”دفتر الرائحة“ .. جديد الشاعرة زليخة أبو ريشة – إرم نيوز‬‎

”دفتر الرائحة“ .. جديد الشاعرة زليخة أبو ريشة

”دفتر الرائحة“ .. جديد الشاعرة زليخة أبو ريشة

المصدر: إرم- من عمّان

صدر في عمّان قبل أيام كتابٌ شعريٌّ للشاعرة الأردنية زليخة أبوريشة، عن وزارة الثقافة الأردنية، وذلك بعنوان ”دفتر الرائحة“، وهو المشروع الذي تقدَّمت به الشاعرة للتفرُّغ الإبداعي قبل إلغائه.

يقع الكتاب في 272 صفحة من القطع المتوسط، وجاء في صفحة ”صوى“ هذا كتاب شعريٌّ رُتِّبَت فيه المقطوعاتُ على تسلسلٍ أُريدَ به أن يشي بسيرة الرائحة في حياتها. وهو ليس مجموعةً شعريَّةً تُستَلُّ منه القصائد، بل فقراتٌ في بناء.. إنَّه دفترُ امتنان للحبِّ كيف تجلَى وأتى وطاح“.

قدَّمَ للكتاب الشاعر البحريني الكبير قاسم حداد، والناقدة السورية الكبيرة خالدة سعيد. وقد جاء في تقديمها: (ص ص 9-17)

“ إنّ مسار هذا الديوان هو مسار الرؤى والأشواق. مسارٌ يتمثل لدى الشاعرة في التحرك بين حريّات اللغة الشعرية وتنوّع عوالمها. كما يتمثّل في حضور مسائل كانت غريبة على الشعر، حضور أوصاف ودلالات وأحوال تستوحي المحسوس المعيش، كما تنهل من تجارب روحية وكنوز إشارية تدعو الزائر إلى التوغل في مسارات المعنى، كأنما تُقدّم مفاتيح حياة مستغرَقة في الهيام.

والحقّ تدهشني حرية زليخة أبو ريشة في التنقل بين صفحات من تاريخ أسلافها في الطرق الصوفية، وصفحات من أحوال العشق الزمني. بل إنها تبني مأثرتها عبر السفر الحر بين هذه العوالم.

من هنا يمكن القول إنّ هذه المجموعة رحلةٌ متفرِّدةٌ لشاعرة من سلالة المتصوفين والمتصوفات العالمات، اغتذت من الموروث كما امتلكت قوةَ البيان وجمالية الابتداع والمفاجأة، فتحتِ النوافذَ والمعابرَ بين أحوال الوجد ومراتب الهوى وتملّكتْ سحرَ اللغة الصوفية لتمجّدَ بها أقاليم المحبة.

*

في هذا الكتاب، من ثَمّ، تقابُلٌ، بل حوارٌ وتبادلُ إضاءة بين العشق البشريّ والعشقِ الصوفيّ الكونيّ. تقابُلٌ يتمثّل حفراً في لاوَعْيِ الصُّوَر ومسار الأحوال:

“ لأنّي عندما أكون في غابات المجاز أبحث عمّا يُنجيني

من قِطَع الليل التي تتجوّل حول روحي، وهي تحمل رماحها

المدرّبة…

بينما أنا فوق أعلى / شجرة / للحبّ !“ (ص 110)

فمراتِب الحبّ في هذا الكتاب سفرٌ نحو المعنى. المعنى الذي لا جسدَ حصريّاً له ولا حدود ولا قيود. المعنى الذي يتوهّج ويغيّر تصوّرنا للعالم وعناصره. المعنى كوميض، كرسالة، تؤلف بين المرسِل والمتلَقّي. المعنى ـ الرائحة التي إذا انطلَقَت لا تخضع، لا ترجع، لا تتحدد بمسار أو مكان، ولا تقاوِمُها حدود.

والشوق الذي يقود سفرَنا إلى المعنى، هو أيضاً هذا العالم الذي يَحكُم ولا يُحكَم. هو حالة الانطلاق وتحدّي الحدود. هو الماهية ـ الرائحة، الحاضرة الغامرة. هو المسافرُ وسحرُ السفر. هذه الحركة، في نصوص زليخة، هي ما يؤالف بين مختلِفِ مراتِب الحب وحالاته إذ تتلاقى في الوجد. وفي الوجد يحضر “ الآخر “ البعيد ـ القريب، المحيط ـ المحوريّ.“

كما جاء في تقديم حداد (ص ص 7-8):

