كيف يمكن للاتحاد الأوروبي مكافحة غسيل الأموال لتجاوز عقوبات أمريكا؟

كيف يمكن للاتحاد الأوروبي مكافحة غسيل الأموال لتجاوز عقوبات أمريكا؟

المصدر: حنين الوعري-إرم نيوز

تحدثت مجلة أمريكية عن مشكلة غسيل الأموال الشائكة التي تواجه الاتحاد الأوروبي عقب أن سلّط أحد أقوى السياسيين في أوروبا وكبير الدبلوماسيين في ألمانيا الضوء عليها أخيرًا.

وقالت مجلة ”ناشونال إنترست“ إنه عادةً ما يعتقد أن الأعمال المهمة لكن السرية المرتبطة بمراقبة الأنظمة المالية تختص بأنشطة رجال الشرطة ومسؤولي الامتثال للقوانين والتكنوقراط، بيدَ أن غسيل الأموال أصبح موضوعًا ساخنًا هذه الأيام.

وأشارت المجلة إلى دعوة رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر في خطاب له في الـ 12 من أيلول/ سبتمبر الماضي لتجديد الالتزام بالدبلوماسية المستندة إلى القوانين، وعودة الإنفاق الدفاعي وإقامة أوروبا الموحدة لتحالفات جديدة من أفريقيا إلى اليابان.

لكن إلى جانب ذكره تطلعات سياسية تقليدية إلى حد ما، انحرف عن النمط التقليدي بشكل مفاجئ، على حد تعبير المجلة، إذ أكد يونكر أن ما تحتاجه أوروبا بالفعل هو اتخاذ إجراءات جديدة لمكافحة غسيل الأموال ومنح اليورو دورًا قياديًّا لتقليل اعتماد الأوروبيين على الدولار الأمريكي.

وبيّنت المجلة أنه في مقال رأي نشر قبل ثلاثة أسابيع من خطاب يونكر لم يُمنح الكثير من الاهتمام، أدلى وزير الخارجية الألماني هايكر ماس بنقاط مماثلة.

وفي رؤيته الإستراتيجية لأوروبا، شدَّد ماس على الحاجة إلى نظام دفع جديد لتحرير الاتحاد الأوروبي من الذراع الطائلة للعقوبات الأمريكية على إيران والقضايا الجيوسياسية الأخرى.

وقد يبدو غريبًا أن تورد الدعوة إلى نظام عالمي جديد من أحد أقوى السياسيين في أوروبا وكبير الدبلوماسيين في ألمانيا تفاصيل فنية بديلة لنظام جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك ”SWIFT“  الأمريكي، إلا أنه ليس غريبًا على من تتبع البرلمان البريطاني خلال فصل الصيف، على حد وصف المجلة.

غسل الأموال

وكشفت المجلة أنه بعد عدة أشهر من الأدلة والشهادات، خلصت لجنة الشؤون الخارجية في المملكة المتحدة في أيار/ مايو الماضي إلى أن غسل الأموال مسألة تتعلق بالسياسة الخارجية.

ويسمح ذلك لمن يرغب بالإضرار بالمملكة المتحدة، مثل العملاء الروس الذين قاموا بتسميم ضابط المخابرات العسكري الروسي السابق سيرغي سكريبال وابنته في ساليسبري بإنجلترا في آذار/ مارس الماضي، بإخفاء مصادر دعمهم المالي.

وعلاوة على ذلك، فإن أوروبا غارقة في فضائح غسيل الأموال، بحسب المجلة التي أكدت أنه مع الشعور بتداعيات تحقيقات بنك دانسكي في لاتفيا في الدنمارك والمملكة المتحدة.

ومع تسليط تسوية ”بنك آي إن جي“ مع المدَّعين العامين الهولنديين الضوء على الفساد في أماكن بعيدة مثل أوزبكستان، أصبح من الواضح بشكل متزايد أن البرلمانيين البريطانيين قد فهموا الأمر بشكل صحيح.

وأدرك البرلمانيون البريطانيون أن حجم وطبيعة غسل الأموال العابر للحدود يجعل الأمر مسألة تخص الدبلوماسيين وكبار الشخصيات لأربعة أسباب على الأقل أوردتها ”ناشونال إنترست“ وهي:

أولًا، يمكن للدول أن تمارس سلطتها الوطنية من خلال قيادة معايير غسيل الأموال دوليًّا، فعلى سبيل المثال، غالبًا ما تقود أمريكا جدول أعمال من خلال فرقة العمل للإجراءات المالية المعنية بغسل الأموال (FATF)، وهي كيان يحدد معايير مكافحة غسيل الأموال شاركت في تأسيسه وتولت الرئاسة الدورية له في تموز/ يوليو 2018.

وبحسب المجلة  توحد الولايات المتحدة جهود مكافحة الأموال غير المشروعة العالمية بما يتوافق مع أولوياتها الخاصة وتقوم بتحديد شروط النقاش حول الدول وأنواع التجارة التي تعد غير مشروعة من خلال مثل هذه المنتديات.

وتتمثل أهم الأنشطة غير المشروعة في أجندة فرقة العمل للإجراءات المالية المعنية بغسيل الأموال ضمن رئاستها الأمريكية في تمويل الانتشار النووي، ودعم الإرهاب، والعملات الافتراضية، بيد أن التجارة الإيرانية وقطاع الطاقة الروسي خارج  نطاق النقاش للجميع.

