الوهراني.. السينما الجزائرية من تخاطب؟

الوهراني.. السينما الجزائرية من تخاطب؟

المصدر: إرم - من سماح المغوش

عراقة السينما الجزائرية لا يختلف عليها اثنين، فهي ليست وليدة اليوم أو الأمس القريب، وحاضرة بقوة في ذاكرة العالم بمختلف فعالياته السينمائية، ولكن إن أردنا الغوص في عمق التركيبة السينمائية لأي فيلم، من السيناريو إلى الحبكة والتمثيل، إلى علاقة السينما بمجتمعها، فسنطرح عدة تساؤلات حول المرتبة التي استطاعت أن تصل إليها الجزائر في السينما، وهل هناك مخرج للإشكاليات التي وقع فيها الفيلم الجزائري، الذي بدأ عرضه مؤخرا في مهرجانات السينما، ”الوهراني“؟

نظرة على ”الوهراني“

الفيلم الذي أخرجه حديثا، المخرج لياس سالم، ليجوب به المهرجانات العربية والعالمية، يروي قصة الشاب ”جعفر الوهراني“ وصديقيه ”حميد“ و“فريد“ الأصدقاء الذين ينضمون إلى حركة التحرير الجزائرية، ليصبحوا فيما بعد من أهم رموز الجزائر السياسية، إلا أن أحلام الشباب بمستقبل باهر للبلاد بعد الاستقلال لا يسري كما كانت ثورتهم، فحميد الطامع يتحول إلى شخصية بيروقراطية ليحول صديقه ”جعفر الوهراني“ إلى ذات الشخصية تقريبا، وليقضي على صديقهما ”فريد“ الذي يظل محافظا على مبادئه الثورية.

الفيلم الذي يحاول أن يسلط الضوء على أحلام الثورة وكيف تحولت إلى مصالح وبيروقراطية، تبدو عقدته بزوجة ”الوهراني“ ياسمين التي يغتصبها أثناء غياب ”جعفر“ (خلال مشاركته في الثورة) رجل فرنسي (منتقما لأباه الذي قتله الوهراني بالخطأ دفاعا عن صديقه حميد) ليكتشف الوهراني بعد غيابه خمس سنوات (أثناء الثورة) أن زوجته توفيت مخلفة له صبيا فرنسيا ليس من صلبه.

الفيلم.. وقصة مكررة

لست هنا بصدد لوم السينما الجزائرية وحدها بخوضها في فكرة الاستعمار والثورة ضده والاستقلال، فلا تزال الدول العربية ككل تعيش في تلك الحقبة، تخاطب واقعا مضى عليه عقودا لجيل ليس فيه، إلا أن السينما الجزائرية لطالما سقطت في ذات المطب، حتى أنك إن طرحت سؤالا على أي شخص لم يحضر فيلم ”الوهراني“ وسألته إن كان يستطيع أن يجزم بالفكرة، فسيجيبك سريعا أنه يتحدث عن الثورة الجزائرية، فلا يكاد أي فيلم سينمائي أو حتى رواية أدبية في الجزائر تخرج عن فكرة الثورة الجزائرية، متجاهلا تماما واقع الجزائر الحالي والقضايا والإشكاليات المعقدة فيه ليطرحها جانبا ويغوص في الماضي الذي ولى مخلفا تركة ثقيلة للبلاد.

لماذا توقفت السينما الجزائرية هناك، على بعد عقود؟ تاركة مسافة بينها وبين الجيل الشاب، الذي يعاني من مشاكل جمة دون أن يجد من يسلط الضوء على همومه، فالجزائر اكتفت أن تعيد التاريخ مرارا وتكرارا في السينما والأدب رافضة المضي للأمام.

الحبكة.. أين هي؟

من المفترض أن يدور الفيلم حول الثوار ومستقبل البلاد بعد الثورة، إلا أن من تابع فيلم ”الوهراني“ يشعر بطريقة ما أنّ عقدة الفيلم تدور حول خسارة ”الوهراني“ لزوجته التي كان يحبها، وإصرار الفيلم طوال الوقت على الدوران حول هذه النقطة.