“ إعلمْ أيها القارئ النبيل،

ستحتاج حواسك كاملة، فهذا نقشٌ مثل الكيمياء في الذهب. يتوجب عليك إيقاظ الحواس الهاطلة والعاطلة جميعها لحظة النص، نصٌ لا تكفيه الحواس الظاهرة ولا الباطنة، وليس لك أن تفاضل بين ما يقصلك ويفصلك، فلن تحصل على هذا إلا بذاك. وإذا كنتَ من العارفين بالحب عليك أن تتهيأ لمعرفة كلام جديد يقترح تعريفاً آخر للحب، ليطيب لك العلم بأن كلاماً في الكون عن الحب لم يقل بعد. فثمة الحب حدّ العشق والشهوات لكن بلا تبذّل ولا سطوح، فالكون حاضر بهيبته، حيث يستنفر النصُ درسَ الحب كاملاً لرؤية الحياة كاملة. هنا ذاتٌ تخرج من التجارب بارئة من محنتها، بارقة بمكتشفات تنصهر سائلة من جمالات صوفية اختبرتها مفازات الروح وفراديس الجسد. يدٌ بصيرةٌ تحسن قيادة أوركسترا الانتقالات المتماوجة من الباطن المكتنز بالمعرفة المحسوسة، إلى الظواهر المجهولة المآلات، كأنما سجالاً يتأجج كلما توغل النص في اللغة، حيث اللغة هي جذور النص وأجنحته في آن. ناهضة بالحوار الشجيّ مع الروح ومع الجسد ومع أحلامهما معاً، الأحلام الآفلة والأحلام الآملة. نصوص توهمك أنها تخاطبك لكي تكفَّ، فيما هي تغرر بك لكي تبدأ، وربما بهذه الطريقة يُكتب الشعر.“

وقد جاء الكتاب الشعريّ في خمسة أقسام تشي عناوينُها بالرائحةِ وأحوالها، وكلُّ قسمٍ يندرجُ فيه عدد من النصوص، وهي:

أَرَجُ يومِ الأسلاف

سُطوعُ طيبٍ على مخدة

فاغيةُ الذِّكر

فاعَ فالتاثَ فامَّحى

عَرفُ السلالمِ المكسَّرة

وختمت الشاعرةُ الكتاب ب“عرفان“ أزجت في الشكرَ إلى أصدقائها ”من أهل الشعر والقول“ من المحدّثين والقدامى عرباً وأجانب، لكلِّ ما مُنِحته من صحبةٍ سخيَّةٍ في أثناء إعداد الكتاب ”نصوصاً وأفكاراً واقتباساتٍ ومناخاتٍ مذهلةً وقراءاتٍ صادفت في أثناء (انشغالها) بكتابة هذه الرحلة التي استغرقت اثني عشر شهراً“.

ومن نصوص الكتاب:

كانت تنثني:

(ص ص 56-58)

كانت تنثني على نفسِك قريباً من ولوجكَ بئرَ الأسرار

و كانت الصَّرخةُ متّحدةً بظلِّها تؤوبُ إليكَ كأنّها صدىً لوَلَهٍ قديمٍ يتجَّددُ

حيث تهوي القلوبُ من كثرة ما فسَّرها العشقُ..

أمَّا المعاصي

فقد اتّخْذْتَها تشبيهاتٍ لتناسبَ اللُّغةَ التي يتراسلانِ بها، نحو غيومِ المرمَى

معاصٍ مختارةٌ من تاريخٍ طويلٍ للعذاب..

كانت روحُها قد تناثرت فوق بقايا البارحةِ التي ضمّتْكَ و مضَتْ

خفِرةً من شدّةِ التصاقِها بكَ على نحوٍ مرتاعٍ و لكن سعيد..

البارحةِ التي مسَّتْكَ بخنصرها المترتِّل النَّائي الآيبِ إلى جُماعِ الكفِّ كبَعدِ هجرٍ أو سهوٍ

كانت كفُّك بين أصابعِها تدرسُها عن ظهرِ غيبِ الحُبِّ

و كانت كفُّها تجول عمياءَ على بَشْرتك كلِّها

تلتقط الشموسَ التي داخت على مقربةٍ من عبقٍ

هائمٍ

تترنَّح مثلَه في المساماتِ المفتوحةِ عن آخرها و تجرُّ آخرَ الكلماتِ التي نطقَها ياسمينُك…

كنتَ مثلَ الموسيقى ملتاعاً و كلما نشرَتْكَ على سُلَّمِها

اتّضحَتْ آلامُكَ في رئتِها..

و الصُّورةُ النَّديّةُ التي للشَّغفِ ها هي ذي تلمِسُها براحتِها

و تتيقَّنُها في شميمِك الذَّاهلِ

الذي فوق نجدِ الافتتان

و تحت سنابكِ خيلِه الرَّامحةِ.

أنت مستمرٌّ في طاغوتِكَ

آمِراً تقصيرَ المسافةِ بينكَ و بين الأنهارِ التي

تتلوَّى بحثاً في صَحاري الفكرةِ عن أفواهٍ تستحقُّ فوَرانَها

و بينما سترتوي طويلاً من صنابيرِ مدنٍ شتَّى تفرش لكَ مرايا الغناء،

ستجدُ نفسَك ذاتَ يومٍ أمامَ نارٍ مجوسيّةٍ تذوبُ فيها الفِضّةُ و الأحوالُ.

و لكنَّ الشجرةَ التي أظّلتْكَ من هاجرةِ الرحلةِ ، كان اسمُها

”آمنة“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com