“الطربوش” رمز الأناقة الغائب عن رؤوس المصريين

“الطربوش” رمز الأناقة الغائب عن رؤوس المصريين

صناعة الطرابيش تتراجع في مصر بشكل مخيف إلى أعداد قليلة في ورش تبلغ ثمانية فقط أغلبها في القاهرة، وطلاب الأزهر والسياح المهتم الأول.

القاهرة – (خاص) من محمد عبد الحميد

تواجه “صناعة الطرابيش” في مصر خطر الانقراض بعد أكثر من 500 سنة على ظهورها، حيث لم يتبق سوى أعداد قليلة جدا من الورش التي لا يزال يحتفظ العاملون فيها بأسرار وخبايا تلك الحرفة التي كانت فيما مضى عنوان لأناقة الرجال ومكانتهم الاجتماعية.

ووصلت لدرجة أن الحكومة المصرية تبنت في ثلاثينيات القرن العشرين حملة قومية لجمع “قرش صاغ واحد” من جيوب المصريين وذلك لإنشاء مصنع محلي للطرابيش لمواجه  ثقافة “البرنيطة”.

ولكن بمرور الزمن  تبدلت الأحوال وقل الإقبال عليها تراجعت أعداد العاملين بها كثيرا لدرجة أن بات وجودها يقتصر على بضعة ورش صغيرة في مناطق خان الخليلي والغورية والحسين والدرب الأحمر.

كما انحصرت نوعية الزبائن على السياح الأجانب وفريق من طلاب المعاهد الأزهرية والفنانين العاملين في بعض الأعمال التاريخية الخاصة بالسينما والتلفزيون، وبعض العاملين في الفرق الموسيقية من هواة “الروشنة” ولفت الأنظار.

موقع “إرم” قام بجولة بين ما تبقى من ورش صناعة الطربوش وتعرف على أسرار تلك المهنة وتاريخها وأبرز المعارك التي خاضها الشعب المصري من أجل إنتاج الطربوش محليا كرمز للوطنية.

حيث أوضح  “الأسطى” محمد صابر – 61 سنة – أنه أمضى قرابة نصف قرن من عمره يعمل في تلك الورشة بحي الغورية بالقاهرة، وذلك منذ أن أحضره والده وهو طفل في العاشرة من العمر ليساعده وخلال خمس سنوات تعلم أسرارها وصار صانع مسؤول عن تلبية طلبات الزبائن.

وقال “الأسطى”: هناك نوعان من الطرابيش، الأول يصنع من الصوف المضغوط، والآخر من قماش الجوخ الملبس على قاعدة من الخوص وقش الأرز المحاك على شكل مخروط ناقص.

لافتا إلى أن القش عنصر ضروري في مهنته حيث يمنح الطربوش متانة أكثر بينما الخوص يعمل على وجود فتحات المسام اللازمة لتهوية الرأس، وبالتالي يصبح ارتداء الطربوش صحي جدا ولا يعاني صاحبه من العرق أو يصاب بالصداع، وأشار إلى أن عمله  يستغرق من 6 – 8 ساعات لينتهي من صناعة الطربوش الواحد.

 

“عوج طربوشه”

ويصمت الأسطى محمد صابر للحظات يدور خلالها بعينيه في أرجاء دكانه البسيط ثم عاد ليقول بعدها: “زمان كان الطربوش رمزا للرجولة والوجاهة، وهو ما عبرت عنه الأغاني الفلكلورية من نوعية “عوج طربوشه”، ونشاهده في الأفلام القديمة المستوحاة من قصص نجيب محفوظ لاسيما تلك التي تدور حول شخصية “سي السيد” برجولته وهيبته”.

وأضاف “ولذا فان بعض استوديوهات التصوير الفوتوغرافي تحرص الآن على وضع الكثير من الملابس الشعبية القديمة من ضمنها الطربوش حيث ‏يحرص الكثيرين من المترددين على تلك الاستوديوهات على التقاط صور تذكارية به، لاسيما العرسان الجدد فيضع العريس الطربوش على رأسه وتقف العروس بجوار فى خيلاء وبهجة”.

ويضحك الأسطى صابر وهو يفسر سر إقدام عريس اليوم على ارتداء الطربوش بأنه يتمنى وهو يقف إلى جوار عروسه أن يكون “سي السيد” وهي “الست أمينة” حتى ولو في صورة تزين جدار المنزل.

