“البوتفليقية” تطرق أبواب ليبيا

“البوتفليقية” تطرق أبواب ليبيا

المصدر: تاج الدين عبد الحق

وساطة الجزائر في ليبيا، هي وساطة المضطر، لا وساطة القادر. وتجربة الوئام التي تحاول الجزائر استنساخها في ليبيا، غير قابلة للتكرار، لاختلاف ظروف البلدين الداخلية، ولتبدل المناخ الإقليمي والدولي.

الجزائر في مسعاها تحاول احتواء ودرء خطر قادم إليها عبر حدود طويلة، تصعب السيطرة عليها وتأمينها.

كما أنها تحاول الحصول على براءة اختراع لوصفة دبلوماسية اسمها الوئام، تؤكد من خلالها مصداقية التجربة السياسية للرئيس بوتفليقة من جهة، وتؤسس لاستعادة الجزائر لدورها المحوري، بعد سنوات من الانشغال بالهموم الوطنية.

لكن الذين يشفقون على الدبلوماسية الجزائرية من الفشل، يدركون أن معطيات الموقف في ليبيا، ليست مواتية لنجاح أي وساطة، بل إنها قد تجعل الجزائر في مرمى اتهامات الفرقاء الليبين المتصارعين، وبالتالي قد يجد الوسيط الجزائري نفسه من حيث لا يحتسب طرفا في صراع، لا يقتصر على ليبيا فحسب بل قد يمتد للجزائر أيضا.

مسيرة الوئام الجزائرية، التي يحاول ” البوتفليقيون ” مدها إلى ليبيا مختلفة، فقد كانت محكومة بأفق سياسي واضح ، عنوانه أن الوطن فوق الجميع ، وفوق المصالح الحزبية ، وفوق الاجتهادات الأيدولوجية، والفتاوى الدينية. كذلك فإن الوئام كان ممكنا لأن الدولة الجزائرية كانت موجودة وقادرة، وتستطيع ضبط الحوار مع المعارضة بالقدر الذي، لا يحول المشاركة مع تلك المعارضة إلى نوع من المحاصصة، التي تغيب معها المؤسسات أو يهمش دورها.

في ليبيا، الأمر غير، كما تقول الدارجة الخليجية، فالمتصارعون مختلفون على كل شيء، مختلفون على شكل الدولة، وعلى التشريعات الناظمة لعملها، ومختلفون على دور المؤسسات، ويطالبون بدور عسكري مواز لدورهم السياسي، مما يفرغ المؤسستين الأمنية والعسكرية من مضمونهما.

الليبيون أيضا منقسمون في ولاءاتهم. وهذا الانقسام يتذبذب بين ولاء لمناطقية يصل حد المطالبة بالاستقلال أو الفيدرالية وولاء لقبلية متأصله تصل حد الاحتكام لشرعيتها حتى لو كانت على حساب شرعية الدولة.

الليبيون ينقسمون أيضا بين أجندات سياسية والتزامات حزبية، للخارج دور وازن فيها. والقوى والفصائل الليبية التي قد تدخل الحوار لا تدخله على أساس قواسم وطنية جامعة، بل استقواء بما تملكه من قدرات عسكرية، وتأييد قبلي أو مناطقي، أو حتى دعم وتأييد خارجي.

مخاطر مثل هذا الحوار أنه يعطي قوى وميليشيات طارئة، شرعية سياسية، تعزز من خلالها، دورها العسكري، دون أن تلغيه . فالحوار الذي تقترحه الجزائر لا يلزم الأطراف المتصارعة بالتخلي عن القوة العسكرية كشرط من شروط الانخراط في العملية السياسية، وبذلك فإن هذه القوى ستحتفظ بهامش كبير للمناورة إذا ما التأمت طاولة الحوار، وستكون قادرة في كل وقت على قلب الطاولة أمام الخصوم، والتهديد بالتفجير في كل مناسبة.

كذلك فإن هذا الحوار، يأتي في وقت باتت فيه القوى والمليشات المتحاورة، جزءا من منظومة عمل إقليمية، لها أجندات لا تخفيها وأدوار تتجاوز ليبيا، وهذا معناه أن محصلة الحوار، ستكون انعكاسا لتوازن القوى في الإقليم، وليس خروجا من نفق الصراع الدائر فيه.

والقوى الإقليمية المؤثرة، لا تزال مختلفة في تعاطيها مع الأزمة الليبية، وما لم يكن هناك اتفاق بين هذه القوى سيظل أي جهد دبلوماسي أو سياسي لحلها محكوما بالفشل، وسيتحول إلى حراثة في بحر أزمة لا شاطيء واضحا لها.

الوساطة الجزائرية، حتى الآن، لا تحمل أفقا حقيقيا. فهي جهد دبلوماسي، وإن كان يتم بنية حسنة، إلا أنه غير قادر على تغيير المعادلة الوطنية الليبية، ولا احتواء المخاوف والهواجس الإقليمية، التي ترى المشهد الليبي مشهدا متفجرا، ومعديا، طالما ظلت مساعي التسوية بعيدة عن معالجة أساس المشكلة، وغير قادرة على الإمساك بعنوانها .

قد يكون تصدي الجزائر للأوضاع في ليبيا مبررا بحكم الجوار وبحكم ما يمثله الوضع الليبي من خطر، إلا أن المعطيات التي تملكها الدبلوماسية الجزائرية، لا تسمح لها بتجاهل مخاوف وهواجس الجوار، الذين يخشون أن تستثمر بعض الأطراف الليبية الوساطة الجزائرية، لإجهاض الجهود الحقيقية التي يمكن أن تخرج ليبيا من نفق الانقسام، وتبعد عنها شبح التطرف، والانزلاق أكثر إلى قاع الإرهاب.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع