صقيع الحرب أحرق الغابات السورية

صقيع الحرب أحرق الغابات السورية

المصدر: دمشق - من ربى الحايك

”ازرع ولا تقطع“ شعارٌ تربى عليه السوريون منذ زمن طويل، وحاولوا التعايش معه والقناعة بقوة الغابات ودور الأحراج في تحسين الحياة البيئية ، والتمتع معها بمنظر جميل.

ولكن ومع بداية الأحداث في سوريا، واشتعال الحرب، وضعف الإمكانيات المادية بظل الأزمة، و قلة مصادر المحروقات، وارتفاع أسعار الوقود، هل بقي السوريون يحفظون هذا الشعار..؟

جولة بسيطة لشبكة إرم الإخبارية على بعض مناطق الغابات والأحراج المتوزعة في سوريا تكشف لنا الإجابة أمام منظر غابات واجهت الفؤوس بالأنين، وتحولت إلى شاهد على إجرام البشر بحق البيئة وبحق أشجار يزيد عمر بعضها على الخمسة وعشرين عاما، وبعضها الآخر بات غائراً في القِدم حتى توزعت جذوره تمسك بالأعشاب والشجيرات الصغيرة. قبل أن تختفي تحت وطأة فؤوس أصحاب الحاجة من جهة وأصحاب التجارة من جهة أخرى.

بين الحاجة والتجارة

بعض الجائرين على الأحراج دفعتهم الحاجة إلى الاعتداء عليها، ويشتدّ هذا الاعتداء في فصل الشتاء حيث يفضل خلاله المواطنون القضاء على الغابات قبل أن يقضي البرد عليهم في ظلّ عدم استقرار أسعار المازوت التي تشكل الوقود الأساسي للمدافئ في الشتاء، حتى بعض الذين يمتلكون المال ويمكنهم شراء لتر المازوت في السوق السوداء بأسعار تبدأ من 200 ليرة صعوداً لايجدون المادة متوفرة بشكل دائم.

لذلك لجأ هؤولاء وما أكثرهم وعلى امتداد مناطق توزعهم في سوريا في دمشق وريف دمشق والساحل السوري المعروف بالمساحات الكبيرة والواسعة للأحراج وفي حلب التي اجتاحت الفؤوس فيها أشجار الحدائق حتى، ولم توفرها لاخوفاً من المساءلة ولاخوفاً على المنظر الجمالي العام في بلد يعاني الحرب منذ مايقارب الأربعة أعوام.

ومع لجوء عدد كبير منهم إلى اقتناء مدافئ الحطب بدأت ترتفع أسعار الكيلو وتختلف من نوع إلى آخر ويحتل خشب السنديان المرتبة الأولى حيث تبدأ الكيلو الواحد من سعر 50 ليرة صعوداً يليه خشب الزيتون بــ 40 ليرة وتتوزع باقي الأخشاب ومنها الصنوبر والحمضيات وأشجار الدلب والحور والبلوط والكينا والغار بأسعار متنوعة حسب جودة الخشب وقدرته على الصمود داخل المدفأة.

وأمام هذه الأسعار ولأن الكيلو الواحد لا يلبي حاجة التدفئة فلابد من الحصول على كميات كبيرة من الأخشاب الأمر الذي دفع بالبعض إلى حمل فؤوسهم والبعض الآخر امتلك منشاراً كهربائياً أو يدوياً وخرج بنفسه لتأمين متطلبات التدفئة له ولأسرته. ليبدأ التسابق بشكل ينذر بالخطر الكبير على هذه الأحراج. حيث بات منظر الغابات التي وصلت إليها الفؤوس يدلّ على تشوّه واضح كمن أصابه عطب في جانب من وجهه فبات المرض ظاهراً لكل من يراه مثيراً الشفقة في النفس.

ولا يرى من التقتهم شبكة إرم الإخبارية من المواطنين الذين لجؤوا إلى الحطب للتدفأة مشكلة قطع الشجر أكبر من مشكلة البرد خاصة أولئك الذين لديهم أُسراً وأطفالاً تحتاج إلى التدفئة. وأوضح بعضهم أنهم يعرفون مدى الجور على الأحراج وبأن مايحرقونه للتدفئة في الشتاء يحميهم من حرّ الصيف ويدرّ ربحاً على الدولة من خلال السياحة الداخلية والخارجية، غير أن البدائل أمامهم معدومة خاصة أصحاب الدخل المحدود.

وأصبحوا بدل رفع الصوت للحفاظ على الغابات والأحراج يرفعونه دعوة لانخفاض أسعار الحطب المقطوعة من هذه الأحراج. حيث ارتأى بعضهم أنّ الدفاع عنها في هذه الفترة لايعدو كونه تنظيراً وفلسفة خاصة لامعنى لها وترفاً ذهنياً فائضاً وفارغاً بظل الحاجة الماسة للتدفئة وقلة حيلة المواطن، وفروغ جيوبه من المال.

وإن كنا هنا فهمنا من الكلام الآنف الذكر أن السوريين لايرون بقطع الاشجار واجباً غير أنه حلاً ملحاً لما تفرضه الظروف العامة التي تمرّ بها البلاد من قلة الدخل المادي من جهة وهجوم الشتاء وقسوته من جهة أخرى.

