مهرجان سينما المرأة بالمغرب .. فقر وقهر وبحث عن الحرية‎

مهرجان سينما المرأة بالمغرب .. فقر وقهر وبحث عن الحرية‎

الرباط – نساء يصارعن من أجل انتزاع قوت يومهن .. أخريات يُكابدن قهر مصادرة حرياتهن الفردية وتعنيفهن من قبل المُجتمع لـ“جسارتهن“ في ارتداء ما لا يسمح به.. تلك بعض الصور التي تلتقطها عدسات مخرجين عرب تُعرض أفلامهم ضمن فعاليات الدورة الثامنة للمرجان الدولي لفيلم المرأة بالمغرب.

بعض الأفلام الإثني عشر المُشاركة في المسابقة الرسمية للدورة الثامنة لفيلم المرأة بالمغرب ترصد بعضا من واقع وهموم المرأة في العالم العربي، ومعاناتها من ظلم المُجتمع ووطأة الاستبداد، وتناقش جميعها موضوعات ذات صلة بالمرأة ومعاناتها وآمالها، والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تعيش في ظلها، وفق منظور كل مخرج وخلفيته السينمائية.

فعاليات الدورة الثامنة للمهرجان الدولي لفيلم المرأة، انطلقت الإثنين الماضي بمدينة سلا (قرب العاصمة المغربية الرباط)، وتتبارى خلالها 12 فيلما روائيا طويلا على جائزة المهرجان الكبرى، حيث تعرض 8 مخرجات و4 مخرجين من 12 بلدا أفلامهم الروائية الطويلة، أمام لجنة تحكيم المهرجان.

كل فيلم في المسابقة يقدم صورة عن واقع النساء في ثقافات ومُجتمعات مختلفة، استطاعت بعضها أن تتعامل مع المرأة كمواطنة كاملة الحقوق والواجبات، وأن تشركها في صناعة القرار السياسي، فيما ماتزال أخرى تجد صعوبة في استساغة مشاركة المرأة الحيز العام، وتُفضل حفاظها على ”مسافة أمان“ بعيدا عن كل عمل سياسي، أومدني قد يجعلها صاحبة ريادة، ذلك فضلا على أن حكوماتها لا ترى في رجالها ولانساءها أصلا مواطنين كاملي السيادة على مصائرهم، كما تحاول بعض الأفلام المعروضة ولو همسا الإشارة إلى ذلك.

فلا يكفي جُور الأنظمة السياسية وقهر قوانينها، التي مازلت النساء تُقارع من أجل تخليصها من نزعة مُغرقة في الذكورية، وتصورات مستندة إلى تراث ثقافي يُؤطر المرأة في حدود وظائف اجتماعية مكرورة، ويمنعُها من أي فعل حر مُبادر، ليُضاف إلى ذاك القهر، قيود المُجتمع نظرته المُحتفظة اتجاه المرأة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالجسد والهوية والدين وقيم المُجتمعات وأعرافها.

ففي تونس وكما كان النظام السابق يضفي مسحة أسطورية على سلطته، ويُغلف سلطانه على بلاد، بروايات تصنع منه قائدها الأول، الذي يهابه الناس ويحبونه في آن، يتقمص ”شلاط تونس“ الشخصية الأسطورية التي صارت شبحا لا يغيب عن مُخيلة النساء، متى هممن بارتداء ما يطيب لهن من ثياب، والخروج إلى الشارع.

فالشلاط الذي يمكن أن ينقض على النساء في أي لحظة ويترك جرحا غائرا في أجسادهن، يجعل خطواتهن على الأرصفة مرتبكة، ومشوبة بتوجس وخوف واضح، من أن تعاقب أجسادهن على ما ترتديه من أثواب لا توافق هوى ”الشلاط“ ومعتقداته.

ويستند فيلم ”شلاط تونس“ (90 دقيقة) المُشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي لفليم المرأة بالمغرب إلى أحداث واقعية عاشتها العاصمة التونسية سنة 2003، حين كان شاب يخفي ملامحه، يعبر على متن دراجة نارية، جائلا في شوارع تونس، مٌلتقفا سكينة حادا، يضرب به أرداف النساء العابرات، ممن يحكم طبقا لعُرفه، أنهن يرتدين لباسا يخل بالآداب العامة، ويسيء إلى مُجتمعه المُحافظ، الذي يفرض على النساء التقيد بلباس يدئ الفتن والشُبهات.