السؤال هنا.. ما هي الإضافة حقا من محاولة إظهار خسارة الوهراني الدائمة لزوجته؟

ولماذا تظل الأحداث طوال الوقت تطرح هذه القضية؟ هل لمحاولة إظهار شفافية بطل الفيلم عن طريق مشاعره؟ وإظهار هذه الشفافية تعود للسينما الكلاسيكية التي انتهت حقبتها، وباتت السينما اليوم تطرح النفس البشرية بأبعادها الحقيقية بشكل أكبر، إلا أن المطب ليس هنا، فالوهراني الذي يخفي عنه صديقه ”حميد“ خبر وفاة زوجته في غيابه، يظل يلح دائما على الجميع لمحاولة معرفة إن كان أصدقاءه يعلمون بموتها، ويظل في أغلب الفيلم يطرح هذا السؤال على صديقه ”حميد“: (إن كان يعلم بالأمر وأخفاه عنه). في حين أن ”حميد“ ينكر ذلك باستمرار، التساؤل الذي يطرح نفسه.. ما هو معنى أن يعلم حميد أم لا بوفاة زوجة الوهراني؟ وماذا يؤثر ذلك حقا في منطلق الأحداث؟ من البديهي أن يخفي صديق عن صديقه أمرا كهذا في الغالب إن كانوا يعملون في قضية هامة مثل الثورة، لكي يجنب صديقه هذه المأساة في وقت تحتاج به الثورة لرجالها، فلماذا إذا كان الإلحاح طوال الوقت على أهمية معرفة ”حميد“ أم لا بمصرع زوجة الوهراني؟

ثم يظهر في الفيلم الصحفي ”مهدي العلوي“ ويشعر المشاهد أن الصحفي لديه أسرار خطيرة تكاد تمس أمن الدولة وتفضح المفسدين في البلاد في عقود الاستقلال، إلا أن الصحفي الذي يقع بأيدي الأمن الجزائري لاحقا ويتم تعذيبه، ويستفزك الأمر والفضول كمشاهد لتعرف ما يخفيه، تكتشف أن كل ما في جعبته وكل ما كان يخفيه طوال هذا الوقت هو أن ”حميد“ كان على علم بموت زوجة ”الوهراني“!

لنرى أن إدخال صحفي في الفيلم في النهاية، لم يكن شيئا سوى إضافة لإضافة لا تشكل أي فارق أو أهمية للمشاهد، فلا إضافة في معرفة حميد أو عدمه بموت زوجة الوهراني، ولا اعتراف الصحفي يشكل أي قيمة في النهاية.

إذا.. ما الغاية من كل هذا في طرح من يعرف حقا بموت زوجة الوهراني؟ وماذا كان يعني إدخال شخصية الصحفي للقصة؟ وأين هي الحبكة الحقيقية والتي يجب أن يركز عليها الفيلم ويتابعها بشكل متماسك؟ الثوار وما بعد الثورة أم وفاة زوجة أحدهم!

إشكاليات السينما العربية

لا يزال السيناريو السينمائي العربي بعيدا عن التحليل النفسي والفلسفي العميق للشخوص، كما ولا يزال الإخراج بعيدا عن منح الصورة الفرصة لتتكلم في عالم الصورة، فالسينما العربية للآن ترى أن إيصال الإحساس للمشاهد يكون عن طريق المبالغة بردة الفعل، دون مراعاة البعد النفسي للشخصية حين توضع في موقف ما، والتصرف المنطقي المفروض، دون مبالغة، الواقع فقط بكل بساطة، كما لا يزال الإخراج يريد أن يجبر المشاهد على فهم الحدث بتكراره دون أن يمنح لتعبير الوجه البسيط أو موقف صامت الفرصة ليختصر ويقدم الحدث بنفسه.

فالوهراني وهو رجل وثائر وغاب عن زوجته التي يحبها مدة خمس سنوات دون أن يراها ليعود إلى بلدته ويسأل عنها أهل البلدة الذين تجمعوا ليرحبوا بعودة البطل الثائر واستقلال البلاد، ليخبروه على مضض بأنها توفيت، لينهار بشكل هستيري ويمسك به شخصان إن لم يكن أكثر.

