شرق الجزائر.. من معقل للعمل المسلح إلى حاضنة للاستثمارات

شرق الجزائر.. من معقل للعمل المسلح إلى حاضنة للاستثمارات

الجزائر – ساهم تحسّن الوضع الأمني شرق الجزائر، خاصة في المناطق التي كانت توصف خلال العقدين الماضيين بـ“السّاخنة“، في تزايد التوافد الأجنبي على المشاركة في مشاريع تنموية.

وسجلّت المؤسسات والشركات الأجنبية عودة قوية لمواقع العمل في السنوات الأخيرة، فضلاً عن نمو الاستثمارات الأجنبية في مجال البترول والمنتجات الغذائية والصناعات التحويلية والمنجمية، لاسيما مركبات الحديد والفولاذ والمعادن بصفة عامة.

وقال مصدر أمني مسؤول، إن ”النشاط الإرهابي يعرف انحسارًا وتراجعًا ملحوظين، حيث سجلت المناطق الشرقية للبلاد سنوات هادئة للغاية خلال العقد الأخير، باستثناء بعض العمليات الإرهابية المعزولة“.

وأرجع المسؤول الجزائري ذلك إلى ”الاستراتيجية الأمنية المحكمة التي تقوم بها الناحية العسكرية الخامسة بقسنطينة، عاصمة الشرق الجزائري، في محاصرة بقايا الجماعات الإرهابية والخلايا النائمة في أقصى المناطق الجبلية المعزولة ما أدى إلى إضعاف نشاط المجموعات الإرهابية“.

وبحسب المصدر فإن ”تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي حاليا قد وجّه نشاطه تقريبًا للجنوب (جنوب الجزائر) وتحديدا إلى المناطق الحدودية مع مالي والنيجر حيث دخل في مواجهات مباشرة مع الجيش المالي المدعوم بالجنود الفرنسيين“.

ووفق المصدر ”هناك توقف لعملية التجنيد في صفوف الجماعات الإرهابية منذ سنوات ما أدى إلى تقلص أعدادهم بشكل واسع دون إغفال قضية السلم والمصالحة الوطنية، التي استجاب لها عدد كبير جدا من الناشطين ضمن الجماعات الإرهابية، الذين قاموا بتسليم أنفسهم للسلطات قصد الاستفادة من تدابير المصلحة الوطنية التّي كان قد أعلنها الرئيس (عبد العزيز) بوتفليقة عقب اعتلائه كرسي الرئاسة (عام 1999)“.

وساهم تحسن الوضع الأمني في تسجيل قفزة تنموية كبرى بمختلف محافظات شرق الجزائر، خصوصا مع تسجيل عودة كبيرة للشركات الأجنبية، للمساهمة في إعادة إعمار المناطق التي خربتها الجماعات الإرهابية، على غرار محافظة جيجل الواقعة على بعد نحو (300) كلم شرقي العاصمة الجزائر.

وقال مصدر حكومي مسؤول ”خلال مرحلة التسعينيات ووصولا إلى عام 2004 تقريبا، كانت جيجل منطقة محرمة على سكانها تقريبا بسبب العمليات الإرهابية، فما بالك بالأجانب“.

وتابع ”أما اليوم فإن الوضع الأمني في تحسن ملحوظ، رافقه تسجيل مشاريع إنمائية كبرى بالمنطقة، وتحول ميناء جن جن إلى بوابة اقتصادية عالمية تديرها الشركة العالمية للموانئ وتسمى مؤسسة موانئ دبي فضلا عن تواجد مؤسسة دايو الكورية بالمنطقة في إطار مشاريع كبرى لتوسيع الميناء، استعدادا لاحتضان جيجل لمشاريع عملاقة بالشراكة مع أجانب“.

وأوضح المصدر أنه ”منذ نحو عشر سنوات، لم يكن باستطاعتنا العثور على مقاولين محليين لإنتاج مشاريع بناء بسيطة، إذ كان المقاولون الجزائريون يرفضون العمل بالمحافظة، ونفس الشيء بالنسبة للأجانب“.