ثانيًا، يعد غسل الأموال قضية أمنية للعديد من البلدان، كما تقترح جلسات الاستماع البريطانية. ومن خلال مكافحة غسيل الأموال، يمكن للحكومات تقليل التهديدات العابرة للحدود التي تواجهها إلى نطاق يمكن التحكم فيه بدرجة أكبر.

أما بالنسبة للدول التي تعاني من معارك داخلية مكثفة ضد التمرد أو الجريمة المنظمة، فإن تجنيد شركاء دوليين لتقييد تدفقات الأموال يمكن أن يساعد في الإخلال بميزان القوى في المعركة داخل الوطن.

وعلاوة على ذلك، فإن الدول التي عانت فسادًا هائلًا على أيدي حكام سابقين تملك -أيضًا- مصلحة راسخة في التعاون على الصعيد الدولي بشأن غسل الأموال، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى رغبتها باستعادة أموالها المسروقة، بحسب تأكيد المجلة.

ففي كانون الأول/ ديسمبر 2017، كان لدى نيجيريا معاهدة مساعدة قانونية متبادلة مع سويسرا لتقديم الشكر على إعادتها أكثر من 320 مليون دولار نهبها الحاكم العسكري السابق ساني أباتشا.

ثم هناك دافع مالي لمحاربة المال القذر، فعندما تكون الشركات المالية هي الجواهر في التاج الاقتصادي للأمة، يمكن لنظام قوي لمكافحة غسل الأموال أن يحمي نزاهتها وبالتالي مكانتها كمصدر رئيس.

وذكرت المجلة أحد تجسيدات هذا النهج، وتحديدًا إستراتيجية السياسة الخارجية لسويسرا للفترة بين 2016- 2019، والتي تعترف بالالتزام بمعايير الشفافية الدولية في المسائل الضريبية كمحور أساس لتعزيز مركزها المالي.

وحتى الآن، شارك 81 مصرفًا سويسريًّا في برنامج وزارة العدل الأمريكية لحل مشكلات غسيل الأموال والتهرب الضريبي المحتملة في أمريكا، ومما لا شك فيه أن دعم الشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة لا يزال يمثل أولوية للسياسة الخارجية السويسرية.

وأخيرًا، إنّ امتلاك ضوابط جيدة لغسل الأموال يحافظ على علاقة جيدة مع الدول المجاورة، إذ إنه عندما تخفق دولة ما في منع البنوك من إساءة استخدامها، فإن التداعيات يمكن أن تثير حوادث دبلوماسية مع حلفاء رئيسين.

وفي حالة لاتفيا، أثبتت ممارسة القطاع المصرفي لقبول الودائع من العملاء غير المقيمين أنها مربحة ولكنها سمحت -أيضًا- لشركات وهمية أجنبية بنقل المليارات من الأموال غامضة المصدر عبر أوروبا.

وفي شباط/ فبراير 2018، قامت وزارة الخزانة الأمريكية بقطع أحد أكبر ثلاثة بنوك في لاتفيا من النظام المالي الأمريكي بسبب مخاوف من غسيل الأموال.

وثبت أن هذا الإجراء كان محرجًا سياسيًّا للاتحاد الأوروبي، على حد تعبير المجلة، واضطر مسؤولو البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية لشرح سبب ترك الهيئات التنظيمية في الولايات المتحدة أن تعالج مشكلة أوروبية.

جذور المشكلة

وبيّنت ناشونال إنترست أن جذور هذه المشكلة تكمن في الحاجة إلى وجود جهة رقابة مركزية لمكافحة غسيل الأموال عبر أوروبا من أجل تحقيق اتساق المعايير ومنع الدول ذات الأنظمة الأقل قوة من أن تصبح -دون قصد- أبوابًا مفتوحة لبقية الاتحاد الأوروبي.

وذكرت المجلة أنه توجد حاليًّا أطر لمكافحة الغسيل على المستوى الوطني، وتتفاوت على نطاق واسع في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي.

ونتيجة لذلك، فإن دفاعات أوروبا ضد الأموال المكتسبة بطرق إجرامية ليست قوية إلا بقدر أضعف أعضاءها الذين يمكن أن تصبح أوجه القصور لديهم بسرعة قضية أمنية ودبلوماسية بالنسبة للكتلة ككل.

وبيّنت المجلة أن نهج أوروبا تجاه غسل الأموال يجب أن يدمج في نهاية المطاف بسياستها الخارجية، فالإستراتيجية الحالية للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي التي تم كشف النقاب عنها عام 2016، تتصور أن الأمن في المقام الأول متمثل في امتلاك معدات دفاعية متوافقة وتعاون أوثق بشأن الإرهاب والفضاء الرقمي.

واختتمت المجلة مقالها بالتأكيد أن تقويض تمويل التهديدات التي تواجه أوروبا، والجهات الفاعلة التي يتعارض فسادها أو عنفها مع القيم الأوروبية، أمر لا يقل أهمية، ومن شأن القيادة القوية في مكافحة التدفقات المالية المبهمة أن تزيد من قوة الاتحاد الأوروبي كمجتمع أمني وتساعد على رفع مكانته في الشؤون العالمية.