيطاليون في محافظة باجة، شمال تونس، وأسسوا  صناعة أجبان محلية رفيعة.

ومن أجل أجبان جيدة جلب الإيطاليون معهم أغنامًا من سلالة  فريدة تسمّى“صقلّي سردي“؛ لإنتاج الحليب الذي تصنع منه أنواع تلك الأجبان الفاخرة.

وما تزال ”حارة الإيطاليين“، وسط مدينة باجة، شاهدة على أيام الطليان في المدينة التي تعتبر المزود الأول للحبوب والمنتوجات الزراعية في تونس.

وفي فترات متأخرة من مرحلة الاستعمار الفرنسي، وإثر استقلال تونس سنة 1956، غادر أغلب الإيطاليين البلاد، إلا أن سكان باجة حافظوا على صناعة الأجبان وتوارثوها، حتّى أصبحت مادة غذائية ضمن أطباقهم اليومية.

t (4)

في منطقة ”الرّويقيبة“، محافظة باجة، تحدث زيّاد بن يوسف ( 53 عامًا)، وهو مزارع ومربّي أغنام حلوب،  مشيرا إلى أصوله التركيّة، حيث قدم أجداده خلال العهد العثماني، واستقرّوا في باجة بعد شراء أحدهم (وهو محمّد الصغير بن يوسف) أراضٍ فلاحيّة حوّلها فيما بعد إلى ضيعات منتجة.

وحول تخلّيه عن الوظيفة العمومية، واشتغاله بتربية الأغنام الحلوب، يرجع الأسباب إلى التنشئة الاجتماعية التي قوامها حبّ العمل، وخدمة الأرض التي ورثها عن أجداده الأتراك، وساعدته في تربية  الأغنام.

بن يوسف يؤكّد أن جميع من بقي من أفراد عائلته يمتهنون العمل الفلاحي، وحتى زوجته عاتقة بن يوسف يعتبرها ذراعه الأيمن، وهي مثال للمرأة الحديثة التي تهتم بتربية أبنائها ومساعدة زوجها.

t (1)

تعتبر عاتقة تربية الأغنام الحلوب ”عشق لا ينتهي“، وهذا العشق هو القاسم المشترك بين الزوجين، ودافعهما إلى تطوير قطيع الأغنام والمحافظة على سلالته التي جلبها الإيطاليون في  بدايات القرن العشرين أثناء فترة الاستعمار الفرنسي.

تسمّى السلالة ”صقلّي سردي“، نسبة إلى جزيرتي صقلّية في إيطاليا، وسردينيا في جنوب فرنسا، وقد واجهت الانقراض في باجة مع بداية هذا القرن، إلا أن رغبة زيّاد مثلت سدّا منيعا، واستطاع المحافظة عليها من خلال تطوير القطيع الذي يملكه بالضيعة التي ورثها عن أجداده، في مرحلة أولى.

وفي مرحلة ثانية تمكن بن يوسف بمساعدة بعض الفلاحين من تأسيس تعاونية تعنى بمربّي الأغنام الحلوب، حيث ساعدت عددا منهم على الاقتراض من بنك التضامن الحكومي، لإنشاء مشاريع صغرى تتمثل في اقتناء الشياه وتربيتها، إضافة إلى بيع منتوجها من الحليب.

t

بفضل هذا التعاونيّة انتشرت تربية الأغنام بين صغار الفلاحين، وأمكن تطوير قطيعها ليصل اليوم، حسب محدّثنا، إلى ثمانية آلاف رأس غنم ”صقلّي سردي“، وأمكن أيضا لابن يوسف من افتتاح مطعم سياحي على ربوة ”الرويقيبة“، يحمل اسم ”برج للاّ“، احتفاء بما قدمته إحدى جدّاته في المحافظة على تربية هذه الأغنام، وعدم التفريط بها رغم الأزمات.

ويقدّم مطعم برج للا، أنواع ”الأجبان الصقليّة“، ويمكن مشاهدة قطعان الأغنام من شرفة المطعم وهي ترعى، إضافة إلى عمليّة حلبها، وصولا إلى مراحل صناعة الأجبان، التي يمكن متابعتها عبر حاجز زجاجي  في الورشة المخصصة لذلك، والتي يشرف عليها عدد من الفنيين المختصين في هذه الصناعة البيولوجيّة.