وأوضح أن الطربوش لم يكن فقط مجرد غطاء للرأس من أشعة الشمس وإنما كان أقرب إلى بطاقة تعريف للشخص نفسه ليستدل الناس على هويته الثقافية ومكانته الاجتماعية، وذلك من خلال لون الزر الذي يزين الطربوش.

ولفت صابر إلى أن الزر وهو خيوط من حرير تثبت في منتصف الطربوش من أعلى لإضفاء لمسة جمالية إليه، فلون الزر الكحلى يرمز لطبقة الباشاوات والأمراء، بينما الأسود يرمز للأساتذة والأفندية وضباط الجيش، واللبني لأئمة المساجد‏‏ ومن يقرؤون القرآن، أما الزر الأصفر فكان يقتصر على الآلاتية وهم العاملين في مجال الموسيقى والغناء.

من ناحية أخرى، أشار صانع آخر يدعى “محمد عمر 49 سنة” إلى أن الطرابيش ليست كلها متشابهة، كما قد يعتقد البعض وإنما كل طربوش يصنع من خامات خاصة، ووفقا لقالب خاص يناسب رأس الزبون.

أما في حال إنتاج كمية منه بدون قياس بغرض عرضها في البازارات المختلفة فيتم تصنيعها على القالب النحاسي المتوسط مقاس 25 سم، وهو مقاس قطر رأس غالبية الناس.

وفي مراحل صناع الطربوش تبدأ أولا بتجهيز قوالب القش والخوص، ثم وضعها حول قالب نحاسي بدقة بالغة ثم يوضع الصوف، ويتم تثبيتها تحت المكبس لنحو ساعة في درجة حرارة دافئة كي لا يحترق القماش، ‏وبعدها توضع له طاقية داخلية مصنوعة من شرائط الحرير يلصق عليها إطار من الجلد لحمايته من العرق، وأخيراً يجري تركيب الزر وكي الطربوش ويصبح جاهزا للبيع.

منوها إلى أن العمر الافتراضي للطربوش‏ قد يصل إلى 3 سنوات في حال الحفاظ عليه والاعتناء به والحرص على نظافته باستمرار.

 

ارجع يا زمان

في حين يتذكر صانع آخر يدعى “أحمد ياسين – 58 سنة” حال بيع الطرابيش أيام زمان ويقارن بينها وبين حجم الإقبال عليها اليوم قائلا: بالطبع كل شيئ تغير الآن فزمان أول ما أن بدأت الشغل من 55 عاما كان ارتداء الطربوش دليل على الوجاهة وهيبة صاحبه.

كما يمكن من خلال الطربوش التعرف على مكانة صاحبه الاجتماعية “أفندي، بك، باشا، ضابط في الجيش”،

لكن ذلك تغير بعد أن أمر الرئيس الراحل عبد الناصر بمنع ارتداء الطربوش في فترة الستينات كونه يرمز للفترة الملكية، لافتا إلى أن ارتداء الطربوش أصبح متداولا منذ ذلك التاريخ وحتى مطلع الألفية الجديدة يتداول على استحياء على قلة من الناس، إلى جانب طلاب وشيوخ الأزهر الشريف لكونه يدخل ضمن الزي التقليدي لهم مع العمامة والقفطان.

وأشار إلى أن حركة البيع زمان وهو في مقتبل العمر كانت تختلف كثيرا عن الآن إذ كانت الورشة تعج بالصناع والصبية الصغار الكل يعمل لنحو 16 ساعة يومياً، وذلك للوفاء بالطلبات المتزايدة من الزبائن حيث كان من العيب والمهانة أن يسير الرجل ورأسه عار بدون طربوش.

ويوم ذاك كان سعر الطربوش الممتاز يباع في المتوسط بنصف جنية أما الآن فيباع من 20 – 50 جنيه، وذلك حسب نوعية الخامات المستخدمة في تصنيعه.

وأشار إلى أن حركة البيع الآن تعتمد على مواسم دخول المدارس بالنسبة لطلاب المعاهد الأزهرية، إلى جانب ازدهار الحركة السياحية إلى مصر وكثرة الأعمال الفنية التاريخية وغير ذلك، فقد يظل أياما دون أن يبيع طربوش واحد.

لكنه لفت إلى أن تلك المهنة تنقرض يوما بعد يوم، فعدد العاملين بها محدودين للغاية فلا يزيدون عن خمسين فردا – حسب قوله – يعملون في ثمانية ورش على الأكثر، منها خمسة ورش في القاهرة وحدها بمناطق “الغورية والدرب الأحمر وتحت الربع وشارع المعز وفي قلعة صلاح الدين”، وهناك واحدة في أسيوط بصعيد مصر واثنتان في بحري الأولى بالإسكندرية والأخرى بكفر الشيخ.

