”الجذبة العيساوية“ تعالج الأمراض النفسية

”الجذبة العيساوية“ تعالج الأمراض النفسية

المصدر: الرباط - (خاص) من سكينة الطيب

حين تكثر الأمراض تتعدد طرق العلاج بين العلمية والطبيعية والشعبية، ويظهر المريض حرصا كبيرا على التشبث بكل أمل يقدم له لمساعدته على الشفاء من المرض، حتى لو كان عن طريق الاستماع إلى الموسيقى والتفاعل معها بحركات لا ارادية، تبدأ بالرقص وتنتهي بتفريغ شحنة الطاقة وإنهاك المريض وسقوطه على الأرض.

ومن بين أشهر طرق العلاج بالموسيقى في المغرب ”الجذبة العيساوية“ التي تساعد حسب الموروث الشعبي على علاج المريض والتنفيس عنه وتطهيره وإعادة إدماجه في المجتمع، وتتفق هذه الطريقة في هدفها مع موسيقى الزار في مصر.

وقد تجاوزت شهرة عيساوة الحدود المغربية بفضل نجاح فرقها في شفاء حالات مختلفة من الأمراض، والسر يكمن في أنها ليست مجرد موسيقى عادية، بل هي موسيقى ذات ايقاعات قوية محملة بثقل الأساطير والمعتقدات الموغلة في القدم، ومشحونة بالإرث الحضاري الإفريقي والبربري والعربي.

ويقول محمد العيساوي أحد العازفين داخل فرقة عيساوة أن قوة هذا النوع من الموسيقى ووقعه على النفس ناتج عن انتماء جميع عناصر فرقته إلى الطائفة العيساوية وتفقههم في علم العلاج بالموسيقى، ويضيف أن موسيقى عيساوة تناجي الأرواح الخفية وتغازلها، وتتوسل بالإيقاعات والألوان وإحراق البخور، وكل الوسائط الخفية الأخرى سعيا منها لإخراج الشر الذي لحق بالمريض سواء كان سببه إصابة ضحية بالسحر أو معاناة من مرض نفسي.

ويوضح أن ”حصص العلاج بالموسيقى التي تنظمها فرق عيساوة ليس المراد منها الفرجة أو الكسب المادي أو استغلال معاناة الناس وخداعهم بل إن سعادة الفرقة حين تنجح في شفاء المريض لا توصف، لاسيما أننا نعلم أن المريض لم يلجأ الينا إلا حين استنفد جميع طرق العلاج وأنهكه التنقل بين المستشفيات العامة والعيادات الخاصة“.

ويصر محمد أن الجذبة وهي الحركات التي يقوم بها المريض بعد انسجامه في حلقة الرقص مع عيساوة، طريقة علاجية ناجحة بل إنها تحظى بالأولوية لأنها ساعدت على شفاء حالات كثيرة.

ويشير إلى أن المغني والفرقة الموسيقية ينجحون غالبا في علاج المسحور والتنفيس عن المريض النفسي وتطهيره وإعادة إدماجه في المجتمع، ويرفض اتهام فرق عيساوة بالدجل والشعوذة ويقول أن ”ثمة ارتباط وطيد بالدين واحترام كبير له من خلال أغنيات عيساوة فتفريغ كلمات الأغاني وتحليلها يظهر مدى ارتباطها بالمعتقدات الدينية“.

أبحاث على العلاج بالموسيقى

يقول سعيد الفاسي الباحث في التراث الموسيقي أن الاستماع إلى الموسيقى عامة يساهم في تأسيس الأمل وعودة التفاؤل لدى الفرد ويشعره بالإنتعاش والراحة ويخلصه من الصداع والتوتر ويساعد على إراحة الأعصاب وتهدئتها.

ويضيف أن العلم يقدم كل يوم شيئا جديدا بخصوص أهمية الموسيقى ليس فقط من الناحية الروحية والمعنوية بل أيضا من الناحية الطبية والعلاجية فالأبحاث الجديدة تكشف المزيد من فوائد الموسيقى العلاجية حيث أثبتت معاهد أوربية متخصصة في هذا النوع من العلاج أهمية استغلال الموسيقى لمساعدة المرضى على تجاوز أزماتهم مثل مؤسسة طفل الحروب التي أنشأها موسيقيون عالميون لمساعدة أطفال البوسنة على تجاوز الخبرات الأليمة التي مروا بها خلال الحروب.

ويشير إلى أنه في المغرب يخلط الناس بين العلاج بالموسيقى وطقوس الشعوذة والدجل لكن ذلك لا ينفي تأثير الموسيقى على علاج بعض الأشخاص وتحول النغمات والإيقاعات إلى مكملا للدواء أو بديل عنه.

ويعرف الباحث العلاج بالموسيقى بأنه ”الاستخدام الموصوف للموسيقى والوسائط الموسيقية من أجل استعادة وتحسين الصحة العاطفية والفيزيقية والفسيولوجية والروحية، فالعلاج يهدف في مجمله إلى مساعدة الأفراد على إحداث التغيرات الطبيعية سواء في النمو أم التطور أم السلوك، وكذلك مساعدتهم على نقل المهارات الموسيقية إلى كل مناحي الحياة الأخرى، مما يساعدهم على الإنتقال من العزلة إلى المشاركة الفعالة مع الآخرين“.

ويشير الباحث إلى أن العلاج بالموسيقى ظهر بعد الحرب العالمية الأولى حيث ساعدت الفرق الموسيقية في التخفيف من الآلام الجسدية والعاطفية لضحايا الحروب، ثم أصبح علمًا مستقلاً بذاته يدرس في معاهد متخصصة، فانتقل الأمر من مجرد الترويح إلى العلاج الفعلي للأطفال والمراهقين وكبار السن الذين يعانون من مشكلات نفسية أو عقلية، أو من إعاقات في النمو والتعلم والقلق والسلوك العدواني وغياب التركيز الذهني، كما تعالج الموسيقى مرض الزهيمر وحالات إصابات المخ، والإعاقات الجسدية، والآلام الحادة والمزمنة.

وطالب الباحث المثقفين والأطباء بالكف عن محاربة مظاهر الثقافة الشعبية ولاسيما طقوس العلاج بالموسيقى الشعبية، لأن العلم أثبت تأثير الموسيقى في علاج حالات مستعصية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com