في الذكرى الـ 20 لرحيله: كارل بوبر.. أعظم فلاسفة العلم

في الذكرى الـ 20 لرحيله:  كارل بوبر.. أعظم فلاسفة العلم

المصدر: القاهرة - من هند عبد الحليم

تمر هذه الأيام الذكرى الـ 20 لرحيل فيلسوف العلم والسياسة، النمساوي الأصل البريطاني الجنسية كارل بوبر ( 28 يوليو 1902 – 17 سبتمبر 1994 ) والذي يوصف بأنه أكبر فيلسوف غربي – في القرن العشرين – خارج “ المدارس “ أو التيارات الفلسفية المعتمدة – الوضعية والماركسية والظاهراتية – التي وجه إليها بوبر سهام نقده أثناء تطويره لموقفه الفلسفي ورؤيته ؛ درس الطبيعة والفلسفة والبيولوجيا وعلم النفس في جامعة فيينا وكتب رسالته الأولى للدكتوراه في علم النفس؛ وظل في بدايته قريباً من فلاسفة “ حلقة فيينا “ الوضعيين المناطقة، ولكنه لم ينضم إليهم لخلافه معهم – وخاصة حول قضية العلاقة بين اللغة والمعرفة – أو “ العلم “ وقال – باستحالة الاعتماد على تحليل لغوي – بحثاً عن المعنى – لتحديد ما إذا كان “ القول “ علمياً أو غير علمي؛ واختلف معهم أيضاً في قوله بأن “ العلم “ لا يفوق الميتافيزيقا ولا الأخلاق في إمكانية البرهنة عليه، فاتحاً بذلك الطريق لتطور علمي وفلسفي هائل – في النصف الثاني من القرن العشرين حين تحققت – من خلال أنشطته العديدة إمكانية الارتباط – من ناحية – بين الفلسفة الوضعية نفسها وبين الفلسفات اللغوية والتحليلية؛ ومن ناحية أخرى، بين فلسفة العلم – المستندة إلى منجزات علم الفيزياء، وبين منجزات علم البيولوجيا والعلوم الاجتماعية .

ورغم أن اتجاهه الفلسفي الأساسي تحدد منذ أن أصدر كتابه الأول “ منطق الكشف العلمي “ 1934 في فيينا، إلا أن صدوره بالألمانية، ثم الاحتلال النازي للنمسا وخروج بوبر منها ( إلى أستراليا ونيوزيلندا ) حيث عمل بالتدريس عام 1937؛ أدى إلى تأجيل اكتشاف الغرب لفلسفته وتأثيره على الفلسفة الغربية حتى أواخر الخمسينيات حين ترجم الكتاب إلى الإنجليزية وصدر في لندن عام 1959، ومع ذلك فإن فلسفته السياسية – الوثيقة الصلة بفلسفة العلم – كانت ذات تأثير واسع منذ أن وصل إلى لندن عام 1945، وعين أستاذاً للمنطق والمنهج العلمي في “ مدرسة لندن للاقتصاديات “ – أكبر المعاهد العلمية البريطانية إلى أن تقاعد عن التدريس عام 1969م، ووصل نشاطه باقتدار في اتجاه تطوير فلسفة العلم بدمج منجزات الفيزياء والبيولوجيا والعلوم الاجتماعية “ لتكون فلسفة للعلم حقاً ، وليس للفيزياء وحدها “ .

رأى بوبر أن الوضعيين أخطأوا بافتراضهم أن النظرية العلمية تنشأ بواسطة الاستدلال الميكانيكي من الملاحظة لإصدار حكم عام هو ( النظرية ) .كما رأى أنهم أخطأوا أيضاً بفصل العلم عن الميتافيزيقا التي اعتبروها “ كلاماً فارغاً “ ؛ لأنها لا تشير إلى أشياء محسوسة، ولأنها لا يمكن إثبات فرضياتها بواسطة التجربة .

وقال: إن العلم يعتمد على الاستنتاج، وأنه لذلك عملية عقلية تتركز على نتائج التجارب التي يسعى العقل إلى دحضها، فإذا صمدت النتائج لمحاولات إثبات خطأها ( دحضها ) ثبتت النظري: أي أن قابلية الرأي – أو الاستنتاج – لأن يدحض هو ما يميز العلم من “ اللاعلم “ بما في ذلك الميتافيزيقا؛ واللاعلم لا يعد – دائماً – هراء أو كلاماً فارغاً؛ فهو قد يكون قابلاً لأن يدحض، ولذلك ينبغي – حينذاك – أن يعتبر علمياً. ومع ذلك فإنه – رغم قابليته لأن يدحض – لا يعتبر أكثر من “ علم زائف “ مثل الماركسية من ناحية والتحليل النفس من ناحية أخرى – وقد أطلق على هذين التيارين اسم “ الخرافتان الفكريتان الكبيرتان لعصرنا “ .

وفي العام 1945 أصدر كتابه التاريخي في الفلسفة السياسية “ المجتمع المفتوح وأعداؤه ”ٍحيث استخدم نظريته عن المعرفة العلمية لهدم تيار“ التاريخانية “ الذي سيطر على القسم الأكبر من فلسفات الغرب – حتى القرن التاسع عشر ( من أفلاطون وهيجل إلى الماركسية والتحليل النفسي ) ، والذي قام على فكرة أن العلوم الاجتماعية تستطيع وأنه يجب عليها أن تسعى للاستدلال – من التاريخ الاجتماعي أو النفسي .. إلخ – على القوانين العامة لتطور المجتمعات .

