رحيل الكاتبة الأفريقية نادين غورديمير

رحيل الكاتبة الأفريقية نادين غورديمير

المصدر: إرم – من سامر مختار

غادرت الحياة إذاً الكاتبة الإفريقية نادين غورديمير، الأحد، عن عمر يناهز الـ90 عاماً (1923-2014). وهي التي اشتهرت في كتاباتها ونضالها ضد التمييز العنصري في القارة السوداء.

من منزلها في جوهانسبيرغ، أغلقت عيناها، بحضور ولديها هوغو وأوريان وفق بيان أصدرته عائلتها. انطفأت الشمعة التسعينية مطمئنةً إلى ميراثها. لم تذهب كتاباتها في فضح التمييز العنصري في بلادها هباءً. انتهى زمن ”الأبارتهايد“ بقوة ضربات موجعة كانت كاتبة جنوب أفريقية إحدى أذرعها الصلبة.

ولدت نادين غورديمير في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني 1923 في ضواحي جوهانسبورغ من أب ليتوياني يهودي وأم إنجليزية مسيحية. تربت في بيئة بورجوازية بيضاء بمرجعية كاثوليكية. وبسبب معاناتها من مرض القلب في طفولتها ومراهقتها كانت تقضي جل وقتها في المطالعة والقراءة وهي طريحة الفراش.

ومن المعروف عن الكاتبة الحائزة على جائزة نوبل عام 1991 أنها كرّست حياتها وأدبها لفضح خزي قانون العزل العنصري، والذهاب بعيداً، في تفكيك التاريخ المظلم لعلاقة البيض بالسود، حين كانت علاقة الحب بين ملوّنين ضرباً من المحرّمات. هكذا اتجهت الفتاة البيضاء الثرية إلى الضفة الأخرى المعتمة، واختلطت بالسود في علاقات معقّدة، وأماطت اللثام عن العدالة المفقودة، في نظام كولونيالي شره ومتوحش.

تلك المرأة التي كانت طفلة في التاسعة من عمرها، اكتسبت وعيا بالنضال من أجل محاربة التمييز العنصري، عندما رأت خادمتها السوداء وهي تهان بطريقة لا تمت للإنسانية بصلة. كانت تلك الصورة ببشاعتها دافعا لأن تبدأ رحلة الكتابة التي جعلتها في خدمة محاربة العار الإنساني العنصري الذي عانت منه جنوب إفريقيا طويلا، والمرأة التي قاومت التمييز العنصري وانتصرت عليه رفقة مناضلين آخرين لم تستسلم وهي تتعرض في شيخوختها لاعتداء ثلاثة من اللصوص تسللوا محاولين سرقتها يوم 26 أكتوبر 2006 ولما قاومتهم أصيبت ببعض الجروح، وبقيت وفية لمبادئها التي عاشت لأجلها وهي التي صنعت وجها ناصعا في الكتابة الأدبية وفي النضال الإنساني.

من القراءة النهمة مرّت بسرعة الى الكتابة في سن مبكرة (15 عاماً) بتشجيع من والدتها التي ربّتها على الإنجليزية بدل الأفريكانية، لغة الأقلية البيضاء التي يكتب بها معظم الكتاب في جنوب أفريقيا. وعندما بلغت العشرين من العمر كانت غورديمير قد اقتحمت سلفاً معترك الكتابة الاحترافية وكوّنت اسمها بفضل المواظبة على النشر في المجلات الأدبية الأمريكية المتخصصة مثل ”نيو يوركر“ و“نورث أميريكان ريفيو“ وغيرها.

عام 1949 أصدرت أولى مجاميعها القصصية تحت عنوان ”فحيح الحية الرهيف“ وعندما بلغت الثلاثين أطلقت عليها الصحافة الثقافية الأميركية لقب ”كاترين مانسفيلد الجنوب أفريقية“ بسبب قرابتها الأسلوبية في فن القصة القصيرة مع الكاتبة الأمريكية كاترين مانسفيلد. ورغم ولعها بالقصة وإتقانها للسرد القصير، جرّبت غورديمير المغامرة الروائية وأصدرت تباعاً روايتي ”الأيام الكاذبة“ و“عالم من الغرباء“ لتدشّن بهما مسيرة كتابية غزيرة اشتملت على خمس عشرة رواية وما يعادلها من المجاميع القصصية بالإضافة إلى ثلاثة دراسات نقدية وسيرة ذاتية.

وفي عام 1974 دخلت غورديمير عالم الشهرة بعد فوزها بجائزة ”بوكر“ للرواية ثم ولجت بقوة للعالمية والتاريخ الأدبي من أوسع الأبواب عندما نالت جائزة ”نوبل“ للآداب عام 1991. وقالت عند تسلمها الجائزة: «بعد سنوات أدركت أنني لو كنت سوداء، لما أصبحت كاتبة لأن المكتبات التي كنت أتردد عليها كانت محظورة عليهم».

وأصبحت عضواً في المؤتمر الوطني الأفريقي الذي كان محظوراً حينها.

جعلت غوردومير من النضال ضد الفصل العنصري قضيتها الأولى وكانت مقرّبة من نيلسون مانديلا، الذي حرص على رؤيتها فور خروجه من السجن لكونها واحدة ممن ساهموا بفعالية في الحملة الدولية لإطلاق سراحه. وبفضل وضعها الاعتباري ككاتبة شهيرة حصلت على هامش كبير للترويج لقضية النضال ضد ”الأبارتايد“ في المحافل الدولية. واعتبرت نفسها دوماً ”أفريقية بيضاء“ ورفضت بشدة أن توصف بـ“كاتبة بيضاء من أفريقيا الجنوبية“.

رفضت تصنيفها ككاتبة ملتزمة بالمعنى الأيديولوجي للكلمة وصرّحت ذات مرة: ”انخرطت بقوة في الكفاح ضد نظام الفصل العنصري لكني أتحدى أيا كان في أن يجد أثراً للبروباغاندا في قصصي ورواياتي“.

معايشتها لوقائع العار الاستعماري، شكَّل لغورديمير خيال واسع، ومكثف أضفى سرديات متعددة في رصيدها القصصي والروائي، وتالياً، فإننا سنقع على مناخات متعددة في مشغلها الإبداعي، وإن تمحورت هذه الأعمال في مجملها حول التسامح والحرية وعناق الآخر بغبطة قصوى، تنطوي على أسى وغضب وحنان، وهتك عميق ”لهمجية الخواء الإنساني“.

توزعت أعمال غورديمير بين 14 رواية، و10 مجموعات قصصية، بالإضافة إلى أبحاث ومحاضرات وحوارات، تضيء عالماً رحباً وعميقاً وآسراً.

أما آخر أعمالها كانت رواية ”لا وقت مثل الحاضر“ (2012)، والذي كان بمثابة مراجعة وأرشفة لتاريخ التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا.

[slideshow]5a12a87ac249944bc92e8ab645a32351[/slideshow]

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

مواد مقترحة