 

مشروع  القرش

من جهته يشير د. قاسم عبد قاسم – أستاذ التاريخ بجامعة الزقازيق – إلى أن الطربوش هو غطاء للرأس انتشر في المنطقة العربية ومن بينها مصر ما بين القرنين السادس عشر والسابع عشر وقت ازدهار الدولة العثمانية.

وبات الطربوش بمثابة زي رسمي للمصريين في دواوين الحكومة والجيش خلال فترة حكم محمد علي باشا والذي انشأ مصنعاً خاصاً عام 1828م، ووفر له الخامات والأموال اللازمة، كما جلب له عددا من الصناع المهرة من مراكش ليعلموا المصريين أسرار صناعة الطربوش.

وفي زمن الخديوي عباس الأول، تحول الطربوش إلى زي رسمي في‏ ‏بلاط الحكم فلا تتم المقابلات الرسمية دونه ولا يسمح لأحد بالتواجد داخل قاعات المحاكم دونه وكذلك تحت قبة البرلمان.

ويشير د. قاسم إلى أن التاريخ المصري يشهد على واقعة مثيرة تدلل على المكانة التي كان يحظى بها الطربوش عند المصريين إذ أن المصنع الذي أنشأه محمد علي أغلق أبوابة إلى جانب مصانع أخرى في إعقاب معاهدة لندن الشهيرة عام 1840 والتي فرضتها الدول الأوروبية ضد محمد علي وأجبرته على تقليص جيشه والمصانع العاملة في مصر التي يعتمد عليها   في دعم الاقتصاد وبالتالي تقوية الجيش.

من هنا توقف إنتاج مصنع الطرابيش، وتحولت مصر إلى دولة مستوردة للطربوش من تركيا  وظلت كذلك حتى عقد الأربعينات من القرن الماضي عندما خرجت دعاوى عدة من شخصيات وطنية لها ثقلها مثل أحمد حسين – مؤسس جمعية مصر الفتاة – لإعادة تشغيل مصنع الطرابيش مرة أخرى.

واعتُبر الطربوش ليس فقط مجرد غطاء للرأس، وإنما كان رمزا في حد ذاته وتعبيرا عن الهوية الوطنية المصرية الشرقية، في مواجهة النزوع نحو النموذج الغربي، في مختلف جوانب الحياة، ومنها غطاء الرأس نفسه، حيث كان هناك من يرى أن القبعة، هي بديل الطربوش.

وكان الكاتب الشهير سلامة موسى من أشد أنصار ارتداء المصريين للقبعة، باعتبار أن الطربوش يمثل تمسكا بالحكم التركي الذي زال بهزيمة الأتراك في الحرب العالمية الأولى.

وأردف قاسم عبد قاسم قائلا: “لاقت الدعوة لإنشاء مصنع الطرابيش تجاوبا كبيرا من الشعب المصري للمشاركة في المشروع الذي عرف وقتها بمشروع القرش الذي يتبرع به كل مواطن من أجل إنشاء المصنع وبالفعل تم جمع قرابة 30 ألف جنية وهو مبلغ كبير وضخم بمقاييس ذلك الزمن وتم تأسيس مصنع للطرابيش مع شركة “هاريتمان” الألمانية، في حي العباسية، يوم 15 شباط/فبراير عام 1933.

وظل ذلك المصنع يمد ورش تصنيع الطرابيش في عموم مصر بما تحتاج إليه من خامات إلى أن أغلقته الدولة عام 1962 في أعقاب القرار الجمهوري بمنع ارتداء الطربوش في الدواوين الحكومية والمصالح ورجال الشرطة والمدارس كونه رمزا من رموز العهد السابق.

لكن استمر الناس يطلقون على الشارع الذي كان فيه المصنع اسم مصنع الطرابيش إلى يومنا هذا.

 

ويشير أستاذ التاريخ إلى أنه يخشى أن يأتي يوما على مصر تختفي فيه مهنه “الطرابيشي” ولذا فإنه يدعو الجهات المعنية بالتراث والحرف اليدوية في مصر إلى ضرورة مد يد العون لتلك المهنة، وإعادة البريق إليها من جديد ودفع الشباب لتعلم أسرارها، وفتح أسواق جديدة لمنتجات الطرابيش في المناطق السياحية، وكذلك في الأسواق العالمية كمنتج يشير إلى تراث مصر في فترة هامة من تاريخها مما يعود على العاملين بها بالخير والرزق الوفير.

