مسلسل الحلاج يشعل الجدل.. أنتجته قناة أبوظبي وامتنعت عن عرضه

مسلسل الحلاج يشعل الجدل.. أنتجته قناة أبوظبي وامتنعت عن عرضه

المصدر: إبراهيم حاج عبدي - إرم نيوز

عاد المتصوف الإسلامي الأشهر الحلاج إلى دائرة الجدل بمجرد الإعلان عن عرض مسلسل يروي قصة حياة هذه الشخصية الإشكالية التي عاشت في الحقبة العباسية من التاريخ الإسلامي.

وكان متوقعًا أن يثير مسلسل درامي عن الحلاج (858 ـ 922) كل هذا الصخب والسجال الذي ضجت به مواقع التواصل الاجتماعي، وسط حالة انقسام حادة بين من رأى في الحلاج متصوفًا إسلاميًا زاهدًا مؤمنًا، على طريقته الخاصة، وبين آخرين وجدوا فيه ”زنديقًا كافرًا“.

واللافت أن هذا السجال تدنى إلى مستويات لا تتناسب مع مكانة الحلاج ورؤاه الفلسفية العميقة، فمن المعروف أن فكر الحلاج، بمعزل عن الاتفاق أو الاختلاف معه، يدرّس عادة في الأكاديميات ومراكز الأبحاث، لكن جلبه إلى فضاءات التواصل الاجتماعي، حيث تنشط ”فيالق من الحمقى“، وفق تعبير المفكر الإيطالي إمبرتو إيكو، أفرغ فكر الحلاج من محتواه الثري، واختزل تجربته في ثنائية الكفر أو الإيمان.

ويبدو أن قناة أبو ظبي، التي أنتجت المسلسل، اضطرت إلى عدم عرضه تفاديا على ما يبدو لسيل الانتقادات لتتولى قناة Ten المصرية عرض المسلسل بعد أن تم تغيير اسمه من ”الحلاج“ إلى ”العاشق.. صراع الجواري“.

ويبقى إقدام قناة أبو ظبي على إنتاج المسلسل والاستعداد لعرضه مغامرة تقوي رصيد القناة التي تسعى لأن تكون منفتحة أمام مختلف أفكار التسامح والاعتدال وسط موجات التشدد كما يقول مسؤولوها الكبار.

وكان برومو المسلسل كافيًا ليشحذ شيوخ التشدد سكاكينهم ضد المسلسل وصناعه من دون انتظار ما يظهر على الشاشة، علمًا أن إنتاج مسلسل درامي عن حياة وفكر الحلاج لا يعد تسجيلًا لموقف مسبق، بقدر ما يعتبر إضاءة درامية على جزء من تاريخ إسلامي، مدون في الكتب والمجلدات، ولن يأتي العمل بجديد يستحق عليه العقاب، سوى وضع الحكاية في إطار بصري فني.

ويحفل تاريخ الدراما العالمية في مجال المسرح والسينما والتلفزيون بتجارب مماثلة تناولت شخصيات مثيرة للجدل، من دون أن تتعالى أصوات لمنع عرضها، فهناك على سبيل المثال عشرات الأفلام عن شخصية الزعيم الألماني النازي أدولف هتلر، وهذا لا يعني أن الجهات المنتجة لتلك الأفلام تتبنى الفكر النازي ”المدمر“.

واستبق المعترضون على المسلسل، عرض الحلقات، مشيرين إلى أن المسلسل، يصور الحلاج على أنه شخصية مسلمة تقية، فيما يراه هم ”زنديقًا وكافرًا“، وهو ما يعزز سذاجة بعض من يعتبرون أنفسهم حراسًا على الدين.

وكتب أسامة شحادة، على سبيل المثال، أن الحلاج شخصية ”ضالة ومنحرفة أجمع أعداؤها وأنصارها على حد سواء على أنها تصادم أصول الدين ومسلّمات الإسلام ومحكمات القرآن الكريم والسنة النبوية“.

وثمة من رأى في المسلسل مؤامرة غربية تستهدف المجتمعات الإسلامية، عبر دعم رمز للتصوف هو الحلاج، وتقديم أفكاره الغريبة لتخريب عقول الناشئة وتوظيف دراما رمضان لترسيخ قيم غير دينية عند جمهور ثقافته الدينية ضعيفة.

ووفقًا للمعلومات المتوفرة، فإن المسلسل، وكما يشير عنوانه، يتناول سيرة المتصوف الشهير الحسين بن منصور الحلاج، في إطار تاريخي درامي متخيل، ويستعيد جوانب من عصر الخلافة العباسية التي شهدت فترة اضطرابات في تداول السلطة.

وتدور أحداث العمل على خلفية بزوغ نجم امرأة كانت تدعى ”شغب“، وهي جارية من جواري الخليفة المعتضد بالله وأم ولده ”جعفر“، والتي تمكنت بدهائها وقوة شخصيتها وفهمها لخفايا السياسة والحكم من خوض صراعات قاسية في سبيل تثبيت حكم ولدها جعفر.

المسلسل من إخراج السوري علي محي الدين علي الذي كان مساعدًا للمخرج حاتم علي في أغلب الأعمال التي أنجزها، فيما تولى كتابة السيناريو أحمد المغربي، وهو من بطولة غسان مسعود، الذي يؤدي دور الحلاج، إضافة إلى العديد من الممثلين، ومنهم منذر رياحنة، منى واصف، خالد القيش، محمد قنوع، أنس طيارة، زهير رمضان، رنا جمول، راكين سعد، مديحة كنيفاتي، مرح ديوب، عاكف نجم، أحمد سرور، فاطمة ناصر…وسواهم.

ويعتبر الحسين بن منصور الحلاج، واحدًا من أشهر الصوفيين وأكثرهم إثارة للجدل عبر التاريخ، عاش في العراق، وانتهت حياته نهاية تراجيدية، إذ قتل في عهد الخليفة المقتدر حرقًا وصلبًا، ثم رميت بقايا جثته في مياه نهر دجلة، وفقًا للمصادر التاريخية.

ويرجح أن سبب مقتله يعود إلى آرائه الغريبة والغامضة التي كان يعبر عنها أمام العامة، من دون أن يتمكنوا من فهمها وبالتالي اعتبروها ”كفرًا“ و“زندقة“.

ورغم الانقسام الحاد بشأن الحلاج ومذهبه الفكري والصوفي، إلا أنه شكل مصدر إلهام لأجيال من العرب والمسلمين على مر العصور، وحظي باهتمام المستشرقين والباحثين، ولا تزال تجربته الروحانية وأفكاره الفريدة تثير الجدل والنقاش، خصوصًا وأنها مبنية على أسس إنسانية شاملة، من دون تعصب لدين أو جنس أو قومية بعينها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة