مشكلة المخدرات المتزايدة في إيران: لا أحد محصّن في المجتمع

مشكلة المخدرات المتزايدة في إيران: لا أحد محصّن في المجتمع

المصدر: صدوف نويران – إرم نيوز

يتلكأون على جسور المشاة، ينفثون الدخان من الأنابيب، يجلسون القرفصاء خلف الشجيرات وأشجار النخيل في الحدائق الوارفة، للحصول على جرعة. حتى أ ن الأطباء والممرضين موجودون هنا.

أصبح وباء المخدرات في إيران على صعيد وطني، ومسؤولو الصحة يقولون ”لا فرق بين الفقراء والأغنياء، العلمانيين والورعين، في انتشار المخدرات القوية التي يتم تهريبها من أفغانستان المجاورة تتنوع ما بين المخدرات الكريستالية والمسكنات والمهلوسات الصناعية والهيروين والأفيون“.

يقول الدكتور حسن رجوي، الذي يدير مركزاً صغيراً لإعادة التأهيل في غرب طهران: ”لا أحد محصن في المجتمع ضد المخدرات، حتى أبناء علماء الدين المسلمون موجودون في عياداتنا“.

ويذكر مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة بأن إيران لديها واحدة من أخطر أزمات الإدمان في العالم. ويقدر مسؤولون في وزارة الصحة بأن هناك حوالي 2.2 مليون مدمن للمخدرات في هذا البلد الذي يقدر عدد سكانه بـ 80 مليونًا ، أي ما نسبته 2.75% من مجموع السكان، ولكن الأطباء الذين يديرون مئات من عيادات إعادة التأهيل الحكومية في أرجاء البلاد يعتقدون بأن الرقم الحقيقي أكبر من هذا بكثير.

وبالمقارنة ووفقاً للمسح الوطني الذي أجري في عام 2013 فإن ما يقارب من 21.6 مليون أمريكي يعانون من مشكلة إساءة استعمال المواد المخدرة، أي ما نسبته 6.8% من مجموع السكان.

ومن أهم أسباب مشكلة المخدرات في إيران هو توافرها بكثرة، حيث أن إيران تقع على الطريق الرئيسي ما بين أفغانستان ودول غرب أوروبا، لتجارة الخشخاس الذي يستخلص منه مخدر الأفيون والهيروين. واستأثرت إيران بأكثر كمية مضبوطة من المواد الأفيونية في العالم في عام 2014 مع ارتفاع إنتاج المخدرات في أفغانستان.

ويقول الأطباء أيضاً، إن الركود الاقتصادي الناجم عن العقوبات الدولية أثار بشكل كبير الإحباط الاجتماعي وحالة الجمود التي سببت إقبال الكثيرين من الإيرانيين على استعمال المواد المخدرة.

وازداد استعمال مخدر الميثامفيتامين والذي يطلق عليه اسم الشيشة أو الزجاجة، بين أوساط الشباب الإيراني بسبب اعتباره كوسيلة لإنقاص الوزن وللمساعدة على التركيز في الامتحانات والاستمتاع في الحفلات.

وكان الأفيون يزرع في إيران لعدة قرون مضت، حيث كتبت القصائد التي تتغنى به وبخصائصه العلاجية في القرن العاشر. ولكن في السنوات الأخيرة، دخل الكثير من الأفيون والهيروين من أفغانستان إلى البلاد على الرغم من سعي إيران وصرف الملايين من الدولارات لتحصين حدودها الممتدة لمسافة 600 ميل من الحواجز الخرسانية والخنادق العميقة.

يقول الدكتور رجوي: ”إن العقوبات الدولية والعزلة عن المجتمعات الدولية والتعاسة التي تسببها البطالة، حتى بين المجتمعات المتعلمة، وحتى السعادة بين المجتمعات الغنية، كل هذه من الأسباب التي ساعدت على زيادة عدد متعاطي المخدرات والأدوية غير المشروعة“.

وفي وسط مدينة طهران، ووسط المباني الفخمة من سلالة قاجار التي حكمت إيران حتى عام 1925، يتناثر مروجو المخدرات الصغار بين الحشود وهم يهمسون ”درو“ والتي تعني ”دواء“ كوسيلة لعرض بيع أي شيء من وصفات المسكنات إلى المخدرات الصناعية. وتبلغ كلفة اليوم الواحد من إمداد المخدرات حوالي دولار واحد في هذه الدولة الاقتصادية التي يحصل فيها خريج المدرسة الثانوية المتوسطة على دخل حوالي 10 دولار في اليوم الواحد.

وعلى الرغم من أن معظم الإيرانيين يتمسكون بوظائفهم ويحيون حياة طبيعة منتجة على الرغم من استعمالهم للمخدرات، فإن ظاهرة المدمنين المشردين، الذين يجوبون الشوارع بأعينهم المتسعة وشعورهم الشعثاء، أصبحت شائعة جداً ويطلق عليهم بالفارسية إسم ”موتيجاهر“. وقال الجنرال محمد مسعود زاهدي رئيس إدارة مكافحة المخدرات للصحفيين بأن حوالي من 50 إلى 60 ألفًا من الإيرانيين تنطبق عليهم هذه الصفة.