القاهرة – (خاص) من محمد عبد الحميدتواجه “صناعة الطرابيش” في مصر خطر الانقراض بعد أكثر من 500 سنة على ظهورها، حيث لم يتبق سوى أعداد قليلة جدا من الورش التي لا يزال يحتفظ العاملون فيها بأسرار وخبايا تلك الحرفة التي كانت فيما مضى عنوان لأناقة الرجال ومكانتهم الاجتماعية.ووصلت لدرجة أن الحكومة المصرية تبنت في ثلاثينيات القرن العشرين حملة قومية لجمع “قرش صاغ واحد” من جيوب المصريين وذلك لإنشاء مصنع محلي للطرابيش لمواجه  ثقافة “البرنيطة”.ولكن بمرور الزمن  تبدلت الأحوال وقل الإقبال عليها تراجعت أعداد العاملين بها كثيرا لدرجة أن بات وجودها يقتصر على بضعة ورش صغيرة في مناطق خان الخليلي والغورية والحسين والدرب الأحمر.كما انحصرت نوعية الزبائن على السياح الأجانب وفريق من طلاب المعاهد الأزهرية والفنانين العاملين في بعض الأعمال التاريخية الخاصة بالسينما والتلفزيون، وبعض العاملين في الفرق الموسيقية من هواة “الروشنة” ولفت الأنظار.موقع “إرم” قام بجولة بين ما تبقى من ورش صناعة الطربوش وتعرف على أسرار تلك المهنة وتاريخها وأبرز المعارك التي خاضها الشعب المصري من أجل إنتاج الطربوش محليا كرمز للوطنية.حيث أوضح  “الأسطى” محمد صابر – 61 سنة – أنه أمضى قرابة نصف قرن من عمره يعمل في تلك الورشة بحي الغورية بالقاهرة، وذلك منذ أن أحضره والده وهو طفل في العاشرة من العمر ليساعده وخلال خمس سنوات تعلم أسرارها وصار صانع مسؤول عن تلبية طلبات الزبائن.وقال “الأسطى”: هناك نوعان من الطرابيش، الأول يصنع من الصوف المضغوط، والآخر من قماش الجوخ الملبس على قاعدة من الخوص وقش الأرز المحاك على شكل مخروط ناقص.لافتا إلى أن القش عنصر ضروري في مهنته حيث يمنح الطربوش متانة أكثر بينما الخوص يعمل على وجود فتحات المسام اللازمة لتهوية الرأس، وبالتالي يصبح ارتداء الطربوش صحي جدا ولا يعاني صاحبه من العرق أو يصاب بالصداع، وأشار إلى أن عمله  يستغرق من 6 – 8 ساعات لينتهي من صناعة الطربوش الواحد.”عوج طربوشه” ويصمت الأسطى محمد صابر للحظات يدور خلالها بعينيه في أرجاء دكانه البسيط ثم عاد ليقول بعدها: “زمان كان الطربوش رمزا للرجولة والوجاهة، وهو ما عبرت عنه الأغاني الفلكلورية من نوعية “عوج طربوشه”، ونشاهده في الأفلام القديمة المستوحاة من قصص نجيب محفوظ لاسيما تلك التي تدور حول شخصية “سي السيد” برجولته وهيبته”.وأضاف “ولذا فان بعض استوديوهات التصوير الفوتوغرافي تحرص الآن على وضع الكثير من الملابس الشعبية القديمة من ضمنها الطربوش حيث ‏يحرص الكثيرين من المترددين على تلك الاستوديوهات على التقاط صور تذكارية به، لاسيما العرسان الجدد فيضع العريس الطربوش على رأسه وتقف العروس بجوار فى خيلاء وبهجة”.ويضحك الأسطى صابر وهو يفسر سر إقدام عريس اليوم على ارتداء الطربوش بأنه يتمنى وهو يقف إلى جوار عروسه أن يكون “سي السيد” وهي “الست أمينة” حتى ولو في صورة تزين جدار المنزل.وأوضح أن الطربوش لم يكن فقط مجرد غطاء للرأس من أشعة الشمس وإنما كان أقرب إلى بطاقة تعريف للشخص نفسه ليستدل الناس على هويته الثقافية ومكانته الاجتماعية، وذلك من خلال لون الزر الذي يزين الطربوش.