الجرائم الأسرية.. أزمة مجتمعية مركّبة تعصف باليمن

الجرائم الأسرية.. أزمة مجتمعية مركّبة تعصف باليمن

تشهد اليمن تصاعدا متسارعا وغير مسبوق، في معدلات ارتكاب الجرائم الأسرية، وسط حالة من "الانفلات الأخلاقي".

يأتي ذلك، في ظل استمرار تردّي الأوضاع المعيشية والاقتصادية والأمنية في البلد الذي يعيش حربًا ضد ميليشيات "الحوثي" للعام الثامن تواليا.

وفي غضون أقل من أسبوع، شهد اليمن مقتل 3 زوجات على أيدي أزواجهن، في حوادث منفصلة من مختلف مناطق البلاد، كان آخرها يوم الإثنين، إذ أقدم زوج على ذبح زوجته في مديرية "الصلو"، جنوب شرق محافظة تعز، قبل أن يقوم بإحراقها داخل منزلهما، لأسباب لا تزال غير معلومة، وفق وسائل إعلام محلية.

وتمكنت الأجهزة الأمنية في محافظة مأرب، شمالي البلاد، السبت الماضي، من إلقاء القبض على شاب حديث الزواج، متهم بتعذيب زوجته الحامل ما أدى إلى قتلها وجنينها؛ بسبب خلافات أسرية.

كما شهدت محافظة الضالع جنوبي اليمن، يوم الجمعة الماضي، إقدام شخص على ذبح زوجته عقب خلاف أسري، ومحاولته الفرار قبل أن يتم ضبطه من قبل الأجهزة الأمنية.

وتتعدد الجرائم الأسرية في اليمن، بين القتل والعنف وتقييد الحريات، والتي تشمل الأقارب المباشرين كالزوجين أو الوالدين أو الأبناء، بدرجة رئيسية، أو الأقارب غير المباشرين، في ظل غياب للمعلومات الرسمية الدقيقة التي ترصد مثل هذه الانتهاكات العائلية.

وسبق أن حذّرت الحكومة اليمنية، في حزيران/ يونيو الماضي، عبر وزير الإعلام والثقافة والسياحة معمر الإرياني، من ارتفاع معدلات جرائم القتل المروعة التي يرتكبها عناصر مليشيات "الحوثي"، بحق أهاليهم وأقاربهم في مناطق سيطرتهم.

وقال في تصريح لوكالة الأنباء اليمنية "سبأ"، إن ذلك يأتي "نتيجة عمليات غسل العقول التي تنفذها المليشيات لعناصرها ضمن ما يسمى بـ (المراكز الصيفية والدورات الثقافية) وتعبئتهم بالأفكار الإرهابية المتطرفة".

واعتبر الإرياني، أن زرع مليشيات "الحوثي" لهذه الأفكار "الإرهابية المتطرفة" في عقول عشرات الآلاف من الأطفال، يشكّل خطورة على مستقبل البلاد والأجيال القادمة، ويحوّلهم إلى مصدر تهديد للسلم الأهلي والنسيج الاجتماعي، وقنبلة موقوتة تستهدف الأمن والسلم الإقليمي والدولي.

ولم يعتد اليمنيون على مثل هذه الجرائم التي تستهدف الترابط الأسري في البلاد، بدوافعها وأسبابها المختلفة، مستدعية قلق المجتمع من تداعياتها وتزايدها خلال الفترة الأخيرة في مختلف مناطق اليمن، وبدرجة أكبر في المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيات "الحوثي"، شمالا.

دوافع مختلفة

يشير أستاذ علم الاجتماع بجامعة عدن الدكتور فضل الربيعي، إلى جملة من الأسباب المرتبطة بمثل هذه الجرائم، بحسب الأفراد وبيئاتهم الخارجية والظروف المحيطة بمجتمعهم، إلا أنه يرى أن "ضغوطات الحرب والضغوطات الاقتصادية وتردّي الأحوال المعيشية"، تعدّ من أكبر الدوافع لارتكاب جرائم القتل الأسري، إضافة إلى عوامل أخرى سلوكية.

وقال الربيعي لـ"إرم نيوز"، إن "ما أفرزته الحرب من ظروف مختلفة، إلى جانب القصور في التنشئة والتربية القيمية والأخلاقية التي يكتسبها الفرد من أسرته، فضلا عن التأثير الخاص الذي تنتجه التكنولوجيا ووسائل التواصل، وتعاطي المخدرات، إضافة إلى قضايا الشرف، تعدّ من أبرز وأهم الأسباب والدوافع لارتكاب هذا النوع من الجرائم".

