المكان .. بطل مؤثر في روايات عربية

يضفي المكان بعداً جمالياً للرواية ويتفاعل مع الزمان والشخصيات كركيزة أساسية في النص ليكتمل المشهد في مخيلة القارئ، ولايشترط أن يكون المكان، المقصود في الرواية واقعياً، محسوساً “هندسياً” وإنما يشيده الروائي وجدانياً بذكائه وأسلوبه في استدراج القارئ إلى معالمه.

ويطلق البعض على المكان “جمهوريته الخاصة” وأحياناً يحتل دور البطل، ويكتشف القارئ عبقرية الروائي بالدلالات الفنية التي يحسها من أسلوب كتابته في رسم المكان ومدى تأثيره في الرواية وليس مجرد ديكور أو عامل إضافي يكمِّل البناء الروائي.

لم يحظ “المكان” في الأدب العربي بما حظيت به عناصر الأعمال الإبداعية الكتابية الأخرى من دراسات ورؤى نقدية، و ظل المكان “معتماً” على الرغم من أنه يكاد يكون قاسماً مشتركاً أعظماً في كل عمل إبداعي كتابي. وتأكد دور المكان في الأدب العربي الحديث، من خلال تضافره مع الحدث والمشاركة في صياغته فقد كان بطلاً دائما.

قصة سيدنا “نوح” مثلا دون السفينة لن تكتمل العبرة من قصته، وسيفقد “معجزته”، لكن نار سيدنا “إبراهيم” يمكن أن تضرم عليه في أي مكان آخر لأن طبيعة معجزة سيدنا إبراهيم أنها تكتمل بدون مكان و”بدون تحديده” لكنها لن تكتمل بلا نار، يعني أن هناك أماكن تكتسب خصوصيتها من خصوصيات الحدث.

قنديل :للأدب الجيد جغرافيا جيدة

يقول الروائي محمد المنسي قنديل: أؤمن دائماً أن الأدب الجيد له جغرافيا جيدة، ومالم تستطع أن تعرف المكان الذي ستدور فيه روايتك، فلن تستطيع أن تعرف حدود شخصياتك، ذلك أن الإنسان يتشكل بالبيئة المحيطة به، وليس بالضرورة أن يكون المكان الموجود في العمل الفني هو ذلك الموجود في الواقع.

ويضيف قنديل, إن قاهرة نجيب محفوظ أكثر واقعية، ما يدل على القيمة الفنية للمكان، وكيف يمكن أن تفوق قيمته المتخيلة القيمة الواقعية له، ومنذ أن كتب الكاتب الإنجليزي جوناثان سويفت “جيلفر في بلاد الأقزام”، أدرك كل كاتب أنه يجب أن يكون له عالمه الخاص به، وأن عليه أن يضع حدوداً لهذا العالم وهذه الأرض، لأن كل أديب مطالب أن ينشئ مدينته الخاص، ودون المكان فإن الأحداث تدور في فراغ متعمد.

عبد المجيد: دون المكان يفقد الزمان فعاليته

ويقول الروائي إبراهيم عبد المجيد : حتى الآن لم أقرأ دراسة وافية حول خصائص المكان في الأدب العربي، على الرغم من فاعلية المكان في الرواية العربية.لكن قرأت العديد من الدراسات حول أهمية ودور المكان وخصائصه كما ورد في الآداب الأجنبية، ودون المكان يفقد الزمان فعاليته.

يضيف عبد المجيد “لم أقرأ دراسة تبرز شخصية المكان، حيث الأحلام والأساطير والمواقف، والسؤال: أين نجد المكان على هذه الصورة..؟ إن هذا المكان موجود في بعض الأعمال التي تنتقي الأجواء الأسطورية أو الشعبية وأجواء الحكمة القديمة مثل “الماجوس” أو “الريش” أو “مدن الملح”.

القعيد :فرادة الروائي تكمن في علاقته بالمكان

وعن دور المكان في النص الروائي يقول الروائي يوسف القعيد: “ما إن أبدأ القراءة وأكتشف أن المكان غير محدد، أو افتراضي، تقل سعادتي إلى النصف، لأنني أعتقد أن النص الروائي يقدم بشراً يتحركون في زمان معلوم ومكان محدد، وأن الخروج عن أحد هذين العنصرين يفقد النص الروائي ركيزة أساسية.

ويرى القعيد أن هناك روائيا قليل الإنتاج ضخم التأثير تكمن فرادته في علاقته بالمكان وهو “إيفو أندريت” الذي قرأنا له “جسر على نهر درينا” و”وقائع مدينة تراباك”.