تجّار الأزمات

في مقابل سعي المواطنين إلى التحطيب بحثاً عن الدفء يسعى بعض من يجتمع كثيرون على تسميتهم تجار الأزمة إلى التحطيب المنظّم إذ يقوم هؤولاء بتشغيل عمال باليومية كلّ يأخذ أجره حسب الكمية التي يستطيع قطعها لسببين اثنين يجمعهما هدف واحد وهو الربح المادي. وهؤولاء يقومون بتقطيع الأحراج لبيعها للمواطنين الذين تكاثروا على مدافئ الحطب مع زيادة في السعر على الكيلو بعد ضم التكاليف، ولم يعد يخفى على أحد هذا التوجه خاصة مع قيام البعض بفتح محال تجارية خاصة ببيع الحطب في دمشق واللاذقية وطرطوس وحلب وادلب وغيرها يكون مع خدمة التوصيل المأجورة.

والجانب الآخر للتجارة في الأحراج يكمن في عمليات ”التفحيم“ أي صنع فحم النراجيل من الخشب الطبيعي هذه التجارة التي بات معروفاً عنها مدى الربح الذي تدرّه على أصحابها.

و مع ارتفاع أسعار الخشب وعدم إحساس تجّاره بالمواطن لجأ البعض إلى حيَل أخرى تخفف عنهم التكلفة ولو قليلاً و وصل الأمر بالبعض إلى قطع أشجار بستانه الخاص لتحقيق حاجة التدفئة لأبنائه مفضلاً رؤيتهم سعداء بالتجمع حول المدفأة من سعادتهم بقطف ثمرة وتناولها.

و وجد البعض الآخر حلّاً بالبحث في البساتين القريبة منه وتجميع الصنوبر اليابس المعروف انتشاره في الأرياف من أجل الاستفادة منه في التدفئة لمعرفته عن صمود هذا النوع أمام النار حيث أنه لاينطفئ بسرعة.

وأخبرنا بعض الأشخاص أنهم يبحثون في الشوارع وقرب الأماكن التي تتوزع فيها مناشر الخشب وتكثر ورش البناء لتجميع قطع خشب صغيرة ونثرات متوزعة هناك وهناك تساعد في عملية التدفئة.

استخدامات مختلفة للأخشاب

وبعيداً عن التدفئة وبيع الفحم الخاص بالنرجيلة بات الخشب خياراً مميزاً واقتصادياً مناسباً لسكان المناطق الريفية مع ارتفاع سعر الغاز من أجل الطهي والغسيل. وتنتشر ظاهرة الاعتماد على الأخشاب بشكل واضح في ريف حمص وريف اللاذقية وطرطوس وريف حماه حيث يتم إنشاء مواقد متعددة الاختصاصات منها للطهي ومنها لتسخين المياه بأوانٍ كبيرة تسمى“البرميل“ للاستحمام أو الغلي تغنيهم عن استخدام مصادر الطاقة المختلفة كالغاز والمازوت والكهرباء.

ولم يعد مستهجناً أو مستغرباً منظر شباب أو رجال يتجولون على آلياتهم يحملون منشاراً بحثاً عن شجرة بلا حماية لاقتطاعها والفوز بأخشابها.

الأمر الذي يزيد من حدة الجور على هذه الأحراج والقضاء عليها للوصول إلى حالٍ حراجية خطرة.

كارثة مقبلة

تميزت سوريا عبر الزمن بمساحة الغابات والمحميات الحراجية المتوزعة في مناطق مختلفة أهمها الساحل وريف دمشق وادلب وشمال سوريا. وباتت هذه المساحات مكاناً يقصده السيّاح بكثرة قبل أن تندلع الحرب السورية عام2011. وقامت الدولة بتخصيص ملايين الليرات السورية لتهيئة هذه البيئة الطبيعية التي احتاجت سنين طويلة من أجل الوصول إلى صورة الغابات قبل مارس 2011.

حيث يصعب أن تعود غاباتنا التي نالت نصيبها من ارتدادات الأزمة كما كانت في زمن قريب لأنها تحتاج جهداً مضاعفاً ومالاً مخصصاً وسنوات من الاهتمام.

وإن اجتمعت أسباب من قضى على ما استطاع من الغابات في الحماية من البرد لانعتقد أنهم فكروا بكل ماسلف من معلومات أمام حاجتهم. خاصة وأنهم لم يفكروا أصلاً بالعقوبات التي فرضها القانون السوري من أجل حماية الأحراج في ظل مايمرون به من ظروف.

بعد كل شتاء يتغير منظر الغابات ولا يراها زائرها كما كانت عليه في السابق. هو مشهد مأساوي للغطاء الأخضر الذي طالما كنا نتغنى به. لكن المعادلة بين حاجة المواطن وحاجتنا لرؤية الأخضر تبدو صعبة إذ لايمكن الحديث عن حماية الغابات قبل الحديث عن حماية المواطن من البرد أولاً ودعمه لتأمين احتياجات أخرى وتأمين الوقود اللازمة والكافية له ثانياً بأسعار تكون مقبولة بعد القضاء على الأسواق السوداء التي تزيد من شعور الأسر المحدودة الدخل بالفقر الشديد.

ولأن الشجر ليس بأغلى وأهم من البشر لم يعد السوريون يتغنّون بالأشجار حبّاً ورومانسية بل أضحوا يتغنّون بأخشابها المقطوعة داخل المدافئ كلما ارتفعت نارها وهي تعطيهم دفئاً يقيهم البرد ويعينهم على الحياة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة