الذكرى الثامنة لرحيله..ما الذي تبقى من نجيب محفوظ؟

الذكرى الثامنة لرحيله..ما الذي تبقى من نجيب محفوظ؟

المصدر: القاهرة - من هند عبد الحليم

تمر هذه الأيام الذكرى الثامنة لرحيل الروائي المصري والعربي العالمي نجيب محفوظ ( 11 ديسمبر 1911- 30 أغسطس 2006 ) الأديب العربي الوحيد الذي حصل على جائزة نوبل عام 1988 ومنذ ربع قرن لم يحصل أي مبدع عربي على هذه الجائزة حتى الآن .وهومؤسس الرواية العربية الحديثة بلا جدال.

وبهذه المناسبة طرحنا سؤالاً مفاده : ماذا تبقى من نجيب محفوظ بعد رحيله على عدد من المبدعين والنقاد :

الدكتور صلاح فضل

يظل إبداع نجيب محفوظ محكاً مسنوناً للمناهج النقدية والمواقف الفكرية في آن واحد ، شأنه في ذلك شأن الأعمال الفنية الكبرى التي تخلّدها القراءات المتوالية ، وتعرض عليها مختلف الأجيال مفاهيمها ورؤيتها لطبيعة الأدب ومنجزاته الجمالية والثقافية .

ويضيف ومن المدهش في كتابة نجيب محفوظ أنها مرت بمراحل عديدة حتى أصبحت مثل قطعة الماس ، الباهرة للأنظار بأضوائها وبريقها ، وجمالها الكامن في تعدد الألوان طبقاً لاختلاف المنظور وزاوية الرؤية . فهو لم يتبع أسلوباً واحداً يلتزم به طيلة مسيرته الإبداعية ، ولم يكن بوسعه ذلك ، بل تشكلت لغته ، وهي مثل البشرة التي نراها ، وتتركز فيها حساسية التعبير طبقاً للعناصر المتفاعلة فيها ، والمعبرة عنها ودرجة انصهارها مع رؤيته وبلورتها لروح إبداعه .وتعد رواية ( عبث الأقدار ) باكورة إنتاجه الروائي والتي كان اسمها “ خوفو “ قبل أن يغيره ناشره وأستاذه سلامه موسى . واستطاع محفوظ أن “ يؤدب “ لأول مرة تاريخ مصر الفرعونية ، حيث كانت الكتابة العربية مفتونة بذاتها في لغة المنفلوطي الكاسحة والرافعي المتأنقة ، ولم يكن بوسعه أن يحاكي أصوات الفراعين ولا لهجات القدما ءالمندثرة ، فقام بترجمتهم إلى اللغة البليغة السائدة في عصره نهاية الثلاثينيات .

ويشير فضل إلى أن محفوظ في درته الكبرى “ الحرافيش “ لم يكتف بإعادة اكتشاف شعرية اللغة العربية ، بل غازل أسرار الشعر الفارسي المنشد في التكايا لإضفاء مسحة صوفية رائقة على المواقف المصوّرة ، وأخذ ينقش لغته الشعرية الخاصة في لون من “ الأرابيسك “ المكثف المتميز .وجاءت المرحلة الأخيرة المفعمة بالحكمة والإشارات الرمزية والألوان الباهرة ويتجلى ذلك في “ أحلام فترة النقاهة “ ،و“ أصداء السيرة الذاتية “ والتي سكب فيها عصارة خبرته المتجوهرة ، وكما تكون اللآليء نتيجة عبقرية لفعل الزمن ، حتى في محنه العظمى ، وتفاعل المواد وتراكم الوعي الجمالي بإيقاعات الحياة واللغة ، فإن محفوظ في هذا التبلور الفائق قد عبر طبقات اللغة المصرية جيولوجياً منذ عصر الفراعنة حتى العصر الحديث ، ليعك سفيها نضرة الروح ونعيم الفن الجميل .