ويضيف”لقد تطلعت إلى رسم ما أسميه “جمهوريتي الخاصة “، سواء من قصة “البيات الشتوي” أو من خلال أعمال أخرى، إن ما كتب عن المكان نادر إلى أن جاء “غالب هلسا” بعد سنوات طويلة، وترجم كتاب غاستون باشلار “جماليات المكان” وآلان روب غرييه في “نحو رواية جديدة”.

المخزنجي: الآتي هو المكان الحلم

ويشير القاص محمد المخزنجي إلى أن المكان بما يعنيه من تنظيم للفراغ يمكن أن يؤدي أدواراً مختلفة جداً، فقد يأتي على صورة بطل أو رمز، وبالتحديد الملمح المعماري للمكان لا يعطي فقط, دلالات فنية وقصصية، وإنما يردك إلى فترات تاريخية تشي ببعد إنساني يتقابل مع البعد الفني للعمل الروائي.

يضيف المخزنجي ” بالنسبة لي، أنجزت مجموعة من القصص تدور حول الخوارق، حيث المكان نوع من الظلال الحُلمِية، ولدى الحالم والطفل والمجنون ثمة تخلص من عنصريّ الزمان والمكان بمفاهيمهما التقليدية، ولكنهما يتمتعان بحضور مغاير حيث يتشابهان، ويستحيلان إلى حالة حُلمية ويصبحان أقرب ما يكونا من الفانتازيا منهما إلى الواقع”.

ويرى المخزنجي هذه الرؤية لعنصريّ المكان والزمان معاً, اتجاهاً فنياً في حد ذاته، حيث بدأ أدب أمريكا اللاتينية التعامل معهما بهذه الصيغة ، ويتصور المخزنجي أن الآتي هو المكان الحلم وليس المكان المحسوس المتعين، سيكون مكاناً تخيلياً مركباً من عناصر قد لا يكون لها وجود في الواقع على الإطلاق – وكنموذج لذلك – في إحدى قصصي التي نُشرت مؤخراً، وصفت قلعة حلب ورسمت الأسواق القديمة ولكنها ليست كما هي في الواقع ولكن هذا لم يعنِ على الإطلاق أنني أسقطتُ فعالية المكان ودوره الموازي لما هو موجود في الواقع.

الكفراوي: وعينا يطوف دائما بالأمكنة

وفي رأي القاص سعيد الكفراوي أن المكان يُشكل في أي كتابة جادة، عنصراً أساسياً من حيث الرؤية الفنية والبناء الفني، وأعتقد أنه بإمكاننا إدراك معنى ما، إذا قُدِّم لنا المكان في زمانه لتحقيق هذا المعنى.

ويضيف”إن وعينا دائماً يطوف بالأمكنه التي انحدرنا منها، وذكرياتنا بهذه الأمكنة تظل حية بدرجة ما حتى أنه في كل الظروف – ورغم البعد عنها – إلا أن آليات هذه الأماكن تتفاعل بداخلنا كلما وجدت أية إحالة إلى أماكن أخرى مثلها أو بديلة، فتذكرنا على نحو ما بهذه الأماكن الخاصة بنا، فالبيت القديم، والزقاق الضيق الذي ينتهي بجدار يسده، والمصلاة على النهر، والأجران التي كنا نلعب فيها صغاراً، وشاطئ النهر.

الجيار : الزمان قرية المكان

أما رؤية الناقد د. مدحت الجيار فترتكز على ضرورة الاتفاق على تلازم المكان والزمان، وأنه لا زمان بلا مكان، فالزمان هو قرية المكان، وعلى مستوى الإبداع كل زمان يتحرك فيه شخص ما في مكان ما، إذن فالمكان شرط إبداعي.

ويرى الجيار أن المكان يتحول في بعض الأحيان إلى بطل ونموذج ونمط، وإلا فلماذا يسمي نجيب محفوظ “زقاق المدق، خان الخليلي، بين القصرين”..؟ لأن هذه الأماكن هي بطل يقف في مواجهة التحديات الجديدة، لذا فإن التنبه للمكان يعني في جوهره التنبه للزمان.

ويشير الجيار إلى أهم الأعمال التي تتمتع بخصوصية شديدة في أماكنها, من بينها “فساد الأمكنة” لصبري موسى، و”عطفة خوخة”و”قهوة المواردي” لمحمد جلال و”مالك الحزين” لإبراهيم أصلان، و”ديروط الشريف” لمحمد مستجاب.