شابانالي ميرشيكار، عازف كمان من شمال شرق إيران، كان في الثانية عشرة من عمره عندما بدأ باستخدام الأفيون لأول مرة أثناء دعوته للعب في أحد التجمعات القروية. وقال بأن والده كان يقوم بتدخين الأفيون لمعالجة آلام ساقيه.

ويقول ميرشيكار البالغ من العمر 40 عاماً بأنه مع كبره في السن وإدمانه الأفيون: ”إنه يجعلني أنسى كل المتاعب. أشعر بالاسترخاء وألعب طوال الليل“. وكان إدمانه سببا دفع زوجته لطلب الانفصال عنه. وينام حاليا في نزل للموسيقيين في الجزء الذي يعاني من مستويات مرتفعة في الجريمة في جنوب طهران وتبلغ كلفة الليلة الواحدة فيه حوالي 1.40 دولار.

ويقوم ميرشاكار بزيارة عيادة الدكتور ”رجوي“ للحصول على جرعة من الميثادون وهي تركيبة صناعية لمخدر الأفيون تستخدم لفطام مدمني المخدرات.

يقول ميرشيكار بأنه بدون أخذ هذه الحبوب: ”لا يستطيع الوقوف على قدميه، وتؤلمه ساقاه ولا يستطيع أن يعزف على الكمان لكسب عيشه“.

ويضيف أنه يحصل على حبوب تزيد عن حاجته فيقوم ببيع الفائض في الشوارع. ويدرك الأطباء تماما أن هناك تجارة مزدهرة تحت الأرض لبيع وشراء مادة الميثادون المصنعة محلياً، والتي هي بحد ذاتها مادة تسبب الإدمان، والتي تباع بضعف سعر وزارة الصحة حيث يبلغ سعر 100 حبة من هذا المخدر حوالي 1.40 دولار.

ويضيف الدكتور رجوي :“إن الفجوة بين السعر الرسمي لمادة الميثادون الذي يحصل عليه من وزارة الصحة وسعر السوق السوداء، كبير جداً مما يجعلها مغرية جداً للمدمنين والتجار لبيعها في السوق السوداء“.

وفي داخل عيادة الدكتور رجوي التي تبلغ مساحتها 800 متر مربع، يوجد 250 مريض يتعالجون ضد إدمان المخدرات على مدى 3 سنوات. ومن بين مرضى الدكتور رجوي هناك الجراحون، وممرضي غرف العمليات، مديرو شركات عامة، معلمون وعاملون بالأجرة، فنانون وممثلون، ومع ذلك وحتى العام الماضي لا يمكن أن نقول إن واحدا منهم هو خال ونظيف من المخدرات.

ويقول بعض الأطباء إن العلاج بالميثادون يعتبر استبدال نوعية من المخدر بنوعية أخرى وإن على إيران أن تعمل على معاقبة المدمنين بتقليل كمية الأفيون المعطاة لهم للحد من الاعتماد عليها. ولكن رجوي يعارض هذا الأمر ويقول إن الوقت المعتاد لجرعة الميثادون يصل إلى 36 ساعة مقارنة مع 4 – 5 ساعات لجرعة الهيروين. مما يسمح للمريض أن يعيش حياة أكثر إنتاجية.

وقد حاول الثيوقراطيون في إيران فرض تدابير قاسية لمكافحة المخدرات، من خلال إصدار أحكام بالإعدام على أعداد ضخمة من المدانين. ففي العام الماضي تم إعدام مئات الإيرانيين بسبب جرائم المخدرات، مما دفع المشرعين والنشطاء للتحرك والمطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام بسبب جرائم المخدرات التي تعتبر جرائم غير عنيفة.

ولكن هناك من يقول بأن آفة المخدرات يتم التعامل معها بشدة أقل من تعاطي الكحول ويعتقدون أن المخدرات لديها تأثير أقل على الممارسات الإسلامية مثل الصلاة خمس مرات في اليوم.

وقامت وزارة الصحة بالسماح لحوالي 8 آلاف عيادة للتأهيل مثل عيادة الدكتور رجوي  باستعمال الميثادون. وعمل الدكتور رجوي على الاستعانة بأطباء نفسيين أحياناً والاحتفاظ بملفات مفصلة عن حالة كل مريض.

يقول الدكتور رجوي: ”طالما أنه لا يوجد هناك قتلى أو جرحى ولا دعاوي قضائية ضد المراكز، فإن الشرطة تتغاضى عن الكثير من المشاكل والشكاوي. وعلى الأقل خلال وقت قصير يكون هناك عدد قليل من المدمنين يتجولون في المكان“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com