وأخذ المصدر يعدد نماذج مدن محافظات الشرق وما كانت ثم ما صارت إليه، ومن ذلك جيجل التي كانت سابقا معقلا رئيسيا لإمارة الجيش الإسلامي للإنقاذ، وبعده مقر رئيسي لتنظيم ما يسمى بـ“القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي“ قد أصبحت على هذا الحال، وتحولت إلى قطب اقتصادي وسياحي وفلاحي بامتياز (احتلت المرتبة الأولى وطنيا عام 2013 في عدد السواح والمصطافين)، فإن ولايات ومحافظات أخرى صارت تعج خلال السنوات الأخيرة بمختلف الشركات الأجنبية التي باتت تتهافت عليها للمشاركة بالعديد من المشاريع الإنمائية.

وأعلنت وزارة النقل الجزائرية، مؤخرا، فوز شركة تركية مختصة في وسائل النقل بمدينة سطيف شرقي العاصمة الجزائر، بالشراكة مع مؤسسة جزائرية خاصة، للتكفل بمشروع ”المترو“ الذي يعد الأطول من نوعه بالجزائر، إذ يمتد على مسافة 22 كلم.

وبمدينة قسنطينة، شرقي العاصمة، تعمل الشركة التركية العملاقة المختصة في مجال البناء ”كور غوربوز“ على مشروع انجاز ثلاثة آلاف وحدة سكنية بالمدينة الجديدة ”ماسينسا“.

وبنفس المدينة سلمت مؤخرا شركة برازيلية واحدا من أكبر الجسور المعلقة في أفريقيا، بينما تعمل مئات المؤسسات الأجنبية من مختلف الجنسيات بالعديد من مدن شرق البلاد في الجزائر في مشاريع عدة، سواء في مجال البناء، أو الأشغال العمومية، وحتى الفندقة والسياحة، وكذا في مجال البترول والغاز على مستوى القاعدة البترولية بمدينة سكيكدة.

وفي محافظة قالمة شرقي الجزائر، تشتغل شركات أجنبية كبرى في مجال البناء والسياحة، فضلا عن تواجد مؤسسة إسبانية مختصة في مجال إنتاج الأسمدة الفلاحية.

أما بسكيكدة، التي كانت محورا رئيسيا لتنقل عناصر التنظيمات الإرهابية بين محافظات الرشق، فقد أصبحت اليوم قبلة رئيسية للشركات الأجنبية متعددة الجنسيات العاملة في مجال البترول والغاز، لاحتواء الولاية على قاعدة بترولية ضخمة لتكرير البترول.

وبمحافظة الطارف الحدودية مع تونس، تحصي المصالح الولائية تواجد أكثر من ثلاثين شركة أجنبية، عاملة في مجال بناء السدود ومحطات توليد الكهرباء والبناء، ونفس الشيء بمحافظتي تبسة وسوق أهراس الحدودتين.

أما محافظة باتنة، التي سجلت بها بتاريخ الثامن من شهر سبتمبر/ أيلول 2007 محاولة لاغتيال رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة أثناء زيارة ميدانية للمنطقة، وهي العملية التي خلفت مقتل 15 شخصا وجرح 114 آخرين، نفذها انتحاري قبل وصول موكب بوتفليقة، فقد تحولت في الوقت الراهن إلى قطب اقتصادي، بعد أن سجلت بها السلطات مشاريع كبرى لمدن جديدة، مرفقة بمختلف المنشآت القاعدية شاركت في انجازها كبريات الشركات الأجنبية.

وقال مصدر مسؤول إن ”بعض العمليات والتفجيرات الإرهابية التي تسجل خلال السنوات والأشهر الأخيرة بمختلف المناطق هي عبارة عن عمليات معزولة وغير منظمة، ويقوم بها بقايا الجماعات الإرهابية“، مقلّلا من خطورة هذه العمليات كونها غير منظمة، على عكس ما كان عليه الأمر في وقت سابق.

يشار إلى أن ظهور ”الإرهاب“ بالجزائر يعود لعام 1992، عندما ألغت السلطات نتائج الانتخابات البرلمانية التي فازت بها ”الجبهة الإسلامية للإنقاذ“ أول حزب إسلامي يظهر بعد إعلان التعددية الحزبية.

وتشير الإحصاءات الرسمية إلى أن ما يقارب الـ250 ألف شخص قُتلوا خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي بسبب هذا النزاع المسلح بين النظام الحاكم والمسلحين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com