في الذكرى الـ42 لاغتياله.. غسان كنفاني صحفياً

في الذكرى الـ42 لاغتياله.. غسان كنفاني صحفياً

دمشق – ولد غسان كنفاني في التاسع من نيسان/ أبريل عام 1936 بمدينة عكا، في الوقت الذي بدأت فيه الثورة الفلسطينية الشعبية ضد الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية.

وحين سقطت مدينة عكا في آذار/ مارس سنة 1948 في أيدي القوات الصهيونية كان غسان قد بلغ الثانية عشرة من عمره وخرج من بلده مع أسرته مهاجراً إلى جنوب لبنان ومنه انتقل إلى دمشق ولم تعد أحواله المعيشية مع والديه كما كانت عليه من قبل، حيث بدأت العائلة رحلتها مع العمل والدراسة والنضال.

بدأ غسان وأخوه يعملان لإعالة الأسرة النازحة في الوقت الذي يستمران فيه بالدراسة ليلاً، فحاز على شهادة الدراسة الإعدادية ليشتغل بعدها معلماً في مدارس وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في دمشق ثم حاز على شهادة الدراسة الثانوية ثم تخصص في جامعة دمشق ”قسم الأدب العربي“ لمدة ثلاث سنوات فصل بعدها لأسباب سياسية. فترك دمشق سنة 1955 متجهاً إلى الكويت للعمل مدرساً للتربية الرياضية والرسم في مدارسها.

ابتدأ غسان كنفاني حياته السياسية عام 1953 حين قابل الدكتور جورج حبش الذي يعد مؤسساً لحركة القوميين العرب، وكانت المقابلة في دمشق وخلال تلك الفترة على وجه التحديد بدأ غسان يمارس حياته السياسية بشكل واع كعضو فعال في حركة القوميين العرب، غادر سوريا إلى الكويت لكن سرعان ما طلبت إليه القيادة الانتقال إلى لبنان عام 1960. ليعمل في صحيفة الحركة وفي عام 1967 بدأ عمله في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين فعاش لحظات نشوئها حركة سياسية ثورية ونضالية.

ولقد كان دخول غسان إلى عالم السياسة مختلفاً، لأنه كان يمارس الكتابة ولأنه كان يرى معنى الكتابة في وظيفتها التحويلية، في احتجاجها على وضع يجب تغييره، فقد كان طبيعياً أن يصل إلى احتراف السياسة. وأن يفتش حالماً بوضع جديد تختلط فيه الطليعة السياسية بالطليعة الثقافية وتتوحدان في عمل نبيل غايته تحويل الواقع.

تجربة صحفية نادرة..

كثيرة هي المقالات والكتب التي تناولت غسان كنفاني القاصّ والروائي وكذلك الباحث غير أن القليل منها سلّط الأضواء على غسان كنفاني السياسي ولا أدري لماذا غابت الدراسات والبحوث حول غسان كنفاني الإعلامي؟ رغم أن هذا الدور هو الأهم في حياة غسان ولعله هو أبرز دوافع جهاز الاستخبارات الإسرائيلية ”الموساد“ لاقتراف جريمته الوحشية.

فقد كان غسان يعتبر العمل الصحفي سلاحاً يومياً من أسلحة المعركة ولقد بدأ الكتابة الصحفية في مجلة ”الرأي“ التي أصدرتها مجموعة من أفراد حركة القوميين العرب في دمشق وبعد أن انتقل إلى الكويت عمل في مجلة ”الفجر الأسبوعية“ التي كانت تصدرها تنظيمات حركة القوميين العرب والنادي الثقافي القومي في الكويت.

وبعد مغادرته الكويت متوجهاً نحو بيروت انضم إلى أسرة تحرير مجلة ”الحرية“ الناطقة باسم حركة القوميين العرب وازداد اسم غسان لمعاناً فتولى عام 1963 رئاسة تحرير جريدة ”المحرر“ اليومية، وكان يشرف على الملحق الأسبوعي الذي تصدره جريدة المحرر باسم ”فلسطين“.

انتقل عام 1967 لرئاسة تحرير جريدة ”الأنوار“ اليومية (1967 – 1969) وكان له في صفحتها الأولى عمود يومي بعنوان ”أنوار على الأحداث“ خصصه لمعالجة القضايا القومية وعلى رأسها القضية الفلسطينية وفي 26 تموز/ يوليو 1969 ترك غسان صحيفة ”الأنوار“ ليتولى رئاسة تحرير مجلة ”الهدف“ البيروتية.. بعد أن سجل امتيازها باسمه باعتبارها المجلة المركزية للجبهة الشعبية.

عمل غسان كنفاني على تطوير فاعلية الإعلام الفلسطيني بشكل عام وإعلام الجبهة بشكل خاص وقد عزز موقعه السياسي بالجبهة موقعه الإعلامي حيث أصبح الناطق الرسمي باسمها ومسؤولاً عن نشاطها الإعلامي وكان يرى غسان ”أن سلاحنا الوحيد الذي نستطيع به خوض المعركة، ليس هو ”الكلاشينكوف“ أو ”الدوشكا“، فذلك سيجعل منا جيشاً عربياً خامس عشر لا يختلف عن الجيوش الـ 14. إن سلاحنا أمام العدو الهائل والقوي والمطلق التفوق، هو الجماهير، وبالطبع فإن هذه الجماهير ليست كلمة سحرية، وقوتها ليست في تراكمها الكمي، ولكن في التنظيم، أي الحزب والحزب الجماهيري المقاتل هذا ليس جمعية خيرية، ولا نادي شعراء حماسيين ولكنه الحزب المحكوم بفكر وبرنامج وقيادة القوى الأطول نفساً في المعركة، والأقل احتمالاً للسقوط في التعب عند الضربة الأولى أو الثانية والمنظم تنظيما حديدياً على ضوء ذلك البرنامج“.