ويمكّن المشروع المحترفين والزائرين من تذوّق الأجبان للتعرف على جودتها، والتمييز بين مختلف أنواعها، والتي نذكر من أهمّها الجبن الصقلّي، والصقلّي المطبوخ، والصفصاف، والقوتة، والموتزاريلا، أما أسعارها فتتراوح بين 14 دينارا (7 دولارات)، و30 دينارا تونسيّا ( 15 دولارًا)،  للكيلوغرام الواحد.

وغير بعيد عن منطقة ”الرويقيبة“ بمنطقة باجة الشّمالية، ينتشر عدد كبير من الفلاّحين الصّغار، الذين يتكّلون بإنتاج حليب الأغنام وبيعه إلى مصانع الأجبان بالمنطقة.

t (3)

حبيب غرايبي، وهو مربّي أغنام يهتمّ أساسا بزراعة نبتة ”الفصّة“، ثم جمعها وتقديمها كعلف بيولوجي للأغنام، إذ تتميّز بمردوديّة عالية في إنتاج الحليب، و يوافقه الرأي اسماعيل وشتاتي، وهوعامل مختص في حلب الأغنام، ويقول: ”هذه السّلالة من الأغنام إذا حظيت بعناية مالكها، تنتج يوميا بين لتر ولترين من الحليب إضافية“.

أمّا كمال الوشتاتي (48 عاما)، فيدعو كل الفلاحين إلى تربية هذا النوع من الأغنام لمردوديتّه المالية، فثمن بيع اللتر الواحد لهذا النوع من الشياه يقدّر بدينارين (1 دولار)، يوفّر منهما الفلاح دينارا واحدا كربح صافي، ويستأنف قائلا :“كنت أعمل بحظائر البناء في العاصمة، وحين سمعت بهذا المشروع عدت واقترضت من البنك، والحمد لله سددت ما عليّ من ديون وأنا اليوم أملك 30 شاة، توفّر لي دخلا شهريا محترما يقدر بألف دينار (500 دولار).

يشاطره الرأي محمد علي وشتاتي، وهو مربي أغنام وفني متقاعد في الإنتاج الحيواني، يتحدث عن تجربته: ”لو خيّروني بين الوظيفة وبين تربية هذا النوع من الأغنام لاخترت الثاني خاصة مع تأمين وضمان مسالك الترويج والبيع“.

t (2)

وعن تطوير قطيع هذا النوع من الشياه، يقول وشتاتي ”إنّ الأمر مرتبط أساسا بالطلب، فلا يمكن زيادة القطيع إلا بعد ضمان الترويج، حتى لا يتضرّر القطيع الحالي، ويتجنب هؤلاء المربون الصغار بيع قطعانهم والإفلاس أيضا، في النهاية  نحن نعوّل على مشروع ”هيلفتراد“ الذي بإمكانه خلق طرق ترويج إضافيّة عن طريق التصدير، وقتها سنفكر في تطوير قطيعنا“.

في اتّجاه مدينة باجة يتمركز مجمع التنمية الفلاحي لمربّي الأغنام الحلوب، وهو عبارة عن وحدة صناعية تتولى شراء الحليب من الفلاحين وتحويلها إلى أجبان، وتشغّل هذه الوحدة خمسة فنيين يتولون أيضا الإشراف على تدريب عدد من الطلبة في اختصاص الصناعات الغذائية.

أمّا في مدينة باجة فيوجد ما يقارب 20 محلًّا لبيع الأجبان ومشتقاتها، يتوافد عليها الحرفيون لاقتناء هذه المادة حسب أذواقهم وقدراتهم الشرائية، حيث تتناول بعض الفئات الجبن الصّقلّي، رغم ارتفاع سعره، في حين تتناول فئات أخرى الأجبان المصنوعة من حليب الأبقار لانخفاض سعرها، واعتدال دسامتها.

العادات الغذائية في مدينة باجة، واستعمال مشتقات الأجبان في أطباق مختلفة، ساهم بقسط كبيرة في التعريف بفوائد الأجبان، وبالتالي الحفاظ على هذا الموروث الصناعي، أما تطويره فيرتبط أساسا بمدى قدرة المصنّعين على ترويج هذه المادة الغذائية خارج حدود البلاد، لارتفاع جودتها وانخفاض كلفتها مقارنة بأسعارها العالمية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com