”موفيولا“.. رواية توثّق الفن والنضال في فلسطين

الروائي الفلسطيني السوري تيسير خلف يصدر روايته الثالثة التي يروي فيها سيرتَيّْ مفتي فلسطين محمد أمين الحسيني والسينمائي صالح الكيالي.

المصدر: دمشق– (خاص)

صدرت مؤخرًا للروائي الفلسطيني السوري تيسير خلف الرواية الثالثة، الموسومة بـ“موفيولا“ عن دار ”فضاءات“ في عمّان، في (206 صفحات من القطع المتوسط).

عنوان الرواية هو اسم آلة المونتاج السينمائي القديمة، وفيها يعمل خلف، على استعادة زمن فلسطيني يبدأ قبل النكبة ويستمر بعدها بسنوات طويلة، من خلال مسارين متلازمين؛ وطني- سياسي، وفني- سينمائي.

فيكشف لنا جوانب مهمة في تاريخ قضية فلسطين، من خلال تناوله جنباً إلى جنب المسيرة النضالية والسياسية لمفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني، والمحاولات الأولى لصناعة السينما على أيدي رواد مثل الأخوين بدر وإبراهيم لاما ومحمد صالح الكيالي وإبراهيم سرحان، معرفاً بهم كصنّاع أوائل لهذا الفن في فلسطين، وبعلاقتهم بالسياسة والسياسيين، في فلسطين وخارجها، وفي هذا الجانب يكشف المؤلف معلومات تاريخية جديدة نتعرف عليها لأول مرة.

وبين التوثيق والتأريخ، يروي لنا خلف سيرة السينمائي الرائد صالح الكيالي، مبرزاً الدور الذي نهض به شعراء وكتاب وفنانو جيل الثلاثينات من رواد النهضة الفلسطينية المبكرة في مواجهة المشروع الاستعماري البريطاني الصهيوني، الذي بنى أحد مرتكزاته الرئيسية على المقولة المجحفة هي: ”شعب بلا أرض، لأرض بلا لشعب“.

مفتي فلسطين.. المكانة والدور

يرصد الكاتب في هذه الرواية رحلة المفتي الحاج الحسيني من فلسطين إلى بيروت إلى بغداد وإسطنبول وروما وبرلين ومقاطعة ”سيليزيا“ البولندية والقاهرة وغيرها من المدن، ودوره في الدفاع عن القضية الفلسطينية، ولقاءاته مع قادة العالم أمثال موسوليني وهتلر وغيرهما.

وفي رده حول اتهامه بأنه يدافع عن دور ومكانة المفتي ويظهره كرجل منزه عن الأخطاء، يقول خلف: ”بالنسبة للمفتي هو ليس منزها عن الأخطاء، ولكن منطق الرواية يتعامل مع أخطاء من منطلق روائي أو بالأحرى كما قدم نفسه هو، أما موضوع التقييم فهذا يعود للباحثين، وهنا توجد وجهات نظر متعددة وقابلة للأخذ والرد، لا تتوسل الرواية الدفاع عن أي منها، ولكنها تريد أن تعود إلى الوقائع بمنطق زمنها“.

ويضيف: ”لا شك أن هناك حملة مضادة ضد المفتي في الأدبيات الإسرائيلية، وحتى في أدبيات منظمة التحرير وحركات اليسار وغير ذلك، ولكنها برأيي حملات أيديولوجية لم تتعامل مع المفتي كإنسان بل كخصم سياسي، وكما هو واضح فالمفتي لم يقد الشعب الفلسطيني لا نحو الهزيمة ولا نحو الانتصار، هو رجل حاول أن يستفيد من التناقضات الدولية مستفيداً من مكانته المعنوية الكبيرة، وكان الموضوع أكبر من المفتي وأي فلسطيني أو عربي آخر.. هذا ما قالته الرواية“.

خيال خصب.. وذاكرة حيَة

مثلما ينقل لنا خلف في سرده الروائي تفاصيل رحلات المفتي، يفعل ذلك أيضاً مع السينمائي الرائد صالح الكيالي لنتعرف على جولاته الشيقة وتنقلاته ما بين يافا، والقدس، وروما، وميلانو، وإسطنبول، والقاهرة، لتكون النهاية معه في طرابلس الغرب – بعد سلسلة من الخيبات والنكسات – بموته، ومتى مات؟ في نفس اليوم الذي يزور فيه الرئيس المصري أنور السادات ”تل أبيب“! فتعود جثته مع عودة السادات إلى القاهرة، وكأن الأقدار شاركته نكبته الشخصية ورحمته كي لا يرى المزيد من التفتت والضياع.

يحسب لخلف في عمله هذا أنه انتقى من التاريخ ما خدم فكرته، ناسجاً سيَر شخصياته الواقعية والمتخيلة لتكون حاملة لرؤيته وداعمة لما يريد طرحه، وذلك دون استجرار التاريخ أو استدراجه لإطلاق أحكام عليه تنسجم مع مواقف ومفاهيم الكاتب.

ويحسب له أيضاً استعارته طريقة المونتاج السينمائي في روايته، ليقدم المشاهد الملتقطة من التاريخ في سياق الأحداث التي يرسمها، ويكون وفيّاً لعنوانه الذي يشير إلى آلة التحرير السينمائي أي المونتاج.

وتكمن أهمية هذه الرواية أنها تعود للجذور الأولى، أي للحياة هناك في فلسطين من خلال ذاكرة أبطالها واسترجاعهم المشحون بقدرة تصويرية عالية تمزج الذاكرة الحيَة بالخيال الخصب. كذلك تكمن أهميتها في إبراز الوعي الفلسطيني المبكر بوسائل الإعلام ووجوب المقاومة عبر الفن.

ويذكر المؤلف أنه اعتمد في روايته على مراجع تاريخيّة استفاد منها ككتاب ”السينما الفلسطينية“ لقاسم حول، و“مذكّرات الحاج محمد أمين الحسيني“، و“مذكّراتي“ لذو الكفل عبد اللطيف، والأرشيف الشخصي للمخرج محمد صالح الكيالي، ومقابلة وحيدة مع إبراهيم سرحان، وكذلك أرشيف معهد لوتشييه السينمائي في روما، وأرشيف المركز القومي للسينما في مصر، إضافة إلى البحث الميداني.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة