سفارة نامه فرنسا.. أدب الرحلات بتوقيع عثماني

سفارة نامه فرنسا.. أدب الرحلات بتوقيع عثماني

المصدر: القاهرة - من هند عبد الحليم

”جنة النساء والكافرين.. سفارة نامه فرنسا“، هو عنوان الكتاب الصادر حديثاً عن دار رؤية للنشر بالقاهرة، للسفير العثماني محمد جلبي ونقله إلى العربية الدكتور خالد زيادة، سفير لبنان في القاهرة.

ويعتبر الكتاب أول نص يكتبه عثماني ”محمد جلبي أفندي“ عن رحلته إلى باريس في مهمة رسمية عام 1720 بتكليف من الوزير إبراهيم باشا داماد سلم خلالها رسائل السلطان العثماني والوزير الصدر الأعظم إلى ملك فرنسا وكبار رجال الدولة، وأُتيح له خلال إقامته لمدة خمسة أشهر، أن يزور أبرز معالم باريس العمرانية والعلمية والصناعية، ويتعرف على نمط الحياة في عاصمة أوروبية.

وتكمن أهمية هذا النص في تعبيره عن روح الانفتاح التي عرفتها أسطنبول في بداية القرن الثامن عشر والرغبة في التعرف إلى مظاهر الحياة الفرنسية.

وتعود فكرة السفارة إلى عام 1718، حين عرضها الوزير إبراهيم باشا على السفير الفرنسي الذي أبلغ حكومته بالأمر، وهيأت بدورها سفينة فرنسية لنقل السفير والوفد المرافق له إلى فرنسا.

وتعبر الأوقات التي أمضاها السفير محمد جلبي على الأرض الفرنسية متنقلاً بين المدن عن لحظات اللقاء والمجابهة بين ثقافتين وحضارتين.

وكانت نظراته المتنبهة تلحظ الاختلافات بين فرنسا وبلاده العثمانية. وبالمقابل، فإن الفرنسيين من رسميين ومن عامة الناس كانوا يسرعون لاستقباله، لأنهم يلتقون للمرة الأولى بأتراك عثمانيين بكامل قيافتهم وعاداتهم.

وتحتل زيارة القصور الحيز الأكبر من زيارته إلى باريس، وقد زار العديد منها وأبرزها: فونتان بلو، مارلي، سان كلو، فرساي.

وكلما زار قصراً يسهب في وصفه بالتفصيل: ”البناء وعدد الطبقات والبهو والمقصورات والنوافذ والرسوم على الجدران، ووصف الحدئق وتشذيب الأشجار، والنوافير وأحواض الماء، وكيفية إيصال المياه إلى الأماكن المرتفعة والحيوانات الغريبة التي رآها في الحدائق.

وكان كل قصر يزوره ينسيه سابقه ويعتبره تحفة لا نظير لها حتى زيارته لفرساي الذي اعتبره أجمل من أي قصر في العالم.

كما قام برحلتي صيد، إحداهما برفقة الملك واحدة برفقة الملك والأخرى برفقة دوق دورليان، ومصنعين أحدهما لحياكة السجاد والآخر لصقل الزجاج.

كما زار برفقة الملك المكان الذي تحفظ فيه المجوهرات الملكية ويصف أحجامها وألوانها بما أوتي من معرفة بهذا المجال، وكذلك متحف التاريخ الطبيعي، وكل مبنى يختص بعلم، من التشريح إلى الأدوية والنباتات.

وكتب السفير محمد جلبي أفندي تقريره بأسلوب أدب الرحلات، حيث اكتشف عالماً جديداً مختلفاً عن عالمه الذي يعيش فيه إلى حد الانقلاب؛ فالفرنسي عثماني يقف على رأسه: ”العثماني يسير والمرأة وراءه، والفرنسي يسير والمرأة تتقدمه، إذا دخل العثماني إلى منزل يخلع حذاءه، أما الفرنسي فيخلع قبعته،

العثماني يحلق شعر رأسه ويرخي لحيته، أما الفرنسي فيحلق ذقنه ويرخي شعر رأسه، وقد لفت نظره الحضور النسائي في الشوارع وهن يمارسن البيع والشراء في الأسواق“.

ويسجل التقرير التعبيرات الأولى عن الصدع الذي أصاب النموذج العثماني، والشعور بالحاجة إلى التعرف إلى نموذج أكثر تقدماً، ويمثل أول جهد لكسر التقاليد الثابتة لدى الطبقة الحاكمة في أسطنبول، وكسر الحاجز النفسي والعقائدي الذي كان يرفض التشبه بالأوروبيين المختلفين في العادات والإيمان.

وبنى السلطان العثماني قصر ”السعادة“ على غرار القصور الفرنسية، كما شهدت أسطنبول احتفالات ليلية تضاء فيها الشموع وتطلق الألعاب النارية، وراجت السلع لمستوردة من أوروبا وخصوصاً الأساس المنزلي من شراشف وأرائك لتحل مكان الدواوين التقليدية.

وأصبح شائعاَ لدى الطبقة الميسورة لبس البنطال، وقد استدعي عدد من الفنانيين الأوروبيين لتزيين جدران القصور بالرسوم بدلاً من الموزاييك.

وظهرت في تلك الآونة رسوم الوجوه والأشخاص على عكس التقليد الشائع الذي يحرم تصوير الهيئة الإنسانية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com