السيرة الهلالية في ضيافة القرى المصرية في رمضان – إرم نيوز‬‎

السيرة الهلالية في ضيافة القرى المصرية في رمضان

السيرة الهلالية في ضيافة القرى المصرية في رمضان

المصدر: القاهرة - من حازم خالد

القاهرة مدينة لا تعرف النوم، ولا يمكن أن تستوعبه للحظة، ولا تمل تطوافها عشية أو صباح، هي القاهرة تتجلى مفاتنها عند كل منعطف جديد من فجر لياليها الطوال إلى ليالي رمضان، وهي تتماوج رؤاها كأن السائر بها يشكو قلة الوقت وعظم المتسع، فمن السرادق وأمسيات الثقافة تتقدم وأنت في فجوة من رحابها القديمة، وكذلك تقضي كافة أنحاء مدن وقرى مصر ليلاتها، لتشهد إبداعاتها ملمحاً من ملامح الشهر الفضيل، وسط الأضواء المتلألئة والروائح العطرة، التي تعبق بلياليه، حيث يمكن لرب العائلة أن يصطحب أولاده، وزوجته ليبقى خارج البيت، في رحلة تبدو مجهولة الأمد لكثرة التطواف وقضاء من الوقت بهيج من ربوع الحسين إلى آفاق السيدة زينب واللجوء بحائط القلعة الكبير، حيث يقام العديد من الأمسيات الثقافية، ومهرجانات العروض المسرحية الآخذة في الإبهار.

وهكذا تتنوّع أشكال الفرجة والمتعة الثقافية والفنية، فحين تسير في ميدان الأزهر، ستجد تلك الشوارع المؤدية إلى قصر ثقافة الغوري، الذي يحرص على المشاركة السنوية ببرنامج احتفالي خاص، وحافل بالعروض المسرحية وفقرات من الإنشاد الديني، وكذلك منزل الهراوي الذي تقام به الأمسيات الشعرية والغنائية، ويشارك فيها عدد من الشعراء والمطربين، ويفد عليها الآلاف من راغبي الاستماع إلى الشعر والغناء .. وفي شارع الخضيري بحي السيدة زينب، سيلمح الرائي مئات الأطفال، وهم ينطلقون إلى مركز ثقافة الطفل لمشاهدة العروض المسرحية، ضمن احتفال المركز بحلول شهر رمضان، وهي مسرحيات ذات طابع تاريخي، تنمي ذائقة الطفل وتفتح مداركه نحو استيعاب فصول من المجد التاريخي العربي والإسلامي، ويقوم بتمثيلها مجموعة من الأطفال.

أما قلعة صلاح الدين المترعة بالأضواء، فينهض إلى جوارها سرادق فنية، وفق برنامج عرض (ثلاثين ليلة)، يشارك فيه الفرق الموسيقية والمطربون والمطربات، لتقديم نماذج من الفن الرفيع، في رحاب هذا الصرح التاريخي، لتنبعث النغمات والأصوات الشجية لتعانق أصداء الماضي البعيد .. والطريف أن تلك السرادقات الفنية والثقافية، قد حققت المنافسة مع ما يقدمه جهاز التليفزيون من برامج ومسلسلات درامية تحتشد بها قنواته خلال شهر رمضان، حيث استطاعت أن تجتذب الراغبين في التحرر من أسر الجلسات الطويلة أمام الشاشة الصغيرة، والتي تمتد إلى ساعة متأخرة من الليل.

ومن هنا توثقت الصلة كل عام بين تلك الأماكن وآلاف الرواد من عشاق الثقافة والفن، حيث يتم الاحتشاد لكافة الفنون لتقديم عروضها، وإتاحة الفرصة للتواصل بين نجوم الفن والجمهور، لينبعث الدفء وتشتغل الأفئدة بحرارة اللقاء المتجدد خلال ليالي رمضان.. وفي كل عام تزداد المنافسة اتساعاً، حيث يدخل إلى الحلبة منافسون جدد، ففي الأعوام الماضية حرصت بعض الهيئات الثقافية على أن تقدم برنامجاً ثقافياً متميزاً خلال ليالي رمضان، مثل الصالون الثقافي بدار الأوبرا، والندوات الأدبية بمقر اتحاد الكتاب المصريين، وكذلك المجلس الأعلى للثقافة، وجميعها يتبارى لاجتذاب راغبي الاستماع والتزود الثقافي.

المرسي أبو العباس

وبعيداً عن العاصمة سنجد مدينة الإسكندرية العريقة، وقد ازدانت شوارعها وأحياؤها بالأضواء، وانتشرت بين أنحائها العديد من السرادقات الفنية والثقافية، مثل أمسيات الإنشاد الديني في رحاب منطقة المرسي أبو العباس الشعبية، وكذلك في قصور الثقافة، التي تقام بها الأمسيات الثقافية والعروض المسرحية.