وشدد على أهمية "الجانب السلوكي والتنشئة الاجتماعية؛ إذ إن الدور الأكبر يقع على الأسرة التي تعدّ هي الخلية الأولى والحضن الذي يتلقف الطفل لفترة طويلة، يتعلم وينشأ فيها، ويتلقى من خلالها التربية على القيم والأخلاق، ويكتسب قواعد السلوك السويّ، المساعد على الاستقرار ونبذ العنف، والمحبة والأمان وتجنّب الكثير من المشكلات".

ولفت الربيعي، إلى "دخول قنوات وأطر أخرى، كالتكنولوجيا الرقمية والحياة الاقتصادية، التي باتت تشارك الأسرة في تنشئة الأجيال وتسهم بشكل مباشر في تنشيط الأطفال وتؤثر عليهم، لأن الأطفال يتأثرون ببيئتهم الخارجية بشكل أكبر من تأثّر الآباء والأمهات بها".

وأضاف أن "مثل هذه المؤثرات وغياب الوازع الديني وتصاعد ضغوطات الحياة، تدفعنا إلى إعادة النظر في أهمية الأسرة ودورها في التنشئة التنويرية السليمة والبعيدة عن ممارسة أي شكل من أشكال العنف".

تأثيرات مزمنة

ومع استمرار الاضطرابات المتعددة التي أفرزتها الحرب على حياة اليمنيين على مدى 8 سنوات ماضية، فإن الرعاية الصحية النفسية الحكومية تغيب في البلاد منذ العام 2011، وسط تواجد محدود لمراكز الدعم النفسي.

وبحسب منظمة الصحة العالمية، فإن الأمراض النفسية تعدّ من أكثر الحالات الصحية شيوعا في اليمن، إذ قدّرت المنظمة في آب/ أغسطس المنصرم، أن نحو 8 ملايين يمني – أكثر من واحد من كل أربعة – "يعانون من مشاكل عقلية ونفسية اجتماعية تفاقمت بسبب النزاع المسلح والتهجير القسري والبطالة ونقص الغذاء وغير ذلك من الظروف الأليمة".

ويرى استشاري الطب النفسي الدكتور منصور الشرجي، أن "استمرار الحرب اليمنية، خلق أزمة تراكمية للصدمات الحادة التي حدثت في بدايتها، وتحوّل إلى وضع استنزاف ومزمن، وبالتالي فإن التأثيرات جمعت بين الآثار السلبية النفسية والجسدية والاجتماعية الحادة والمزمنة".

وقال الشرجي لـ"إرم نيوز"، إن "المجتمعات عند تعرضها لهزّة أو حرب سريعة وخاطفة، تكون لها مجموعة من الآثار النفسية، بالذات عند الأطفال والمراهقين والنساء، بشكل كبير، مثل القلق والخوف وموجات الرعب والهلع واضطراب ما بعد الصدمة".

وتابع: "لكن المشكلة العميقة تحدث عندما تواجه المجتمعات حربًا طويلة المدى، وهو ما يُظهر أسوأ ما في هذا المجتمع، إذ تتسع بدرجة أولى مساحة الفقر، واجتماع الفقر مع الحرب يؤديان إلى زيادة معدلات الأمراض النفسية بمختلف أنواعها".

وأكد الشرجي، أن "الدراسات تشير إلى أن نسبة انتشار اضطراب ما بعد الصدمة في الحالات الحادّة، يتراوح بين 25 - 35%، لكن الوضع في اليمن بات أسوأ من ذلك، بسبب طول فترة المشكلة".

وأضاف أن المجتمعات تفقد "مناعتها الأخلاقية على المدى الطويل، ومع ارتفاع معدلات الفقر، تزداد نسبة الجرائم، ويتحوّل عدد من الناس الأسوياء إلى عدوانيين؛ بسبب عدم وجود التوازن النفسي الذي تفرزه أو تحافظ عليه مؤسسات الدولة والاستقرار المالي والاجتماعي، وهؤلاء العدوانيون من الممكن أن يقتلوا أقرب المقربين".

الأكثر قراءة

No stories found.
إرم نيوز
www.eremnews.com