ولفت صابر إلى أن الزر وهو خيوط من حرير تثبت في منتصف الطربوش من أعلى لإضفاء لمسة جمالية إليه، فلون الزر الكحلى يرمز لطبقة الباشاوات والأمراء، بينما الأسود يرمز للأساتذة والأفندية وضباط الجيش، واللبني لأئمة المساجد‏‏ ومن يقرؤون القرآن، أما الزر الأصفر فكان يقتصر على الآلاتية وهم العاملين في مجال الموسيقى والغناء.من ناحية أخرى، أشار صانع آخر يدعى “محمد عمر 49 سنة” إلى أن الطرابيش ليست كلها متشابهة، كما قد يعتقد البعض وإنما كل طربوش يصنع من خامات خاصة، ووفقا لقالب خاص يناسب رأس الزبون.أما في حال إنتاج كمية منه بدون قياس بغرض عرضها في البازارات المختلفة فيتم تصنيعها على القالب النحاسي المتوسط مقاس 25 سم، وهو مقاس قطر رأس غالبية الناس.وفي مراحل صناع الطربوش تبدأ أولا بتجهيز قوالب القش والخوص، ثم وضعها حول قالب نحاسي بدقة بالغة ثم يوضع الصوف، ويتم تثبيتها تحت المكبس لنحو ساعة في درجة حرارة دافئة كي لا يحترق القماش، ‏وبعدها توضع له طاقية داخلية مصنوعة من شرائط الحرير يلصق عليها إطار من الجلد لحمايته من العرق، وأخيراً يجري تركيب الزر وكي الطربوش ويصبح جاهزا للبيع.منوها إلى أن العمر الافتراضي للطربوش‏ قد يصل إلى 3 سنوات في حال الحفاظ عليه والاعتناء به والحرص على نظافته باستمرار.ارجع يا زمانفي حين يتذكر صانع آخر يدعى “أحمد ياسين – 58 سنة” حال بيع الطرابيش أيام زمان ويقارن بينها وبين حجم الإقبال عليها اليوم قائلا: بالطبع كل شيئ تغير الآن فزمان أول ما أن بدأت الشغل من 55 عاما كان ارتداء الطربوش دليل على الوجاهة وهيبة صاحبه.كما يمكن من خلال الطربوش التعرف على مكانة صاحبه الاجتماعية “أفندي، بك، باشا، ضابط في الجيش”، لكن ذلك تغير بعد أن أمر الرئيس الراحل عبد الناصر بمنع ارتداء الطربوش في فترة الستينات كونه يرمز للفترة الملكية، لافتا إلى أن ارتداء الطربوش أصبح متداولا منذ ذلك التاريخ وحتى مطلع الألفية الجديدة يتداول على استحياء على قلة من الناس، إلى جانب طلاب وشيوخ الأزهر الشريف لكونه يدخل ضمن الزي التقليدي لهم مع العمامة والقفطان.وأشار إلى أن حركة البيع زمان وهو في مقتبل العمر كانت تختلف كثيرا عن الآن إذ كانت الورشة تعج بالصناع والصبية الصغار الكل يعمل لنحو 16 ساعة يومياً، وذلك للوفاء بالطلبات المتزايدة من الزبائن حيث كان من العيب والمهانة أن يسير الرجل ورأسه عار بدون طربوش.ويوم ذاك كان سعر الطربوش الممتاز يباع في المتوسط بنصف جنية أما الآن فيباع من 20 – 50 جنيه، وذلك حسب نوعية الخامات المستخدمة في تصنيعه.وأشار إلى أن حركة البيع الآن تعتمد على مواسم دخول المدارس بالنسبة لطلاب المعاهد الأزهرية، إلى جانب ازدهار الحركة السياحية إلى مصر وكثرة الأعمال الفنية التاريخية وغير ذلك، فقد يظل أياما دون أن يبيع طربوش واحد.لكنه لفت إلى أن تلك المهنة تنقرض يوما بعد يوم، فعدد العاملين بها محدودين للغاية فلا يزيدون عن خمسين فردا – حسب قوله – يعملون في ثمانية ورش على الأكثر، منها خمسة ورش في القاهرة وحدها بمناطق “الغورية والدرب الأحمر وتحت الربع وشارع المعز وفي قلعة صلاح الدين”، وهناك واحدة في أسيوط بصعيد مصر واثنتان في بحري الأولى بالإسكندرية والأخرى بكفر الشيخ. مشروع  القرشمن جهته يشير د. قاسم عبد قاسم – أستاذ التاريخ بجامعة الزقازيق – إلى أن الطربوش هو غطاء للرأس انتشر في المنطقة العربية ومن بينها مصر ما بين القرنين السادس عشر والسابع عشر وقت ازدهار الدولة العثمانية.