أما على صعيد الإعلام الخارجي فيقول غسان في موقع آخر: ”إن عملنا الإعلامي في الغرب يجب أن يستند على الأصدقاء، على الحركة الثورية في البورجوازيات الغربية ولا يمكن أن يتكون رأي عام عالمي يقف إلى جانبنا دون جهد هذه القوى اليسارية وتبنيها للقضية وبوسع هؤلاء الأصدقاء أن يقرروا عند ذاك على ضوء الواقع الذي يعيشونه في مكان معين وزمان معين الإشكال الأفضل للمعركة الإعلامية.

غسان وتجربة ”الهدف“..

منذ تولى غسان رئاسة تحرير مجلة ”الهدف“ البيروتية حولها إلى منبر للإعلام الثوري ينادي بالوحدة الوطنية ونبذ كل مشاريع التسوية والاستسلام ودعا لتوحيد العمل السياسي والثوري والعسكري الفلسطيني.

ولقد واكبت المجلة الأيام الجسام التي عاشتها الثورة الفلسطينية فصدرت في أحداث أيلول/ سبتمبر الدامية عام 1970 بشكل يومي لمدة تسعة أيام.

ورفع غسان شعار ”كل الحقيقة للجماهير“ واختاره عنواناً للمجلة وقد اختزل هذا الشعار رؤية سياسية وإيديولوجية كاملة.

ولقد كان غسان الإعلامي والسياسي يؤمن أن لا إمكانية للانتصار، دون إطلاق فاعلية الجماهير وذلك لا يكون إلا عبر الثقة بها وإعطاءها حقوقها بما في ذلك حق الكلمة أحد الأركان الأساسية للديمقراطية.

وتعرض غسان نتيجة لكتابة بعض الافتتاحيات للسجن وعرّض مجلته للمحاكمة عدة مرات وحين سجن في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1972 بتهمة القدح والذم والإساءة إلى ملكين عربيين.

كتب غسان في العديد من أبواب المجلة إضافة إلى كتابة الافتتاحية فكان يحرر في المجلة الأركان الخاصة بالأحداث العربية وأحداث العدو والأركان الثقافية. وعن ظروف العمل في الصحيفة يقول غسان : ”إن العمل في الصحيفة مرهق جداً. هذا هو شعوري الآن وقد أتممت عدد هذا الأسبوع، إنني أشعر بالإرهاق وأنه لأمر مروع لأي كان أن يعمل في صحيفة كهذه. ففي اللحظة الذي تنهي بها آخر جملة من العدد الآخر تجد نفسك فجأة تجاه عشرين صفحة فارغة تملؤها … وأنه لمن الصعب أن يصدق الآخرون بأن ثلاثة أشخاص فقط يقومون بتحرير الهدف. وهذه الحالة قائمة منذ ثلاث سنوات…“.

وقد كان غسان يوقع مقالاته بالهدف بأسماء عديدة إلى جانب اسمه الحقيقي ومنها (غ.ك)، (فارس ـ فارس)، (…) ثلاثة نقط بين قوسين وإشارة () مجموعة من الدوائر داخل بعضها البعض.

استشهاده:

في صباح الثامن من شهر حزيران/ يونيو 1972 قتل غسان كنفاني على أيدي ”الموساد“ الإسرائيلي عندما انفجرت قنبلة ومعها خمسة كيلوغرامات من الديناميت في سيارته أودت بحياته وحياة ابنة شقيقته ”لميس“ التي كانت برفقته.

وتقول زوجته ورفيقة نضاله السيدة آني: ”… بعد دقيقتين من مغادرة غسان ولميس – ابنة أخته – سمعنا انفجاراً رهيباً تحطمت بسببه كل نوافذ البيت.. نزلت السلم راكضة لكي أجد البقايا المحترقة لسيارته.. وجدنا لميس على بعد بضعة أمتار.. ولم نجد غسان ناديت عليه!! ثم اكتشفت ساقه اليسرى.. وقفت بلا حراك ..“. وقد وجد المحققون إلى جانب السيارة المنسوفة ورقة تقول: ”مع تحيات سفارة إسرائيل في كوبنهاغن“.

أخيراً؛ يمكن القول إنّ غسان تميز بتفكيره الثوري ونضاله في سبيل وطنه المغتصب، وتجسيد مأساة شعبه بأعمال إبداعية متنوعة، صور فيها محنته وتشرده وصموده. وهو مناضل ومفكر وإعلامي وفنان على درجة عالية من الوعي بوسائله الفنية. وقد كان في حياته ومماته شاهداً وشهيداً على أن ”الكلمة الرصاصة“.. ”الكلمة المقاتلة“ أمضى على الأعداء من السلاح.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com