الدكتور يحيى الرخاوي

يتساءل : كيف يكون واحد من الناس ، هو نفسه تاريخ ناسه ؟ وكيق يقوم هذا الواحد وهو ليس مؤرخاً بتسجيل تاريخ ناسه في إبداعه ؟ إن نجيب محفوظ يفعل هذا وذاك دون تكلف ودون افتعال ، وبأسلوب يصل إلى كل واحد ، وفي نفس الوقت يعجز عن فعل مثله أي أحد .

ويضيف : لعل نجيب محفوظ كان يصف نفسه حين أعلنها على لسان أب يخاطب ابنه في مقدمة روايته “ العائش في الحقيقة “ وهو يقول : “ كن كالتاريخ ، يفتح أذنيه لكل قائل ولا ينحاز لأحد ثم يسلم الحقيقة ناصعة هبة للمتأملين ”. التاريخ الذي يعنيه محفوظ هنا ليس هو التاريخ المكتوب أو وثائقه وإنما هو التاريخ الحي المائل في وعي الإنسان وهو يعمر الأرض ، وهو يتعثر ، وهو ينتكس ، وهو يبحث عن الحقيقة ، وهو يصاب بالعمى عنها ، ليقع ثم يقوم ، ليعاود البحث .

الروائي يوسف القعيد

لا يكاد يخلو عمل من أعمال نجيب محفوظ ، حتى ما غاص منه وبه في خيال شاطح مثل : “ رأيت فيما يرى النائم “ ، و“ ليالي ألف ليلة “ ، وحتى “ أحلام فترة النقاهة “ من حضور الواقع الظاهر كما يعيشه أي منا بلغته الآنية وحضوره البسيط العميق الرائع . يتجلى ذلك بوجه خاص في روايات الأجيال بدءاً من “ الثلاثية “ وليس انتهاءً ب “ حديث الصباح والمساء “ الذي شرح فيه تطور الطبقة الوسطى المصرية بشكل خاص خلال قرنين من الزمان ، منذ نزول نابليون على شاطيء الإسكندرية 1798 حتى أحداث سبتمبر السادات 1981 ، ثم “ يوم قتل الزعيم “ ، و“ باقي من الزمن ساعة “ .

كما أظهر التجلي السياسي في إبداع محفوظ مدى سعة المسافة بين موقف نجيب محفوظ المتحفظ ( لا المحافظ ) وهو يدلي بآرائه السياسية في الحياة اليومية ، وبين نجيب محفوظ السياسي والثائر المغامر حتى القتل في إبداعه الروائي . ويبدو أن هذا هو بمثابة التعويض الذي يعادل موقفه المحافظ في الحياة العادية ، هذا الإبداع عوّضه عن الالتزام المتحفظ أبداً . نقرا ذلك التنبيه على ضرورة التحفظ وهو يصدر من الوالد للابن في مقدمة “ العائش في الحقيقة “ حيث يقول : “ ولكن احذر أن تستفز السلطان ، أو تشمت بساقط في النسيان “ .

لكن هناك بعض الروايات المفعمة بالبعد السياسي مثل : الكرنك، وثرثرة فوق النيل ، ويوم قتل الزعيم ، وميرامار ، واللص والكلاب ، والشحاذ . واي مؤرخ أكاديمي لا يضع هذه الأعمال المتميزة كمصدر من أهم مصادره ، بالقطع سيفوته الكثير .

الروائي يوسف الشاروني

في منتصف الأربعينيات من القرن الماضي وعقب تخرجي بقسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة تعرف أبناء جيلي على نجيب محفوظ من رواياته التي كانت تنشرها في ذلك الوقت مكتبة مصر الروايات التاريخية الثلاث ثم القاهرة الجديدة وخان الخليلي وزقاق المدق، والسراب وبداية ونهاية فانبهرنا بهذا الكاتب الذي يقدم لنا مصر المعاصرة بإيجابياتها وسلبياتها ونمى إلى علمنا انه يلتقي بأصدقائه بكازينو الأوبرا المطل على ميدان العتبة صباح كل يوم جمعة فسعينا إلى لقائه واستمتعنا بضحكته المجلجلة وسط أصدقائه المبدعين منهم : ناشره عبد الحميد جودة السحار والكاتب الفكاهي محمد عفيفي ، وأنور المعداوي ، ويوسف السباعي .

