رثاء إلكتروني للروائي السوداني والفنان التشكيلي محمد بهنس

أدباء عرب يرثون بهنس بعد وفاته في ظروف لا إنسانية متجمداً على أرصفة شوارع القاهرة.

المصدر: إرم – (خاص) من أوس داؤود يعقوب

صدمت الأوساط الأدبية والثقافية السودانية والعربية، لدى سماعها، الخميس، خبر وفاة الروائي والشاعر والفنان التشكيلي السوداني ”محمد حسين بهنس“ متجمدًا من البرد على أحد أرصفة شوارع القاهرة، التي تجتاحها موجة برد قارص منذ عدة أيام، حيث كان يحيا مشردًا بلا مأوى ولا غطاء.

بهنس“ ذو الـ 43 عامًا، والمعروف بروايته اليتيمة الموسومة بـ“راحيل“ ولوحاته التي تزين قصر الأليزيه بفرنسا، وفد إلى القاهرة منذ نحو العامين لإقامة معرض تشكيلي، ليقرر بعدها االاستقرار والعيش فيها، فعاش في الفترة الأولى في منزل متواضع بمنطقة ”العتبة“، غير أن تدهور أوضاعه المالية وسوء وضعه النفسي، وعدم قدرته على تدبر معيشته، جعله يتخذ من ”ميدان التحرير“ سكنًا له.

وقد عرف عنه تعدد مواهبه الأدبية والفنية، حيث كان يلحن أغانيه ويؤديها، ويعزف على ”الجيتار“، وسط التجمعات الجماهيرية في ميدان التحرير، كما أقام عدة معارض تشكيلية في فرنسا وألمانيا وأديس أبابا والقاهرة والخرطوم، وكتبت عنه الصحف الفرنسية وعن مواهبه وإبداعاته في الرسم بالضوء.

وحسب تصريحات أحد أصدقاء الراحل ويدعى ”عبد الواحد إبراهيم“، فإن جثمان ”بهنس“ متواجد في ”مشرحة زينهم“ منذ الثاني عشر من الشهر الجاري، إلا أن أحدًا لم يتعرف عليه سوى، الخميس، من خلال أحد أصدقائه.

شخصيات ثقافية عديدة من السودان ومصر والأردن والجزائر وتونس، من روائيين وكتاب وشعراء، هزهم الخبر فرثوا ”بهنس“ على جدران صفحاتهم في ”الفيسبوك“، واصفين رحيله بـ“الفجيعة والعار“.

الروائي السوداني، أمير تاج السر كان أول من رثا ”شهيد الفقر والحرمان“ فكتب على صفحته: ”أحزنني جدًا موت الرسام الشاب بهنس في ظروف لا إنسانية. تذكرت كاتب قصة موهوبًا من جيلنا مات أيضًا في عمر العطاء. أعني الكاتب النوبي إبراهيم فهمي الذي لو عاش لتغيرت صناعة القصة“.

وفي نفس الموقع، رثا الكاتب المصري الشاب سعيد شحادة، بكثير من اللوعة والحزن، كاتبًا: ”بعد قراءة خبر وفاة بهنس ومشاهدة صور ”قتيل الأنظمة“.. اكتشفت أنه بهنس صاحب الجدائل المتربة والملابس الممزقة والابتسامة غير المبررة، واكتشفت أنه فنان تشكيلي وأديب، واكتشفت أنه ليس من مجانين وسط البلد كما قيل، واكتشفت أن بهنس الذي أنكره الجميع صار حديث الساعة بعد موته متجمدًا من البرد في شوارع القاهرة.. وأيقنت أنه لو عاش ألف عمر فوق عمره لظل مجنونًا في أعين الجميع.. ولظلت جدائله متربة وملابسه ممزقه وابتسامته غير مبررة. غدًا ستطالعنا الجرائد أن رواية بهنس فقيد البرد ستنشر في دار ”كذا“، وأن جماعة ”كذا“ سيقيمون معرضًا لعرض لوحاته. يا ناس ليه ما رحمتوش بهنس وهو بيترعش من البرد على أرصفة القاهرة..“.

لا عزاء للأدباء الشرفاء

وكتب الروائي الأردني، صبحي فحماوي، على جدار صفحته: ”هل مات ”محمد بهنس“ حزينًا على هذه الأمة، التي تأكل بعضها، إذ لم تجد ما تأكله!!. متجمدًا من البرد وجائعًا، بلا مأوى، مات صاحب رواية ”راحيل“ التي تحكي قصة شاب يشتغل في أستديو للتصوير، فيغرم بفتاة فقيرة وجميلة تدعى ”راحيل“ تعرف عليها عندما قصدت الأستديو لتأخذ بعض الصور من أجل جواز السفر قبل الالتحاق بعريس خليجي.. الآن تهجم دور النشر لطباعة روايته اليتيمة، وتحقيق أرباح طائلة من وراء بيعها، في الوقت الذي لم يجنِ منها دولارًا واحدًا طيلة حياته، الآن تطبع دور الموسيقى اسطوانات لموسيقاه وأغانيه فتبيعها من دون أن تدفع لبهنس، وتأكل بلحمه وهو ميت بلا مُطالب بحقوق الطباعة واللطش، الآن يقام لمحمد بهنس ميتم يكلف آلاف الجنيهات بينما لم تسمح له كرامته في حياته استجداء منامه ورغيف خبز في قبو عمارة يحرسها حارس سوداني، ترى هل مات محمد بهنس حزينًا على تفتت السودان واندثارها، وعلى ”الصوملة“ التي تنتشر نيرانها في ربوع الوطن العربي، وحروب داحس والغبراء التي أعيد إشعالها من جديد“.

ومن بلاد المغرب العربي كتبت الروائية الجزائرية ربيعة جلطي: ”اللعنة على الصقيع البشري بأنواعه المتناسلة كل لحظة ..كيف أسلمَ روحَه وألوانَه وأحلامَه هذا الوجهُ المليء بما تفتقر إليه دنيا الناس .وإن كنت بكيتُك بحرقة وغضب يا بهنس، فإنني جزء من هذا العالم الجليدي التعس بغربه وشرقه، الذي لا يستأهل وجود أمثالك. وإني ألعنه وألعن الصقيع البشري بكل أنواعه المتناسلة المتكاثرة، تلاحق ما تبقى من الدفء في الصدور كي تُجَمِّده. من حقك ألاّ تسامحنا“.

أما الشاعر التونسي سوف عبيد فقد كتب: “ هكذا يموتون من البرد في العراء… لا عزاء للأدباء الشرفاء..“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com