وهناك بعض الفرق الفنية التي تقدم عروضها الفنية في المقاهي، ومنها فرقة الدراويش التي تكوّنت عام 1948، وتقدم التواشيح والابتهالات الدينية، ليتوارثها الأبناء، ويحرصون على الانتشار خلال شهر رمضان، بعد صلاة العشاء، وحتى وقت السحور.. كما يوجد بعض المغنين الشعبيين الذين يقدمون السيرة الهلالية على أنغام الربابة، فضلاً عن الفرق الأخرى التي تعتمد على الآلات الشرقية في العزف مثل آلة العود والكمان والقرب، وتقدم أغاني متنوعة من التراث الغنائي الشرقي في أواخر القرن الماضي، وأيضاً مختارات من أعمال أم كلثوم وعبد الوهاب ووديع الصافي وفريد الأطرش وأسمهان وغيرهم.

وهناك العديد من معارض الفنون التشكيلية، وفنون الخط العربي التي تجتذب الرواد إلى القاعات المخصصة في المنازل الأثرية، وعادة ما يتبارى الفنانون في تصوير ورسم الملامح الرمضانية، التي تتجلى في رصد حركة الناس داخل الأماكن التاريخية في شوارع وأسواق القاهرة القديمة، مثل خان الخليلي والموسكي والغورية والسيدة زينب والسيدة عائشة والفسطاط وغيرها .. ويعتز أهل الإسكندرية بتراثهم الغنائي الخاص، والمتمثل في تراث فنان الشعب سيد درويش، ولذا يكون كم الفقرت الغنائية التي تقدمها الحفلات الموسيقية، مجموعة أغاني من تراث الفنان السكندري، وتتبارى الأصوات الشابة في حسن أدائها لهذا التراث الخالد.

وهناك العديد من الخيمات الثقافية التي تقدم فيها العروض الفنية، والتي يطغى عليها الطابع الفكري، حيث يلتقي فيها أبناء هذا الحي أو ذلك، بأهم الشخصيات في جميع المجالات، لتكتمل وجبة ثقافية ومعرفية في شتى صنوف الفكر، من خلال المناقشات والتساؤلات التي يطرحها جمهور الخيمة على الضيف سواء كان طبيباً أم فناناً أم شاعراً أم غير ذلك.. وتسعى سائر المدن المصرية الأخرى إلى الدخول في حلبة السرادقات الفنية، حيث تقام أشكال متنوعة للفرجة والمشاهدة، إما داخل قصور وبيوت الثقافة، أو في رحاب المساجد والأماكن الأثرية، وعادة ما تكون القوافل الثقافية، في حالة تنقل دائم خلال شهر رمضان، لتقدم عروضها المختلفة من محافظة إلى أخرى، والتي تضم مجموعة كبيرة من الشعراء والأدباء والمثقفين.

عشاق السيرة

ولاشك أن القرية المصرية لها عاداتها وأسماؤها الخاصة خلال شهر رمضان، فقديما كان الراوي أو المنشد للسيرة الهلالية ينزل إلى القرية في ضيافة أحد أثرياء القرية، وطوال ليالي رمضان، وبعد صلاة العشاء والتراويح، يجتمع الأهالي في الساحة، ويتحلقون حول (المنشد) الذي يسرد وقائع السيرة، ليتم فصولها في الليلة الأخيرة من الشهر.

ومن الطرائف التي تروى عن عشاق السيرة الهلالية، أن أحد الريفيين خرج ذات ليلة ومعه ”جنيه“ واحد، ليشتري به دقيقاً من أجل أن تصنع زوجته كعك العيد، فاستوقفه مشهد المغني والناس يتحلقون حوله، واندمج في الاستماع حتى فرغ المغني ودياب في الأسر، على وعد منه بفك دياب في اللية القادمة، ولكن الرجل أصر أن ينشد المغني أبياته، كي يكون دياب من الطلقاء، فاشترط عليه المغني أن يدفع شيئاً، فما كان من الرجل إلا أن أخرج الورقة المالية، وذهب إلى بيته سعيداً بعد فك أسر دياب، لتدب بينه وبين زوجته مشادة حامية.

ولم تعد القرية الآن – كما كانت في الماضي- حيث دخلت إلى حياتها وسائل التحديث في شتى المرافق والاستخدامات، ومن هنا اختفت الأشكال الاحتفالية القديمة، لتحل مكانها أشكال أخرى تتمثل في القوافل الثقافية، التي تنزل إلى القرى وتقدم عروضها خلال ليالي رمضان، ويحتشد الناس لملاقاتها، ويتواصلون مع هذه الفنون.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com