”شغيل الحب“.. فيلم صامت يصدح بقهر العمال ومعاناتهم

”شغيل الحب“.. فيلم صامت يصدح بقهر العمال ومعاناتهم

مراكش – لا يتبع ”اديتافيكرام سينغويتا“ تقاليد السينما البوليودية، بل يختار أن يكسر قواعدها، ليتحرر في أول عمل سينمائي طويل له من صخب الموسيقى، وتقافز الرقصات، بل وينعدم الحوار المنطوق، لتسرد الصورة الصامتة قصة رومانسية، مغلفة بمعاناة العمال الكادحين وقسوة حياتهم، لينتصر فيها زوجان على قهر الحياة وروتينها الخانق، ويُحافظان على شعلة الحب بينهما مُتقدة.

ففي فيلمه ”شغيل الحب“ (84 دقيقة) الذي عرض ضمن فعاليات المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، تحضر شخوص القصة الرومانسية الصامتة، مستوحاة من واقع ظروف قاهرة يعيش في ظلها آلاف العمال بمدينة ”كالكوتا“ الهندية مهددين بالعطالة بسبب الركود الاقتصادي وتغول النظام الرأسمالي على حياتهم وقوت يومهم، ليعكس صمت المَشاهدِ وسُكونها ضجيج الحياة الصاخبة التي تطوق البطلين، وتدفعهما قسرا وإن آواهما سقف واحد، لقضاء أيامهما يجتران مرارة البعد والغياب.

فالزوجة التي تقضي ساعات نهارها في العمل بكد مُضن في مصنع لخياطة الحقائب، تلوك برتابة مملة ذات تفاصيل يومها، بعيدة عن أنس زوجها، محرومة من تقاسم لقيمات الطعام بصحبته، ومن سرد حوادث يومها عليه، لتركن وحيدة هاجعة في انتظار انقضاء الليل وحلول التباشير الأولى للصباح، لتستقبل يوما آخر لا يقل رتابة عن سابقه، فيما ينهمك زوجها في عمله في طباعة الصحف ليلا، وقد صرف نهاره أيضا وحيدا دونها.

ويستعيد الفيلم حياة الآلاف من العمال الفقراء في الهند الذين تضطرهم صعوبات الحياة ومصاعبها، إلى العيش في ظل نمط يسرق منهم لحظات الزهو بالقرب من أحبتهم، فحين تدلف الزوجة إلى البيت بعد قضاء يوم كامل خارجه، لا تجد سوى الصمت والظُلمة الدامسة، وحين يحل الزوج بالبيت صباحا لا يجد إلا صحون طعام بارد أعدته الزوجة من أجله في غيابه، فلا وجود فيزيقي للبطلين ولا لقاء بينهما إلا الأثر الذي يتركه كل منهما حينما يأوي إلى البيت مجردا من الآخر.

المجرى الرتيب لأيام الزوجين لا يكسر صمتها سوى المذياع الذي يصدح بأصوات تدعو إلى الثورة على الأوضاع القائمة التي تستنزف حياة العمال، وتحيلهم إلى شخوص منزوعة من سياقها الاجتماعي، خاضعة لرحمة النمط الرأسمالي، الذي لا يرى فيهم سوى قوى لزيادة الإنتاج وأدوات لتكديس الثروة، نازعا عنهم كل حق في العيش بكرامة، وفي ترتيب حياتهم كما يشتهون، فلم يُخلق العامل إلا ليكد ساعات طويلة، يبذل فيها من جهده، ويحرم فيها من رفقة أحبته، مُقابل أجور زهيدة، تجعل منه على الدوام خاضعا للحاجة، ورهينا للعوز.

تغص مَشاهد الفيلم بمشاعر الألفة والسعي المشترك للتغلب على قسوة ظروف العيش، يوردها المُخرج بشكل مضمر عبر رصد دقيق لتفاصيل يوميات الزوجين وأساليبهما المبتدعة لإظهار اهتمامها ببعضهما، تحديا لغياب فرضتهُ الحياة عليهما قسرا، ويختار المخرج ”ديتافيكرام سينغويتا“ أن يغيّب عمدا الحوار ليفسح المجال للصورة السينمائية للقيام بوظيفة البوح الخفي، والسرد العميق لقصة قليلة الشخوص إلا من بطليها، صامتة إلا من موسيقى بنغالية عابرة في بعض لقطات الفيلم، وطقطقات الأواني وهدير المصانع.

وعلى مشارف نهاية القصة، يلتقي الزوجان عرضا ولدقائق معدودة، حين تهم الزوجة بمغادرة البيت في تجاه عملها، ويصل الزوج إلى مسكنهما قادما من مشغله، حينها يجلسان في لحظة صفاء قصيرة، حيث اختار المخرج أن تدور تفاصيلها في عالم فسيح متخيل، مخالف لواقعها الخانق، لكن سرعان ما تنقضي تلك الدقائق المبرقة، ليعود كل منها إلى روتين القاتل.

ويرى ”جاناكي باتشاريا“ منتج الفيلم، أنّ إخراج الفيلم على إيقاع صامت، دون حوارات، ودون شخوص كثيرة باستثناء بطلي الفيلم، كان بهدف تمكين المشاهد من المشاركة في القصة، ومنحها الدلالات التي يفهمها، والتي تشير إليها الصور السينمائية بشكل مبطن.

واعتبر ”باتشاريا“ أنه عاشق لسينما بوليود ولكنه يحاول أن يقدم صيغة أخرى لها، معتبرا أن تقديم الصمت وقوة الصورة أكثر بلاغة وإفصاحا من الحوار.

يعدُ فيلم ”شغيل الحب“ أول عمل سينمائي طويل للمخرج الهندي الشاب ”أديتيا فيكرام سينغوبتا“ (مواليد 1983) حيث حصل خلال السنة الجارية على جائزة أفضل إخراج ضمن فعاليات أيام فينيسيا السينمائية بإيطاليا.

وسبق أن قام ”سيغويتا“ بإخراج عدد من الأفلام السينمائية القصيرة عرضت في عدد من المهرجانات الدولية، كمهرجان ”ساو باولو“ ومهرجان ”كليرمون فيرون“، كما أخرج عدد من أفلام الرسوم المُتحركة الناجحة في الهند، ولم يقتصر إبداع هذا المُخرج الشاب على فن الإخراج فقط، بل عرضت له لوحات تشكيلية في عدة معارض في جميع أنحاء الهند.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com