جورج جرداق.. الكاتب الموسوعي حين تأسره أغنية!

جورج جرداق.. الكاتب الموسوعي حين تأسره أغنية!

المصدر: شبكة إرم ـ إبراهيم حاج عبدي

يعد جورج جرداق، الذي رحل أخيرا، من الشعراء القلائل الذين ارتبطت شهرتهم بأغنية، فقد كان الراحل، المولود سنة 1931، على موعد مع الشهرة والأضواء حين اختار الموسيقار محمد عبد الوهاب، نهاية الستينات، قصيدته ”هذه ليلتي“ ورشحها لسيدة الغناء العربي أم كلثوم.

راجت هذه الأغنية، بكلماتها الرقيقة، الدافئة، على نحو واسع، وهيمنت على البث الإذاعي عندما لم تكن التلفزة بعد جزءا اسياسيا من ديكور المنازل. وبشيوع الأغنية شاع اسم كاتب القصيدة التي تختتم بأمنية يهذي بها كل عاشق: ملء قلبي شوق وملء كياني … هذه ليلتي فقف يا زمان.

وبقدر ما أسهمت هذه الأغنية في شهرة الشاعر، بقدر ما ظلمته، إذ حجبت تجربة حافلة وغنية، امتدت لأكثر من نصف قرن، أبدع خلالها جرداق في حقل الشعر، وفي النقد وفي الصحافة، وهو ما عبر عنه وزير الثقافة اللبناني ريمون عريجي الذي اعتبر أن رحيله يمثل خسارة لأحد أبرز أعلام الثقافة والأدب في لبنان.

منذ سنوات الطفولة الباكرة بدا جرداق، المنحدر من مرجعيون، مشاكسا عصيا على الاستسلام، إذ يروى عنه أنه كان يهرب من المدرسة نحو مروج بلدته كي يقرأ المتنبي وكتبا في فقه اللغة العربية، وحين علم أهله بذلك انتصر له شقيقه الذي، وبدلا من توبيخه، أهداه ”نهج البلاغة“ لعلي بن أبي طالب.

حددت تلك الهدية جانبا من مشاغل الفتى واهتماماته، لاحقا، إذ ألف موسوعة عن الشخصية المثيرة للجدل علي بن أبي طالب تحت عنوان ”الإمام علي صوت العدالة الإنسانية“ في خمسة أجزاء، ثم أتبعها بملحق كبير بعنوان ”روائع نهج البلاغة“.

أصدر جرداق في سن مبكرة كتابه الأول ”فاغنر والمرأة“ الذي حاز قبول عميد الأدب العربي، آنذاك، طه حسين، فقرّر إدراجه على لائحة المقررات الجامعية. كذلك، حقّقت روايته التاريخية ”صلاح الدين وريكاردوس قلب الأسد“ رواجاً واسعا، وتوالت لاحقا قائمة اصداراته: ”صبايا ومرايا“، و“وجوه من كرتون“، و“حديث الحمار“ وغيرها من المؤلفات.

تميز اسلوب جرداق بالبساطة الممزوجة بحس نقدي رفيع وبنبرة تهكمية ساخرة، وكان ذي ثقافة موسوعية وظفها في معاركه الثقافية والصحافية التي شهدتها المنابر اللبنانية، لكن كل ذلك لم يخرجه إلى عالم الاضواء فقد كان صاحب نبرة خافتة ولكن عميقة وجادة.

ولئن كان الرحيل قدرا محتوما، فإن رحيل جورج جرداق يؤشر إلى اندثار مرحلة انطوت على الكثير من التحولات، وكانت الصحافة الورقية خلالها تتمتع بسطوة كبيرة، وعد جرداق أحد رموزها، إذ كانت مقالاته وزواياه بمثابة هدية ثمينة لقارئ حصيف.

ولعل ما يشير إلى احترامه لمهنة الصحافة، هو أنه لم يكن متطلبا على المستوى المادي، لكنه لم يكن ليساوم قط على مسألة واحدة وهي أن تنشر مقالته دون أي تعديل.

استهل عمله الصحافي في مجلة ”الحرية“، لكنه سرعان ما تنقل بين مختلف الصحف والمجلات إذ عمل في مجلة ”الجمهور الجديد“ وانتقل إلى ”دار الصياد“، وعمل في مجلة ”الشبكة“ وفي صحيفة ”الأنوار“ وغيرها من المطبوعات والدوريات.

بعد أكثر من ثمانية عقود على ولادته، ها هو الفتى الذي كان شغوفا بالمعرفة يصل إلى محطته الأخيرة، فالزمان لم يتوقف كما اشتهى في قصيدته ”هذه ليلتي“، بل سار بأسرع مما تخيل، وطوى حقبة كان جرداق أحد أبرز علاماتها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة