ظاهرة التحديق بالناس.. ما سرها؟

ظاهرة التحديق بالناس.. ما سرها؟

المصدر: إسماعيل الحلو - إرم نيوز

تعرف سمة التحديق بأنها ظاهرة بيولوجية يطلق عليها أيضا ”كشف النظرة“ أو ”إدراك النظرة“، وقد توصلت دراسات علم الأعصاب إلى أن خلايا الدماغ التي تطلق هذا الفعل دقيقة تماماً.

وسواء كان المحدق صديقاً أو عدوا، فإن الشعور بحد ذاته يبدو كأنه شكل من أشكال الحاسة السادسة، التي تعد جزءًا مهمًا من الطبيعة البشرية، حيث تكيّف أسلافنا ليحافظوا على حياتهم وطوّروا هذه المهارة، وحيال طبيعة هذه القدرة فإن الأمر في الحقيقة ميزة هامة في عيون وعقول البشر، وبعض الأوجه الاجتماعية المحددة في الإنسان.

وعلى سبيل المثال إذا قام أحدهم بإزاحة نظره عنك من خلال الاستدارة بضعة درجات لليمين أو اليسار، فإن ذلك الشعور الغريب سيختفي بسرعة، ويقترح العلماء بأن شبكة عصبية معقدة تقف وراء هذا الرصد للنظرات.

وحتى الآن، فإن الشبكة العصبية المسؤولة عن هذا الفعل في الإنسان غير محددة، ورغم ذلك فإن دراسة أجريت على قرود المكاكي، كشفت عن الدارات العصبية المسؤولة عن كشف النظرة لديهم، وتم تحديد الخلايا العصبية المسؤولة عن ذلك بشكل دقيق.

حساسية البشر

هناك 10 مناطق مختلفة من الدماغ مسؤولة عن عملية الإبصار لدى الإنسان، وقد يكون هناك أكثر، في حين أن القشرة البصرية هي الجزء الأهم، وهي منطقة كبيرة في مؤخرة أدمغتنا تدعم الكثير من منظورات الرؤية لدينا.

لكن مناطق أخرى مثل اللوزة الدماغية المسؤولة عن تسجيل المخاطر، قد تكون مشتركة في الكشف عن هذه النظرة بطريقة معينة.

والبشر عموماً حساسون لنظرات الآخرين، وحين يعمل شخص على تغيير توجه انتباهه فإننا تلقائياً نتبع نظراتهم، ويتجاوز الأمر كوننا من الكائنات المترقبة التي تقوم بالصيد وتفترس في بعض الأحيان.

ويعني ذلك أننا كجماعات حساسون عصبياً بطبيعتنا، وننتبه للتغيرات في البيئة المحيطة بنا، فالأمر أيضاً يتعلق بالطبيعة الاجتماعية والتعاونية للبشر، وكيف يعتمد كل منا على الآخر خلال تاريخنا التطوري.

إلى ذلك، هناك سبب آخر إذا نظرت إلى عيون البشر بالمقارنة مع الحيوانات الأخرى، فإن المنطقة البيضاء التي تحيط ببؤبؤ العين ”الصلبة العينية“ أكبر بكثير.

وفي أغلب الكائنات الأخرى، فإن البؤبؤ يحتل المساحة الأعظم من العين، والهدف هو تعتيم العين عن المفترسات، لكن بالنسبة للبشر فإن الصلبة العينية تسمح لنا بملاحظة اتجاه أي نظرة أخرى بشكل سريع.

وبالطبع، ليس علينا أن ننظر مباشرة إلى الآخرين لنعرف إن كانوا يحدقون بنا أم لا، بل ويمكننا تقييم اتجاه انتباههم من خلال نظرنا الجانبي.

لكن هذه الطريقة أقل دقة، حيث وجدت بضعة دراسات بأن لدينا القدرة على التحديد الدقيق فيما إذا كان أحدهم يحدق بنا أم لا، ضمن مجال 4 درجات من نقطة التركيز الثابتة لدينا.

البحث عن الأمان

ولا يعتمد الأمر على رؤية عيون الأشخاص الآخرين دائماً، فبنظرنا الجانبي يمكننا الأخذ بعين الاعتبار وضعية الرأس، وبوجود دوال أخرى مثل وضعية الجسم واتجاهه، فإنه بإمكاننا التنبؤ فيما إذا كان يتم التحديق بنا أم لا.

ويبقى التساؤل ”ماذا لو لم نكن متأكدين؟“، وهنا تأتي إجابة بسيطة إن الأمر فقط من أجل السلامة، فإن الدماغ يشير إلى اتجاه الخطر، ويفترض بأنه يتم التحديق بنا ويعطي الأمر بالنظر في ذلك الاتجاه إن كان هناك أي شك لديه.

أما عن شعورنا بأن هناك من يحدق بنا من الخلف، فوفقاً لدراسة أجريت عام 2013 ونشرت في مجلة الأحياء الحديثة، فإن الأمر لا يتعدى مسألة الأمان، فالبشر عموماً مصممون للتفكير بأن هناك شخصا يتربص بهم حين لا تمكن رؤيته، حتى لو لم يكن لدينا أي دليل بأن ذلك صحيح.

ووجد بروفيسور علم النفس كولين كليفورد من مركز البصريات في جامعة ”سيدني“ بأنه ”حين لا يتمكن الشخص من تحديد ما إذا كان هناك من يحدّق به أم لا، فإنه وبشكل تلقائي يفترض الأسوأ، وأن هناك من يحدّق به“.

وقال كليفورد إن ”النظر المباشر يشير نفسياً إلى السيطرة أو التهديد، لذا فإن الاستراتيجية الأكثر أماناً هي افتراض أن هناك شخصا يحدق بك“.

ويعتبر النظر إلى شخص ما عادة اجتماعية أيضا، وعادةً ما تدل النظرة إلى الرغبة بالتحدث، ولأن طبيعتنا تميل إلى افتراض أن الشخص الذي يقف خلفنا ينظر إلينا، فإن الشعور الذي نشعر به قد يُطلق تنبؤاً ذاتياً بذلك.

وحين نستدير فإن فعلنا يستدعي انتباه الشخص الآخر فينظر إلينا، لكن حين تلتقي عيوننا بعيونه، فإنه يعطي الانطباع بأنه كان يحدّق بنا طوال الوقت.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com