”نساء الأرز“ في بوركينا فاسو.. كفاح السواعد النحيلة

”نساء الأرز“ في بوركينا فاسو.. كفاح السواعد النحيلة

واغادوغو-يعملن جاهدات كادحات عاقدات العزم على إلتهام أكداس الأرز المكوّمة في مراكز التجميع، إثر جمعها من المزارع الشاسعة الممتدّة في أكبر حوض لهذا المنتج في بوركينا فاسو، والواقع في منطقة باغريه، على بعد 240 كم من العاصمة واغادوغو.

يحرّكن بسواعدهن النحيلة قدرا بأضعاف أحجامهن، ثم يقمن بتصفية الحبيبات البيضاء الصغيرة لتصبح، أخيرا، جاهزة للاستهلاك. هنّ بائسات، وإيراداتهنّ لا تفي أبسط احتياجاتهن، ومع ذلك، تشهد أناملهنّ المتعبة على إتقان لافت لعملهن، ليحملن عن جدارة اسم ”نساء الأرز“.

عددهن يتجاوز الـ 460 إمرأة، يقمن بتحويل سنابل الأرز الخضراء إلى الحبيبات البيضاء المعروفة في كامل أرجاء المعمورة. كما يؤمنّ عمليات تزويد الحرفاء بطلبياتهم من المنتوج، حسب المواعيد المتّفق عليها سلفا. هنّ دائما في الموعد، ولا يتخلّفن عن مواقيت انطلاق عملهن إلاّ لأسباب خارجة عن نطاقهن. فهن على قدر من الوعي بالمسؤولية الملقاة على عاتقهن، والتي تشمل تأمين حسن سير العمل في ”مركز اتحاد معالجة الأرز بـباغري“، بسعة 1.7 مليار متر مكعّب، وسط شرقي البلاد.

أواني ضخمة موضوعة على أحواض المياه، وكمّيات كبيرة من الأرز تتعاون النساء على حملها من إجل إفراغها في قدر كبير مملوء بمياه تغلي بشكل بطيء على نيران هادئة. أمّا على السطح، فقد نشرن الأرز إثر سلقه وتصفيته من الماء، لتجفيفه تحت أشعة الشمس الحارقة.. وفي خضم الصخب المصاحب لذهاب وإياب العاملات في حركة نشيطة لا تعرف الكلل، ترتفع أصوات آلة التقشير رتيبة مزعجة لمن تطأ قدماه المكان لأول مرّة، غير أنّ لا وقع لها ولا تأثير على نساء اعتدن الضجيج، حتى أضحى من مكوّنات مشهدهم السمعي اليومي.

ويبلغ حجم الانتاج في هذا المركز الذي تأسّس في 2010، ويشتغل على مدى 24 ساعة، بنظام تعاقب مجموعات يبلغ عددها 18، طنا ونصف يوميا، وتستخدم العاملات تقنية تجفيف استثنائية تتيح للأرزّ المحافظة على ثراء خصائصه الغذائية، وفقا للمتخصّصين في المجال.

وتوضيحا لمختلف مراحل معالجة الأرز، قالت رئيسة المركز مريم نانا، في تصريح للأناضول، أنّ ”سنابل الأرز هي المادّة الأوّلية التي نستخدمها، والتذرية هي أولى محطّات عملنا (تخليص البذور من السنابل)، قبل أن نمرّ إلى عملية غسل الحبيبات بحسب كميات الشوائب العالقة بها، ثمّ نمر، في مرحلة موالية، إلى نقعها في قدر كبير قبل تصفيتها وتجفيفها. وإثر ذلك، نقوم بفصل الأرز المجفّف عن ذاك الذي لم يبلغ بعد هذه المرحلة، ثم نمرّ إلى فرزه قبل تعليبه، وجميع هذه المراحل تكلّفنا يومي (2) عمل“.

وأضافت أنّ الطاقة الانتاجية للمركز تتراوح من 700 إلى ألف و500 طن سنويا، وفي نهاية كلّ موسم، يقع تقسيم المرابيح كالتالي: 20 % للمركز، و10 % للمجمّعات الأساسية، و10 % لمختلف أعضاء مجلس إدارة المركز.

وعلاوة على العمل الجماعي الذي تقوم به العاملات بالمركز، فإنّ بإمكانهن العمل بشكل فردي. وفي جميع الحالات، فإنّ نشاطهن يمكنّهن من ”تلبية احتياجات عائلاتهن الأساسية كتعليم أطفالهن، وتغطية المصاريف الطبية وغيره من النفقات الضرورية الأخرى“، على حدّ تعبير رئيسة المركز.

بلقيسا لنغاني هي إحدى العاملات في هذا المجال منذ ما يزيد عن 12 عاما، قالت، في تصريح للأأناضول ”أستطيع الحصول على 25 إلى 50 ألف فرنك افريقي (من 40 إلى 80 دولار) شهريا، غير أنّه ينبغي الإعتراف بأنّ العمل مضني إلى حدّ كبير“.

وتواجه أولئك النساء المثابرات في مجال تحويل الأرز يدويا خطر اندثار مصادر رزقهن جراء الرواج الذي تلقاه مصانع المعالجة الآلية في البلاد. واقع قالت السيدة مريم إنّه لا يشكّل خطرا كبيرا، طالما أنّ جودة معالجة الأرز يدويا لا ترقى إليها أيّ تقنية أخرى في هذا المجال، مؤكّدة أنّ ”المسألة هنا تتعلّق بالجودة الغذائية وبلون الأرز، هذا بالإضافة إلى سعينا نحو مكافحة الفقر، ولهذا يتعيّن على الناس تفهّم مختلف الجوانب المذكورة“.

ويعرض الكيس الواحد بوزن 25 كغ من الأرز المسلوق والمعالج يدويا من قبل نساء باغريه، للبيع بالجملة، بسعر 8 آلاف و500 فرنك افريقي (14.7 دولار)، وهذا السعر يمكن أن يبلغ 15 ألف فرنك افريقي (25.9 دولار) في بعض بلدان منطقة غرب إفريقيا.

ودعما لمنتوج الأرز المحلّي، دعت رئيسة المركز سلطات بلادها إلى تنظيم حملات توعوية لحثّ السكّان على استهلاك الأرز ”البوركيني“، قائلة ”منتوجنا غني بالفوائد الصحية، غير أنّ الناس يتجاهلونه، وفي اعتقادي أنّ عليهم الإهتمام بجودة الأرز عوضا عن ثمن بيعه“.

وتحظى النساء معالجات الأرز بدعم متعدّد من شركاء التنمية للبلاد، غير أنّه يتعيّن عليهن –دائما- التعويل على قدراتهن الداخلية من أجل تحويل الأرز وتحسين ظروف حياتهن. ولتحقيق هذا الهدف، حصلن، في 2011، على مرافقة مالية من منظمة أوكسفام الدولية غير الحكومية. كما قمن بتوقيع اتّفاقية بقيمة 100 مليون فرنك افريقي (حوالي 173 ألف دولار) مع اليانصيب الوطني في بوركينا فاسو، من أجل اقتناء وحدة انتاج جديدة ومتطوّرة للرفع من مردودية عملهن.

وختمت السيدة مريم حديثها قائلة: ”لقد قمنا باقتناء الفضاء اللازم، لكننا لم نشرع في الأشغال اللازمة نظرا للفترة الانتقالية التي تشهدها البلاد“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com