ولا عجب أن كان من أوائل ما نشرت من كتاباتي النقدية دراسة عن رواية “ السراب “ في مجلة علم النفس التي كان يرأس تحريرها أستاذنا يوسف مراد في عدد يناير 1950.

وأحب أن أشير إلى أن روايته “ زقاق المدق “ قد أوحت لي منذ أكثر من نصف قرن بقصتين فريديتين في أدبنا العربي هما : “ مصرع عباس الحلو “ ، و“ زيطة صانع العاهات “ فلم يحدث من قبل ولا بعد في حدود علمي أن استوحى كاتب قصتين قصيرتين من رواية مبدع آخر .

الدكتور محمد عبد المطلب

لا شك أن نجيب محفوظ يعد اسطورة مصر في القرن العشرين ، لقد كانت قراءة الفلسفة ودراستها نوعاً من الإضاءة المبهرة ، وأكسبته طبيعة منهجية في مسلكه الخاص والعام وكان لهذا أثره البالغ في مسيرته الإبداعية الشاملة .لقد امتلك نجيب محفوظ القدرة على تحرير الأماكن من قيودها الجغرافية ولم تنحصر في حدود المقهى والحارة ، بل اتسعت لتستوعب أماكن إضافية مثل الوقف والتكية والزاوية والسبيل والقرافة والحانة.

لقد كانت بداية الأسطورة المحفوظية متلبسة ببداية مشروعه الروائي الذي تمثلت بشائره في الحس التاريخي الذي لا يعرف إلا منطقاَ واحداً هو منطق التقدم للأمام ، ومنطقه هذا يعني أن التغير ضرورة حتمية ، وان أي توقف ، هو توقف مؤقت يواصل بعدها التاريخ حتميته الحاكمة وخاصة إذا كان تاريخاً ممتليء بالعظمة والعراقة كالتاريخ المصري .

ومن متممات أسطورته الإبداعية عروبته المتجذرة في ذاته وسكناه في اللغة العربية سكن العاشق المتوحد بمعشوقته ، وربما لهذا كان على يقين ثابت من المقولة التراثية “ الشعر ديوان العرب ”، وهذا اليقين جعله يتحفظ على بعض المقولات الطارئة :“ الرواية ديوان العرب ”.

الدكتور حامد أبو أحمد

لقد قرأ نجيب محفوظ الاتجاهات الحداثية في الرواية في فترة مبكرة من حياته ، ولكنه عندما بدأ يكتب انحاز إلى الأسلوب الواقعي لأنه كان أكثر الأساليب تناسباً مع تجربته ، وحسنا ما صنع أديبنا الكبير لأنه لو اصطنع الأساليب الحداثية جملة وتفصيلاً منذ البداية لأحدث صدعاً لا يمكن رأبه في مسيرة الرواية العربية ، وكان عمله في هذه الحالة سيظل في منطقة النقلة الفجائية بدون أساس او مقدمات أو تطور طبيعي . لكنه باختياره للأسلوب الواقعي استطاع أن يصل بفن القص العربي إلى مرحلة النضوج الكامل في صورته الواقعية مما مهد الطريق بعد ذلك لدخول الاتجاهات الأخرى .

لكن ملامح التيارات الحديثة بدأت تظهر بقوة في رواياته ابتداء من “ القاهرة الجديدة “ حتى اتسعت في “ الثلاثية “ ومن ذلك استخدامه للغة قريبة من اللغة الشعرية في كثير من الفقرات والمقاطع واقتصاده في وصف الأماكن والشخصيات مقارنة بما كان يفعله رواد الواقعية الأوائل ، واستخدامه لتيار الوعي لكن بعد تطويعه وجعله مفهوماً.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com