دعونا نعيد الصورة.. ونوازن الأمر ببعده النفسي، فالوهراني رجل عاش في حقبة الاستعمار الفرنسي للجزائر واستقلال الجزائر في عام 1962 أي قبل خمسين عاما على الأقل، وهو رجل عربي شرقي، فإن نظرنا إلى عمق نفسية الرجل في أي مكان من العالم فستكون كالآتي: لا يظهر الرجل عاطفته بشكل صارخ كما المرأة، خاصة إن كان عاشقا، فالرجل عموما متحفظا بعواطفه وردة فعله دائما ما تكون متماسكة، إلا في حالات المواقف الكبيرة جدا (وليس موت زوجته التي يحبها موقف كبير)، ثانيا: هل كان الرجال قبل خمسين عاما يعبرون عن عواطفهم بهذا الصخب؟ يحدث تغيرات في عواطف البشر على امتداد الزمن، فقد يعبر اليوم رجل عاشق عن عاطفته بشكل أكثر انفعالية من رجل عاش قبل خمسين أو ستين عاما، ثالثا أليست خمس سنوات لرجل ثائر جرب الموت والقتال وشاهده بأم عينه جعل عاطفته أقل صخبا وبالتالي ردة فعله لابد أن تكون مماثلة؟ وهنا يستدعيني المشهد الروائي للأديب الكبير ألبير كامو، في رواية ”الطاعون“ فالطبيب التي تعاني زوجته التي يحبها من مرض عضال وهي تحتضر، يجد نفسه فجأة بمواجهة الطاعون الذي اجتاح المدينة ليرى موت الناس بأم عينه ويجابه آلامهم، وفي نهاية الرواية التي يغرق بها الطبيب في محاولة إنقاذ مدينة وبعد انتهاء الوباء، يخبرونه بأن زوجته توفيت، إلا أن الرجل الذي عانى من أحزان وآلام الناس بما فيه الكفاية، كان حزنه مكتوما وهادئا، فهل موت الزوجة كان ليترك حزنا أكبر من موت مدينة؟ وهل موت زوجة الوهراني كان سيخلف حزنا أكبر من موت أصدقائه أثناء تحرير الجزائر واستشهاد ما يربو عن مليون ونصف المليون شهيد؟

ثم يظهر الابن الفرنسي، ابن غريم الوهراني (الذي قتل زوجته التي يعشقها بشكل مجنون) ليختار الوهراني تربيته كابنه، دون أن يظهر للمشاهد ولو لوهلة بأن الوهراني قد عانى من أي صراع نفسي في تقبل الفتى أم لا، ودون أن يظهر أي عدائية طبيعية وليست منفعلة أو حاقدة تجاه الصبي، كان علينا كمشاهدين أن نتقبل الفكرة هكذا.. ”لقد مر الأمر بسلام“.

كما وقدم الفيلم بلدة جزائرية في خمسينيات القرن الماضي، والجزائر مجتمع مسلم محافظ، وفي غمرة احتفال البلدة باستقلال الجزائر تظهر النساء بلا حجاب وبثياب متحررة بل ويشاركن في الرقص والشرب، (طبعا لا نتحدث هنا عن المدن فواقع المدن مختلف في تلك الحقبة وكان هناك تحررا واسعا للمرأة) إلا أن المخرج في حقيقة الأمر قدم بلدة جزائرية في مجتمع محافظ مسلم، فهل كانت المرأة الجزائرية حقا كذلك في بلدة صغيرة قبل ستين عاما؟.

يغيب عن نص الفيلم البعد النفسي المدروس، والإخراج المراعي لحالة الزمن وللمواقف التعبيرية، ومع ذلك كان سير الأحداث بعيدا عن المماطلة والزخرف، بسيطا، ممتعا، ساردا حقبة كاملة من أحلام الاستقلال إلى خيبة الآمال..

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com