وقال إن ذلك مستحيل: فمعرفة كل تفاصيل التاريخ ( الماضي ) هي مهمة مستحيلة، حتى ولو أمكن تعميم أحكام بشأن الماضي فإن تعميمها على المستقبل هو من قبيل العلم الزائف؛ لأن تطورات المستقبل مرهونة بما سيحدث فيه ( وأساساً بما سيكشفه العقل من علم )، وهو ما لا يمكن توقعه أو التنبوء به، وبالتالي يستحيل التنبوء بما سيكون تأثيره على التاريخ الاجتماعي أو النفسي .. إلخ .

وفي العام 1957 طور بوبر نقده للنزعة التاريخية في كتابه “ فقر التاريخانية “ الذي استخدم فيه منهجاً مقارناً أوضح التباعد المتزايد بين “ تنبوءات “ الماركسيين الاجتماعية – وأتباع التحليل النفسي الفردية – وبين“ الحقائق “ التي ولدها التاريخ الفعلي بسبب بدايات الثورة العلمية في كل من الفيزياء والبيولوجيا والكيمياء وفروعها العديدة ومناهج البحث في العلوم الاجتماعية التي تحققت في الغرب وتأثيرها على الأداء الفعلي للمجتمعات والأفراد وبالتالي على “ التاريخ “ .

وفي العام 1972 أصدر كتابه الفلسفي الكبير “ المعرفة الموضوعية : معالجة تطورية “ وفيه دشن أساساً جديداً لما أصبح يسمى علم المعرفة “ الابستمولوجيا “ التطورية، حيث قدم رؤية جدلية لنشوء ونمو المعرفة الإنسانية. وقال: إن تلك المعرفة ليست شيئاً ذاتياً ولا يعتمد على ”الذهن“ وحده، وإنما هي نتاج موضوعي للنشاط الإنساني في الطبيعة والمجتمع وفي المعرفة المتراكمة نفسها وتطبيقاتها، وهي أيضاً نشاط قادر على تغذية نفسه أو “ ذاتي التغذية “ .

وفي كتابه “ النفس وعقلها “ الصادر عام 1977 ( والذي كتبه بالاشتراك مع عالم البيولوجيا وأستاذ علم الأعصاب جون إيليكس ) قدم رؤية حاسمة لإشكالية “ الجسد / العقل “ التي أرّقت الفلسفة الغربية الحديثة – منذ ديكارت على الأقل – مثبتاً ضرورة إرجاع العقل إلى الجسد وإلا أمكن الزعم بإمكانية وجود العقل مستقلاً عن الجسد الذي يحمله .

ورغم أن كارل بوبر اتفق مع رأي زميله- في مجال فلسفة العلم – توماس كون – فيما يتعلق بالنظرة التطورية إلى المعرفة وفي اعتبار أن “ الوعي الإنساني “ هو قمة التطور في الكون، فإن بوبر أضاف من خلال اهتمامه بالعلوم الاجتماعية عمقاً مهماً لفلسفة العلم ولعلم المعرفة، هو العمق الذي حققه بانشغاله بعلم اجتماع المعرفة ، فالوعي عند بوبر لم يكن مجرد نتيجة لتطور فيزيائي وبيولوجي ، وإنما كان أيضاً – وفي الوقت نفسه – نتيجة تطور اجتماعي وثقافي وأخلاقي ، وبسبب هذا العمق انتشر تأثير بوبر الفكري خلال الربع قرن الأخير من حياته حتى أصبح دون منازع تقريباً “ قلب الفلسفة الحرة “ غير المذهبية في الغرب ، بعيداً عن الماركسيين والوضعيين الجدد والبنيويين والتحليليين اللغويين ، رغم ولعهم بمناقشة أو إعلان خلافهم مع “ إتجاهه “ أو انتسابهم له .

وقد وصفه “ سير بيتر ميداور “ مؤسس علم المناعة وأحد رواد التطورات الحديثة في الطب والفائز بجائزة نوبل في الفسيولوجيا والطب بأنه “ أعظم فلاسفة العلم في التاريخ بلا قرين “ . وقدم بوبر إضافات كبرى في مجالات عديدة مثل : المنطق ونظرية الاحتمالات وفيزياء الكم والفلسفة الاجتماعية والسياسة . وقد أدى صدامه المبكر مع الفلسفة الوضعية – منذ كتابه الأول “ منطق الكشف العلمي ”- إلى تحديد مجالات وأنواع الخلاف مع أفكاره فيما بعد وخاصة في العالم الأنجلو أمريكي الذي تسوده النزعات الوضعية .فبينما كانت غالبية الفلاسفة وعلماء الفيزياء يتبنون المنهج الاستدلالي والموقف الذاتي والرؤية الوضعية والأسلوب الإجرائي “ الأداتي “ . لقد ظل بوبر استنتاجياً وواقعياً ومعادياً للوضعية وللنزعة الإجرائية.

ويمكن القول : إن أبرز أفكاره الفلسفية الرئيسية تنبع من عدائه للنزعة الاختزالية “ نزعة إرجاع الكليات إلى أجزائها ، والأحكام العامة إلى التجارب التي تستخلص منها ”وإلى قوله بأن التظريات ( المعرفة ) العلمية باعتبارها أرقى أنواع الوعي في الكون ، تأتي إلى هذا الكون بأشكال جديدة من الوجود .

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com