هذه الشخصية الغامضة، التي أثارت رُعب التونسيين زمنا غير يسير، استطاعت المُخرجة التونسية الشابة ”كوثر بن هنية“ الغوص في أعماقها، والبحث في الدوافع الخفية التي قادتها إلى بث القلق في نفوس التونسيين، من خلال فليمها ”شلاط تونس“ الذي يزاوج بين الرواية والتوثيق والاستقصاء، وينطلق في البحث عن هويته هذا ”الشلاط“، ومعه هوية مجتمع يعيد اكتشاف ذاته، وتعريف قيمه، في محاولة لفض حالة الاشتباك المُقيمة بين تياراته وأحزابه، بعد أن ودع عهدا سياسيا كان القمع ومُصادرة الحريات عنوانه الأبرز، ويستقبل فجر ثورة منحته مساحات حرية واسعة، يستثمرها لإعادة مساءلة وقائع ماضيه القريب.

انتظرت المخرجة التونسية ”كوثر بن هنية“، التي تعد أحد الوجوه الشابة اللامعة في مجال الإخراج بهذا البلد، إلى حين قيام الثورة التونسية، وانطلاق شرارة الربيع العربي، لتستعيد تفاصيل تلك الوقائع المُحيرة التي هزت الشارع التونسي، وتبدأ في رحلة بحث عن خفايا ذلك المجهول الذي يعاقب النساء ضربا بالسكين.

تقمصت المُخرجة نفسها في الفيلم دور مُخرجة شابة تتطلع إلى إنجاز فيلم عن ”شلاط تونس“ لكنها تصطدم في البداية، بعراقيل تضعها أمامها السلطة المُستبدة حينها، وتمنعها من التصوير، والوصول إلى مصادر المعلومات، وحين تفتح هذه المُخرجة الباب أمام شباب لإختبار الأداء من أجل اختيار ممثل يتقمص دور ”الشلاط“، يظهر شاب يؤكد أنه هو نفسه الشلاط الحقيقي، مُعنف النساء، وباعث الرعب في نفوسهن.

وبعد هذه الانعطافة في أحداث الفيلم، تبدأ المُخرجة الشابة المسكونة بشغف معرفة تفاصيل هذا ”اللغز“، بتتبع حياة ”شلاط تونس“ واقتفاء أثر معاناته النفسية، مسلطة الضوء على جوانب من ظروف حياة القمع والقهر التي عاشها، مهمشا في وسط أسرة فقيرة، وفي ظل علاقات عاطفية وعائلية مضطربة، تُفسرُ هوس بحثه الدائم عن ضحاياه من النساء، ليؤكد من خلالهن انتصار ذكورته، على فشله كـ“مواطن صالح“ في المُجتمع.

النقاد السينمائيون خاصة بعد عرض فيلم ”شلاط تونس“ خلال السنة الجارية بمهرجان ”كان“ السينمائي العالمي، اعتبروا أن هذا الروائي الطويل، أحد الأعمال السينمائية الجريئة الذي استطاعت مخرجته من خلال حسها الوثائقي والروائي في آن، أن تبدع فليما ينتمي لجيل الثورة التونسية، الذي يُساءل ماضيه، ويعيد استكشافه بطرق شتى، طارحا أسئلة مُحرجة حول العلاقة بين الدين والجسد والهوية، ورؤية المُجتمع لنفسه وقيمه، ماتزال تطرح إلى اليوم بحدة بالغة.

فيلم عربي آخر، يُنافس في المُسابقة الرسمية للمهرجان، لمُخرجه المصري ”محمد خان“ اختار له عنوان ”فتاة المصنع“، (92 دقيقة) ويرصد واقع حياة عاملات مصنع للملابس في مصر، وكدحهن الشاق لتأمين قوت العيش اليومي لأسرهن، وأحلامهن في حياة أفضل، تنهي شقائهن، وتلبي تطلعاتهن لمستقبل أفضل.

الفيلم الذي يُعد آخر إبداعات أحد رواد الأفلام الواقعية المصرية ”محمد خان“، يتتبع حياة عاملة مصنع وعبرها الآلاف من المصريات العاملات، وهي فتاة في بداية شبابها، اختارت العمل من أجل إعالة أسرتها الصغيرة، وتسخير ما تحصل عليه من نقود لتوفير احتياجات هذه الأسرة، كما هو حال قريناتها من بنات الطبقات الشعبية الفقيرة.

وتدور أحداث الفيلم في جو من الفرح العارم البريء رغم وطأة الفقر والحاجة، والأحلام المستحيلة، لتتبع بشكل مفصل حياة ”فتاة المصنع“، على اعتبارها وجه آخر من أوجه صمود المرأة التي تُكافح الفقر بابتسامة، وتواجه صعاب الحياة ببهجة صاخبة.

واختار منظمو المهرجان هذه السنة لبنان كضيف شرف في دورته الثامنة، حيث من المرتقب أن تعرض خلال فعاليات المهرجان، المُتواصلة حتى السبت القادم، 4 أفلام روائية طويلة لبنانية خارج المسابقة الرسمية، فيما تتنافس أفلام المسابقة الإثني عشر على 4 جوائز إلى جانب الجائزة الكبرى، وهي جائزة التحكيم وجائزة السيناريو، وجائزة أفضل ممثل وجائزة أفضل ممثلة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com