صور.. العصر الذهبي للإسكندرية

وصف أحد جنود عمرو بن العاص الإسكندرية بقوله “إنّ ضوء القمر المنعكس على الرخام جعل المدينة نسيجاً في نور ساطع بدرجة تكفي لأي خياط أن يلضم الخيط في إبرته دون حاجة لمصباح”. هكذا وصفت عاصمة الإمبراطورية العظمى.

وقد شغف الكاتب جون مارلو بالإسكندرية؛ وهو باحث متخصص بشؤون الشرق الأوسط من أبرز مؤلفاته: كرومر في مصر، أربعة وجوه لمصر، مشروع قناة السويس.

وفي كتابه الصادر حديثاً عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بعنوان “العصر الذهبي للإسكندرية” يذكر: إذا نظرنا إلى تاريخ الإسكندرية من الناحية المعمارية فإننا نجد أنّها مثل تاريخ أي مدينة أخرى، من حيث التغير المستمر وتزامن التدمير والتجديد في آن واحد، فالمباني الجديدة في الضواحي يصاحبها التآكل والانهيارات في وسط المدينة.

ويشير إلى ضريح الإسكندر المسمى “الصوما”، كان في وسط المدينة عند التقاء طريق “كانوب” ولم يعرض عن هندستها العمارية، ومن المحتمل أنه بني في عهد “بطليموس سوتر”.

أما “الجمانيزيوم” الذي يقع في الجانب الشمالي من طريق “كانوب” فكان بمثابة المدرسة العليا أو جامعة للشبان الإغريق، كما كان مركز النشاط الأهلي للمجتمع الإغريقي.

ويقول المؤلف: في العالم الهللينستي، كانت العمارة هي الفن الوحيد، بالمعنى الكلاسيكي الذي استمر في تجسيد المعادلة المرئية للحق والجمال وهي المظهر المادي للحقيقة، ورغم قلة ما نعرفه عن هذه الأمور فإن الشيء نفسه ينطبق على معظم مباني الإسكندرية العظمى الأخرى، ولكن لم يتبقَ من العمارة الهللينستية في الإسكندرية شيء يذكر على الأرض.

ويرى المؤلف باستثناء العمارة، إنّ الإسكندرية الهللينستية لم تحفل بأي إنجازات بارزة في الفنون المرئية بالنسبة لفن النحت الإغريقي العظيم، فكانت الإسكندرية مكان تجميع وليست مركز إبداع، وورث النحاتون الاسكندريون القليل من وحي الأثينية، واستمدوا القليل من التقاليد المصرية العظيمة، وعلى النقيض من هذا فإن العمارة المصرية والنحت المصري لم يتأثروا بالنماذج الإغريقية إلا في القليل النادر.

لقد كشفت الحفريات حول الإسكندرية مئات التماثيل الصغيرة المصنوعة من الفخار التي يعود تاريخها إلى فترة حكم البطالمة، وعرفت باسم “تانا جراس”.

ويقول المؤلف: قضى “أوكتافيوس” أسابيع قليلة في الإسكندرية قبل عودته إلى روما للاحتفال بالنصر، هكذا كانت مصر غنية جدًا وفي غاية الأهمية حتى أن “أوكتافيوس” صمم على أن تكون تحت إدارته مباشرة وإدارة خلفائه، وعدم السماح لمجلس الشيوخ بالتدخل في أمورها. في البداية كان “أوكتافيوس” مدركًا لمشاعر الغيرة التي تتمثل في نفوس سكان روما تجاه الإسكندرية، ففكر في بناء مدينة جديدة إلى الشرق قليلًا لتكون عاصمة جديدة لمصر، وأصبحت “نيكوبوليس” المدينة التي بدأ في تشييدها على شاطئ البحر في المكان الذي يحتله الرمل الآن، وفي “نيكوبوليس” سار على خطا الفاتحين الرومان فبنى مدرجًا واستاد وأسس سلسلة من دورات الألعاب التي تقام كل خمس سنوات تخليداً لفتحه الإسكندرية.

ويضيف المؤلف: ترك “أوكتافيوس” حامية في الإسكندرية تتكون من ثلاثة فيالق واحدة في الإسكندرية، والأخريان تتوزعان في أنحاء القطر، بالإضافة إلى تسع وحدات عسكرية ثلاثة في الإسكندرية وثلاثة في “سين” (أسوان حالياً) والثلاثة الأخرى في بقية القطر. وحين غادر “أوكتافيوس” الإسكندرية أخذ معه الذهب وجميع الكنوز التي يمكن حملها، بما فيها الكنوز الملكية التي جمعتها “كليوباترا” ووضعتها في المبنى الأثري، والتي فشلت في تدميرها ثم عرضت هذه الكنوز في شوارع روما ضمن موكب النصر الذي سار فيه “أوكتافيوس”، ومعه اثنان من أطفال “أنطونيو وكليوباترا” هما: “الإسكندر هيليوس، وكليوباترا سيلين”، وتمثال لكليوباترا.

يقول المؤلف: إنّ المسيحية جاءت إلى الإسكندرية عن طريق القديس مرقس الإنجيلي حوالي عام 40م، ويقال إنّ القديس مرقس قد عين اثني عشر شيخًا في الإسكندرية انتخبوا واحدًا منهم أسقفًا، وليس من المؤكد إن كان الأساقفة الذين يتم انتخابهم على هذا النحو يكرسون بواسطة الأساقفة الآخرين أم لا.

والواقع أن الكنيسة المسيحية في الإسكندرية وفي الأماكن الأخرى حين تطورت في القرون الثلاثة الأولى للمسيحية كانت تتكون من هيئة صغيرة نسبيًا من المؤمنين، منظمة على أعلى مستوى من التنظيم يرافقها هيئة غير متجانسة من الأخوة السياح تتزايد باستمرار. وفي نهاية الكتاب، يضع المؤلف ملحق “الموت على الطريقة السكندرية، وملحق “طبوغرافية الإسكندرية البطلمية وعلاقتها بالمدينة الحديثة”.

أما في ملحق “الموت على الطريقة الاسكندرية” فيقول: أيًا كانت التقاليد الملكية، فكثير من إغريق الإسكندرية من الأغنياء على الأرجح قد اقتبسوا عادة أغنياء المصريين في دفن موتاهم في قبور صخرية محفورة خصيصًا لهذا الغرض، وقد وجد في الشاطبي ما يظهر أنه قبو أو سرداب عائلي يتكون من قبر محفور في الصخر بالأسلوب المصري ؛ لكنه مشيد على شكل بيت إغريقي من بيوت تلك الفترة.