سعيد عقل.. رحيل قرن من عذوبة الشعر

سعيد عقل.. رحيل قرن من عذوبة الشعر

المصدر: شبكة إرم الإخبارية ـ خاص

لا يمكن لأحد أن يختزل تجربة طويلة وغنية كتلك التي عاشها الشاعر اللبناني سعيد عقل، في مقال صحفي، ذلك أن قرنا كاملا وأكثر من الأشعار والمعارك والسجالات والتحولات يصعب تلخيصه في كلمات معدودة.

لم يكن الشاعر المخضرم، الذي رحل عن مائة وسنتين، يأبه للتصنيفات الشعرية، ولم يكن طرفا في معارك بين من يدعو لقصيدة النثر او التفعلية، أو أولئك الذين يطالبون بالاقتصار على الشعر العمودي، فكان لعقل أسلوبه الخاص، إذ استثمر كل الأنواع الشعرية وصاغها ضمن قالب فني وجمالي محبب.

وعلاوة على ذلك، لم يكن الشاعر من المتزمتين في مجال اللغة، فمثلما كتب قصائد باللغة العربية الفصحى، فإنه أفرد مساحات في تجربته الطويلة للشعر المحكي، بل كان مدافعا شرسا عن العامية اللبنانية، وهذه القصائد التي كتبت باللغة العامية وصلت إلى اسماع الكثيرين بعدما غنتها فيروز لتستقر في ذاكرة أجيال متعاقبة.

تميز الشاعر بلغته العربية البليغة والبسيطة في آن، إذ كان يغوص في بحار اللغة العربية الشاسعة باحثا عن كنوزها وجمالياتها، ناحتا الكلمات نحتا، فهو صاحب مفردات خاصة في الشعر، وله ديوان بعنوان ”رندلي“، وهي مفردة لا معنى لها لغويا، لكن ايقاعها المحبب الذي يحمل جرسا موسيقيا عذبا جعل الشاعر يختارها.

وقال سعيد عقل المعروف باعتزازه الكبير بنفسه يوما عن شعره ”أفتخر بأنني كتبت شعرا غير مكتوب في ثلاث لغات تمتلك أجمل شعر في العالم وأعظمه أثينا وروما وفرنسا“.

ورغم أن قصائده تنطوي على شيء من الرمزية والتلمحيات الخفية لكنها خالية من البكائيات والتفجع، فهو كان دائم الاحتفاء بالحياة يكتب شعرا تحلق في فضاءاته الأطيار والاقمار وتطرز جوانبه كلمات العشق والصبابة وتطل من بين سطوره لوعة المحبين عبر غزل متفرد، عذب ورقيق يكاد يشكل قطيعة مع التراث العربي الغني في مجال التغزل بالحبيبة.

وهو أقر بأن في شعره بعض الرمزية“، لكن يضيف بتفاخر: شعري أكبر من ذلك، يضم كل أنواع الشعر في العالم، هؤلاء الذين يصدقون أنهم رواد مدرسة من المدارس ليسوا شعراء كبارا، الشعراء الكبار هم الذين يجعلون كل أنواع الشعر تصفق لهم“.

ولد سعيد عقل في مدينة زحلة شرق لبنان، وتلقى دروسه الأولى في مدرسة الاخوة المريميين، وكان يعتزم التخصص في الهندسة.

لكن افلاس والده وهو في الخامسة عشرة من عمره اضطره لترك المدرسة وتحمل مسؤولية المشاركة في إعالة العائلة، وبدأ بالكتابة في صحف عدة منها ”البرق“ و“المعرض“ و“لسان الحال“ و“الجريدة“ ومجلة ”الصياد“.

تعمق في اللاهوت المسيحي ودرس تاريخ الاسلام وفقهه، وألقى دروسا في تاريخ الفكر اللبناني واللاهوت.

من دواوينه ”قصائد من دفترها“ و رندلي“ و“دلزي“ و“اجمل منك؟ لا“.

وكتب، كذلك أعمالا نثرية، ومنها ”يوم النخبة“ و“كأس لخمر“ و“لبنان إن حكى“ الذي يتطرق إلى أمجاد لبنان باسلوب قصصي.

وفي المسرح وضع عقل خصوصا مسرحية ”قدموس“.

في العام 1962 أسس جائزة شعرية تشجيعا لكتابة القصائد التي تتغنى بلبنان.

ومن كتبه ايضا ”خماسيات“ وهي مجموعة قصائد باللهجة اللبنانية و“الحرف اللبناني“، وصدر سنة 1978.

وفي العام 1981 صدر لسعيد عقل ديوان شعر باللغة الفرنسية اسمه ”الذهب قصائد“، وهو كتاب جامع يحمل خلاصة أفكاره.

وتحفظ قصائد سعيد عقل اجيال عدة من اللبنانيين، وادرجت قصائد منها في المنهاج التعليمي اللبناني.

وقد غنى كبار المطربين اللبنانيين أشعاره ابرزهم فيروز التي غنت له من الحان محمد عبد الوهاب ”مر بي“، ومن الحان الاخوين رحباني قصائد عدة منها ما يتغنى بالقدس والشام ومكة، واشهرها ”زهرة المدائن“ و“يارا“ و“بحبك ما بعرف“ و“أمي يا ملاكي“ و“سيف فليشهر“.

لكنه في المقابل، اطلق مواقف مثيرة للجدل حيال الفلسطينيين والعرب عموما، ولاسيما اثناء الاجتياح الاسرائيلي للبنان في العام 1982، في الوقت الذي كان البلد يشهد انقساما طائفيا حادا.

فهو لم يتوان عن تأييد الاجتياح داعيا اسرائيل للقضاء على الوجود الفلسطيني في لبنان.

ويعد سعيد عقل واحدا من أكبر دعاة القومية اللبنانية، وأسس في العام 1972 حزب التجدد اللبناني. وكان يؤمن بفرادة الامة اللبنانية و“الخصوصية اللبنانية“.

فهو كان يدعو الى التخلي عن اللغة العربية الفصحى لحساب العامية اللبنانية وقد اطلق ثورته اللغوية هذه مع ”يارا“ العام 1961 داعيا الى نبذ الحرف العربي واعتماد الحرف اللاتيني مكانه، والى اعتبار لبنان فينيقيا وليس جزءا من العالم العربي.

وقد اوقعته هذه المواقف في جدل مع من يؤمن بانتماء لبنان الى العالم العربي.

بشعره الابيض المنفوش وطريقة كلامه المسرحية وصوته الاجش ولهجته الواثقة، لم تخنه ذاكرته في أيامه الاخيرة إلا احيانا، وقد خف سمعه، لكنه كان دوما خلال جلساته حاضر الذهن يلقي القصائد على طريقته، بدون توقف.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com