وبات الطربوش بمثابة زي رسمي للمصريين في دواوين الحكومة والجيش خلال فترة حكم محمد علي باشا والذي انشأ مصنعاً خاصاً عام 1828م، ووفر له الخامات والأموال اللازمة، كما جلب له عددا من الصناع المهرة من مراكش ليعلموا المصريين أسرار صناعة الطربوش.وفي زمن الخديوي عباس الأول، تحول الطربوش إلى زي رسمي في‏ ‏بلاط الحكم فلا تتم المقابلات الرسمية دونه ولا يسمح لأحد بالتواجد داخل قاعات المحاكم دونه وكذلك تحت قبة البرلمان.ويشير د. قاسم إلى أن التاريخ المصري يشهد على واقعة مثيرة تدلل على المكانة التي كان يحظى بها الطربوش عند المصريين إذ أن المصنع الذي أنشأه محمد علي أغلق أبوابة إلى جانب مصانع أخرى في إعقاب معاهدة لندن الشهيرة عام 1840 والتي فرضتها الدول الأوروبية ضد محمد علي وأجبرته على تقليص جيشه والمصانع العاملة في مصر التي يعتمد عليها   في دعم الاقتصاد وبالتالي تقوية الجيش.من هنا توقف إنتاج مصنع الطرابيش، وتحولت مصر إلى دولة مستوردة للطربوش من تركيا  وظلت كذلك حتى عقد الأربعينات من القرن الماضي عندما خرجت دعاوى عدة من شخصيات وطنية لها ثقلها مثل أحمد حسين – مؤسس جمعية مصر الفتاة – لإعادة تشغيل مصنع الطرابيش مرة أخرى.واعتُبر الطربوش ليس فقط مجرد غطاء للرأس، وإنما كان رمزا في حد ذاته وتعبيرا عن الهوية الوطنية المصرية الشرقية، في مواجهة النزوع نحو النموذج الغربي، في مختلف جوانب الحياة، ومنها غطاء الرأس نفسه، حيث كان هناك من يرى أن القبعة، هي بديل الطربوش.وكان الكاتب الشهير سلامة موسى من أشد أنصار ارتداء المصريين للقبعة، باعتبار أن الطربوش يمثل تمسكا بالحكم التركي الذي زال بهزيمة الأتراك في الحرب العالمية الأولى.وأردف قاسم عبد قاسم قائلا: “لاقت الدعوة لإنشاء مصنع الطرابيش تجاوبا كبيرا من الشعب المصري للمشاركة في المشروع الذي عرف وقتها بمشروع القرش الذي يتبرع به كل مواطن من أجل إنشاء المصنع وبالفعل تم جمع قرابة 30 ألف جنية وهو مبلغ كبير وضخم بمقاييس ذلك الزمن وتم تأسيس مصنع للطرابيش مع شركة “هاريتمان” الألمانية، في حي العباسية، يوم 15 شباط/فبراير عام 1933.وظل ذلك المصنع يمد ورش تصنيع الطرابيش في عموم مصر بما تحتاج إليه من خامات إلى أن أغلقته الدولة عام 1962 في أعقاب القرار الجمهوري بمنع ارتداء الطربوش في الدواوين الحكومية والمصالح ورجال الشرطة والمدارس كونه رمزا من رموز العهد السابق.لكن استمر الناس يطلقون على الشارع الذي كان فيه المصنع اسم مصنع الطرابيش إلى يومنا هذا.ويشير أستاذ التاريخ إلى أنه يخشى أن يأتي يوما على مصر تختفي فيه مهنه “الطرابيشي” ولذا فإنه يدعو الجهات المعنية بالتراث والحرف اليدوية في مصر إلى ضرورة مد يد العون لتلك المهنة، وإعادة البريق إليها من جديد ودفع الشباب لتعلم أسرارها، وفتح أسواق جديدة لمنتجات الطرابيش في المناطق السياحية، وكذلك في الأسواق العالمية كمنتج يشير إلى تراث مصر في فترة هامة من تاريخها مما يعود على العاملين بها بالخير والرزق الوفير.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع