سيتيزين فور… طبيعة الاستعمار الجديد

سيتيزين فور… طبيعة الاستعمار الجديد

إذا كنت من هواة مشاهدة أفلام الإثارة والتشويق، ولكنك سئمت من أفلام هوليود المملة والمكررة؛ فإليك فيلماً يستحق مشاهدتك! إنه الفيلم التسجيلي (Citizenfour، 2015)؛ الحاصل على جائزة أفضل فيلم تسجيلي طويل في أوسكار 2015، والحاصل أيضاً على أكثر من 40 جائزة عالمية للسينما التسجيلية.

فالفيلم رغم أنه وثائقي، إلا أنه ربما يكون من أفضل أفلام التشويق لهذا العام، وقد أصبح متاحاً أخيراً في الأسواق على أقراص الديفيدي مصحوباً بترجمة عربية.

تدور أحداث الفيلم خلال الأيام الأولى، التي قرر فيها أحد أهم العاملين في برنامج التجسس الإليكتروني الذي صممته (وكالة الأمن القومي الأمريكية)، بنشر حقيقة ذلك البرنامج المخيف على الرأي العام الأمريكي والعالمي. هذا الرجل هو (إدوارد سنودن)؛ المبرمج ومحلل المعلومات السابق في وكالة الاستخبارات الأمريكية.

والفيلم يتمركز بالأساس حول الأيام الثمانية من شهر يونيو 2013، التي التقى فيها سنودن، سراً، في غرفته بفندق (مايرا) بهونج كونج، بمخرجة الفيلم (لورا بوايترس)، وزميلها الصحفي بصحيفة الجارديان البريطانية (جلين جرينولد)، ويرصد الفيلم المقابلات المُكثفة التي جرت مع سنودن في تلك الأيام الثمانية، والتي تَكَشَّف فيها هول وخطورة برنامج التجسس الإليكتروني الأمريكي.

سنودن الذي كان بالنسبة لنا، طوال الثلاث سنوات الماضية، أقرب إلى شبح في نشرات الأخبار، نراه لأول مرة في هذا الفيلم يتحدث ويعبر عن أفكاره ومشاعره، بل ومخاوفه أيضاً. وما يجعل الفيلم جديراً أيضاً بالمشاهدة هو أننا نشهد توثيقاً أميناً للحظات الأولى التي التقى فيها سنودن بالصحفيين الذين سيفجرون لاحقاً قضية التجسس الإليكتروني الذي تقوم به أمريكا على العالم، وكأننا نشهد هنا بداية لحظة تاريخية هامة وفارقة تولد أمام أعيننا.

فيلم (سيتيزنفور) هو صورة عن القوة وجنونها في عالم اليوم، وهو فيلم أيضاً عن الاستعمار الحديث. إن الأشكال المادية القديمة للاستعمار؛ حين كانت دولة تقوم باحتلال دولة أخرى لاستغلال مواردها الاقتصادية والبشرية، قد انتهت، ليحل محلها شكل آخر من أشكال الاستعمار، أكثر ضراوة، وأبشع هيمنة، لأنه يشمل العالم كله، حتى مواطني دولة الاستعمار أنفسهم.

لقد بنت الإدارة الأمريكية أداة للقمع فاقت وتجاوزت أية غاية يمكن أن تبررها، وتضخم برنامج التجسس إلى الدرجة التي أصبح فيها أكثر أهمية من أية غاية، بل أصبح هو الغاية في ذاتها.

بدأ برنامج التجسس الإليكتروني في عهد جورج بوش الابن بعد أحداث 11/9، بحجة جمع معلومات عن الإرهابيين، لكن باراك أوباما كان أكثر الداعمين له بلا حدود، وتطور البرنامج الآن فأصبح قادراً على بلع وتخزين جميع المعلومات التي يتم تداولها على الكرة الأرضية لحظة بلحظة، وعلى نحو يُمَكِّنه من رسم صورة دقيقة ليس فقط لتحركاتك، وهواياتك، وتفضيلاتك الموسيقية والأدبية والفنية، وقراراتك الشرائية، ولكن أيضاً لمزاجك، ومشاعرك، وأدق التفاصيل المكونة لشخصيتك.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com