”البابوش“ تاريخه 150 عامًا.. ”جمال وجدي“ يصنع أقدم حذاء في مصر (صور)

”البابوش“ تاريخه 150 عامًا.. ”جمال وجدي“ يصنع أقدم حذاء في مصر (صور)

المصدر: هدي منصور – إرم نيوز

شوارع مصر القديمة مزدحمة بالتراث والنوادر التي تفوح معالمها من عبق أزقتها الضيقة، تدعو للانتباه بأنه لا زال هنا شيء جميل، تنطبق تلك الكلمات على حي المغربلين، الذي يعد جزءًا أثريًا بما يحتويه من معالم تنتمي للقاهرة الفاطمية القديمة.

يحرص سكان ذلك الحي، على الحفاظ على كل ما ورثوه من أجدادهم، خاصة المهن والحرف اليدوية التي انقرضت منذ زمن، ومنها ”صانع البابوش“، أقدم حذاء ارتداه المصريون في التاريخ.

عندما تتجول في حارة المغربلين، ستجد أن ثمة ورشة لا تزال تحتفظ بتلك المهنة وأسرارها، صاحبها يدعى ”جمال وجدي“، وأنت تشاهدها قد تتوقع أنها مجرد متحف صغير لشكل الحذاء المصري القديم بألوان حديثة.

وكان لـ“إرم نيوز“ زيارة إلى تلك الورشة القديمة، التي يعود عمرها إلى 150 عامًا، والفريدة من نوعها على الإطلاق في مصر.

رجل في منتصف العمر، منهمك في وضع الخيوط في الجلود ذات الأشكال الجميلة، ويقترب بشدة منها، وكأنه يتحدث معها، لدى دخول الورشة ”جمال وجدي“ بدأ  يسرد كلماته أثناء العمل، بأن قصة الورشة قديمة مثل الآثار المحيطة في كل مكان بمصر القديمة.

بصوت هادئ، بدأ جمال يسرد قصة العشق للمهنة: ”كانت مهنة أجدادي تصنيع الأحذية بطرق يدوية أمام الزوار، بأبسط الطرق، إلا أنهم لم يصنعوا الأحذية بالشكل التقليدي مثل غيرهم، لكنهم تفوقوا وتميزوا على غيرهم بصناعة أقدم حذاء ارتداه المصريون في تلك الورشة الصغيرة“.

وابتسم ”وجدي“، الرجل الكبير في خبرته وعمره أيضًا، وشرح معني كلمة ”البابوش“ الحذاء المصري، مؤكدًا أن أصلها فرنسي، نظرًا لاستخدام الفرنسين لذلك الحذاء في حياتهم التقليدية، بعيدًا عن العمل إلى الآن، وإطلاق ذلك المسمى تحديدًا كان في توقيت الحملة الفرنسية على مصر.

وتابع حديثه في فخر: ”عُرفت عائلتنا بأنها تقوم بتصنيع الأحذية القديمة وهذا شيء يجعلنا سعداء، أننا لازلنا نحافظ على جزء من التراث، من خلال حرفة بسيطة، كما أننا نمتلك أسرارها حتى الآن“.

وأشار، إلى أن ”البابوش“ يعود أصوله كحذاء إلى العصر المملوكي، ويتميز بأنه مريح للقدم، لأنه من خامة الجلد الطبيعي الضاني، الخاص بالخرفان وجلود الجمال فقط، على إثر تمتعها بالخفة والقوة.

وأكد، أن ذلك الحذاء يتميز عن غيره من الأحذيه ذات العلامات التجارية العالمية رغم قدمه، نظرًا لأنه يريح القدم أثناء السير.

وأكمل حديثه، بأن الإقبال على شرائه لا يزال تاريخيًا، لكن من السائحين فقط، وعدد قليل من المصريين، نظرًا لأن المصريين يتبعون الموضة، وليس الراحة، على عكس السائحين الذين يبحثون عن كل ما هو مختلف وقديم.

وأشار جمال، إلى أن السائحين الفرنسيين هم الأكثر إقبالاً على الشراء، وجاءت كثافة الإقبال على مدار 30 عامًا من عمره.

وأضاف في سرده، أن زيارات الأجانب إلى ورشته الصغيرة، كانت سبب قدوم الخير، فأول معرض حضره كان في أستراليا، وذلك عندما زارت زوجة السفير الأسترالي ورشته وأعجبت بالفكرة والمنتج، ومدى متانته وقوته، وما يمتعه كونه مصنوعا بطريقة يدوية.

وفي هدوء وثقة، قال جمال وجدي: ”أصنع الحذاء أمام الزائر في دقائق دون أي حرج، وسط ترحيب من الزائر، ومن بعدها انطلقت رحلاتي المستمرة، للمشاركة في معارض أوروبا، بالتصنيع اليدوي، وحضوري كان ناجحًا للغاية، وشاركت في ما يقرب من 28 معرضًا في حياتي حتى الآن“.

وأوضح وجدي، أن أسرته تشبه المدرسة التي تخرج أجيالاً متواصلة بلا انقطاع عن المهنة، فأبناؤه جميعًا حاصلون على شهادات عليا، إلا أنهم يحضرون كل يوم للعمل في تلك الورشة.

وتابع: ”هي مهنتنا ونفتخر بها، حتى أحفادي أحضرهم معي ليشاهدوني كيف أقوم بالتصنيع، لأننا إذا توقفنا عن تعليم أبناء الأسرة سوف تنقرض هذه المهنة“.

وعن سعر ”البابوش“، أكد جمال أنه ليس ثابتًا، فكل سائح يحضر من دولته للشراء من ورشته يدفع بعملة بلاده، مضيفًا: ”كما أنني أشعر بسعادة حينما يحضرون بشكل يومي، لالتقاط الصور التذكارية معي أثناء العمل“.

وعن مدة تصنيع الحذاء، يقول جمال: ”تصنيع الحذاء الواحد لا يتجاوز الساعة، كما أن هناك صناعًا مهرة يعملون معي، وما يميزهم أن أعمارهم تتجاوز الـ80 عامًا، وهم يعملون معي لأنهم يحبون تلك المهنة ويشعرون بسعادة أثناء العمل بها، وأيضًا يمتلكون سرها، وينتجون كميات كبيرة ومتنوعة في الشكل من حذاء البابوش يوميًا“.

وأردف: ”هناك مسميات مختلفة، تطلق على أشكال البابوش، وذلك نظرًا لأننا نطور من شكله مع الاحتفاظ بقيمة الخامة، فهناك بابوش علاء الدين والبابوش المملوكي، كما نحرص على إضافة صبغات أصلية لأنها ترتبط بسمعة التصنيع“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com