”فسقية الأغالبة“ في تونس .. شاهد على معركة تطويع المياه‎

”فسقية الأغالبة“ في تونس .. شاهد على معركة تطويع المياه‎

تونس- لا يمكن لأي شخص أن يزور مدينة القيروان التونسية، دون أن يمر على ”فسقية الأغالبة“ أو ما كانت تسمى ”برك الأغالبة“، ذلك المعلم المائي الضارب في القدم، والذي استطاع ترويض المياه عبر قرون.

والأغالبة سلالة عربية من بني تميم، حكمت في المغرب العربي (شرق الجزائر، وتونس، وغرب ليبيا) مع جنوب إيطاليا، وصقلية، وسردينيا، وكورسيكا، ومالطة، وامتدّت فترة الحكم الأغلبي بين 800-909 م.

وقد قاوم هذا المعلم المائي كل عوامل الاندثار عبر قرون عديدة، ليبقى شاهداً على براعة الأغالبة في فن العمارة، وحنكتهم، وحسن استغلالهم للموارد المائّية في منطقة كثيراً ما عرفت بقلّة هطول الأمطار.

وفي حديث مع حول هذه ”الفسقيات“، قال رئيس جمعية صيانة مدينة القيروان، مراد الرماح : ”برك الأغالبة هي من أهم المنشآت المائية في العالم الإسلامي وهي تعبر عن معركة الأغالبة ضد القحط، وانعدام الماء، وذلك خلافا للمدن الإسلامية التي كانت بها أنهاراً وعيوناً“.

وأضاف الرماح الذي يعمل أيضاً أستاذاَ في المعهد الوطني للتراث (حكومي): ”مدينة القيروان كانت تشكو من نقص في المياه، وهو ما جعل الأغالبة يتداركون ذلك من خلال بذل مجهود وعبقرية فذّة أسفرت على ترويض المياه خلال أوقات الفيضانات، وتجميعها في هذه البرك“.

وبحسب الباحث فإن ”برك الأغالبة التّي أسسها إبراهيم أحمد الأغلبي، أواسط القرن التاسع ميلادي، وتحديداً عام 248 للهجرة، هي متباعدة الأطراف، وتبلغ حمولتها أكثر من 75 ألف متر مكعب“.

وفي تلك الحقبة، كان يحيط بالقيروان، أكثر من15 ماجلاً (خزان مياه كان يستخدم لتجميع مياه الأمطار واستعمالها فيما بعد لأغراض يومية)، ولم تكن بهذا القدر من الأهميّة إلا أنها كانت تحاول أن تتجاوز مشكلة نقص الماء، وفق الرماح.

ويبلغ عمق البرك 4.8 مترا، فيما يتجاوز قطرها 128 متراً، وهي محاطة بالعضائد حتى تتمكن من التّصدي لضغط المياه الجانبية.

ويذكر الباحث أن هذه البرك كانت تضم ”كُشكاً“ وهو عبارة عن منتزه للأمراء الأغالبة، ووفقاً لروايات فإن أحد هؤلاء الأمراء كان قد أقام سفينة أسماها ”الزلاج“ في تلك البرك لهدف التفسح.

وتتكون الفسقية أيضاً، من 3 عناصر أساسية هي: البركة الصغيرة تُصفّى فيها مياه الفيضانات والأمطار، والبركة الكبرى تتم فيها التصفية الثانية لتُحمل فيما بعد إلى الماجل وحمولته التي تتجاوز 900 متر مكعب.

وتعتبر هذه البرك فريدة من نوعها، كما يصفها الرماح، لاسيما في تلك الحقبة التّاريخية، وهي وليدة حاجة السّكان آنذاك للماء، لأن مناخ القيروان الذي يتميز بارتفاع درجات الحرارة، وقلة الموارد المائيّة، يستجيب لمثل هذه المنشآت المائية.

وعلى الرغم من عراقة هذا المعلم المعروف بصلابته وتناسق أحجامه، إلا أنه يواجه اليوم مشاكل أبرزها، المياه التي تتسرب من الأسفل، وهي مياه راكدة، لابد من خلق حركة فيها، إلى جانب التربة المحيطة بها وهي شديدة الملوحة وبالتالي يصعب إقامة منتزهات، وزراعة أشجار وأزهار فيها، بحسب الباحث نفسه.

ودعا الرماح إلى القيام بعملية صيانة لهذه البرك، حتى تكون مستجيبة للمقاييس العلمية، ولمعايير التراث العالمي.

من جهته، قال المتفقد (المسؤول) الجهوي للتراث بالوسط الغربي، جهاد صويد القول إنّ ”أطرافاً عديدة تتداخل وتترابط في صيانة فسقيّة الأغالبة والمحافظة عليها، على غرار المعهد الوطني للتراث (حكومي)، والبلدية، والمجلس الجهوي، وقد تم تفريغ المعلم وتنظيفه منذ مطلع العام الجاري“.

وأضاف أنه تم إنجاز قنوات التّصريف الخاصّة، لإفراغ هذه الوحدة من المياه القديمة الرّاكدة، ومن ثم ربطها بشبكات التطهير، فضلاً عن المتابعة والتنسيق مع باقي الأطراف، إضافة إلى إنجاز الجزء الأول من التسييج (إقامة جدار حديدي على طول المعلم للمحافظة عليه) على امتداد أكثر من 330 متراً.

وأشار إلى أن وضعية الإهمال تعود إلى سنوات سابقة، وترجع إلى تقصير من بعض الأطراف ( لم يسمها)، مستطرداً : ”هذا تراث وطني وعالمي، ولا أحد يرضى له ذلك، ومن أجل هذا تم عرض مشاكله ولو بشكل عام على البلديّة، والمجلس الجهوي، والمجتمع المدني، للخروج من الوضعية الكارثية لهذا المعلم“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com