مسجد ”الظاهر بيبرس“.. تحفة إسلامية أصبحت وكرًا للخارجين على القانون

بدأت قصة بناء المسجد على يد أعظم السلاطين في العصر الإسلامي في ميدان كانت تُلعب فيه الكرة، وأتم بناءه العام 667 هـجرية.

المصدر: منار مختار - إرم نيوز

يقف بمئذنته العالية وسط القاهرة القديمة كواحد من أهم الشواهد التاريخية في العالم، عندما يحكي مسجد ”الظاهر بيبرس“ الذي بُني العام 665 هـجرية، تترًا من التحولات التي شهدها الجامع الذي بناه «أبو الفتوح» سلطان مصر والشام ورابع سلاطين الدولة المملوكية الظاهر بيبرس.

بدأت قصة بناء المسجد على يد أعظم السلاطين في العصر الإسلامي في ميدان كان تُلعب فيه الكرة، وأكمله العام 667 هـجرية، وجعل باقي الميدان وقفًا على الجامع، وعندما دخل الفرنسيون إلى مصر ركّبوا فيه المدافع واتخذوه قلعة، قبل أن يتحول في عصر محمد علي إلى معسكر لطائفة التكارنة السنغالية، ثم إلى مصنع للصابون وأخيرًا تحول إلى مذبح في عهد الاحتلال الإنجليزي، لكنّ العام 1893 شهد تحولاً آخر عندما قامت لجنة حفظ الآثار العربية بإصلاح الجامع ومحاولة إرجاعه إلى مهمته الأصلية، قبل أن يعود حاليًا إلى مرتعٍ للكلاب الضالة ومدمني المخدرات.

تقرير ميداني لمراسلة إرم نيوز كشف عن الحالة المتردية لأعرق الآثار الإسلامية في مصر والوطن العربي، عندما تحوّل مسجد الظاهر بيبرس من قبلة سياحية وإسلامية إلى وكر للمتسولين والخارجين على القانون وأطفال الشوراع والكلاب الضالة، حيث يعلو عويل الكلاب صوت المؤذن للصلاة.

مسجد ”الظاهر“ أكبر المساجد المصرية في العصر الإسلامي، بعد مسجد ”ابن طولون“،‏ والثاني في المساحة والأكثر فخامة وثراء،‏ ومؤسسه الظاهر بيبرس أحد سلاطين المماليك، والذي ارتبط بقلب القاهرة وبنى المسجد تخليدًا لذكراه، لم يبق منه سوى جدرانه الخارجية، كما أبقى الزمن على كثير من تفاصيله الزخرفية المحفورة في الحجر، والتي ترسخت في أذهان المصريين.

هذه البقايا، تكشف ما كان عليه الجامع عند إنشائه العام 665 هجرية من روعة وفخامة وتخطيط، على نسق من صحن مكشوف يحيط به أربعة أروقة أكبرها رواق القبلة محمولة على أعمدة رخامية.

دعم كازاخستاني

من جانبها، رصدت دولة كازاخستان (بفضل نسب الظاهر بيبرس لها)، مؤخرًا مبلغ 4،5 ملايين جنيه، لترميم مسجد الظاهر بيبرس، فيما تقول هبة مجدي، موظفة، ومن سكان المنطقة والغضب يظهر على وجهها، إن الاتفاق الذي تم بين مصر ودولة كازاخستان مر عليه أكثر من 10 سنوات، ولم يتم أي ترميم يذكر حتى الآن، وكثرة الأقاويل حول الملايين التي تم رصدها، كما عبّرت عن استيائها من تصريحات المسؤولين والتي لا تمت إلى الواقع بصلة، عن أعمال الترميم وخفض منسوب المياه الجوفية وعمل شبكة صرف صحي داخل المسجد وتغيير شبكات الكهرباء.

أصحاب المحال المجاورة، يروون ما وصفوها بـ“مآسٍ“ تحدث داخل المسجد وانتهاكات من قبل صبيان المخدرات والتحرش بالفتيات و“جراشات“ لسيارات الخردة، حيث بات تراث الماضي يحوي داخله مقالب القمامة، ولم يجد أهالي المنطقة أمامهم سوى إقامة الخيم لأداء الصلاة داخل المسجد، احتفاظا بقيمته وقدسيته لديهم، ولكنهم يعيشون مأساه يومية برؤيتهم خراب المسجد وتدهور حالته أمام أعينهم، بحسب روايات متعددة للأهالي.

من جانبه، قال رامي ناجح، صاحب محل أمام المسجد لـ ”إرم نيوز“: العديد من الحملات الإعلامية تتوافد على المسجد، ولكنه لم يشهد أي تحرك حقيقي من قبل المسؤولين، مُستكملًا حديثه عن أطفال الشوارع الذي اعتاد منعهم من تسلق أسوار المسجد ليلاً، ليحتمي به المطاردون والمتسولون، بالإضافة إلى تراكم سيارات الخردة التي تستغله لأغراض أخرى.

استدعى الحاج أحمد عبدالعظيم، متقاعد على المعاش، ذكرياته القديمة مع أصدقائه، مشيرًا إلى أن الساحة الخارجية كانت تحاط بحديقة خضراء، حيث كان يحرص على المذاكرة فيها، وكان المسجد مزارًا سياحيًا ينال اهتمام أهالي المنطقة بالكامل، قبل أن تسكنه الكلاب والقطط.

وتدخل غاضبًا الشيخ خالد عبدالصمد، أحد أهالي المنطقة، قائلًا : تم هدم الأسقف الخشبية التي تحتوى  نقوشا عريقة، والإلقاء بها في ساحة المسجد، ما أصابها بالتهتك والتكسير.

وأضافت مجموعة من الشباب على المقهى المقابل للمسجد: ”نحن في حزن شديد بسبب هذا السرح العظيم الذي يوحي لنا بالكآبة والإحباط، بعد أن كان طرازًا معماريًا إسلاميًا يتميز برونقه وعظمته، ثم صار مقلبًا للقمامة، كما تعاني أرضيته من الارتفاع الشديد في منسوب المياه الجوفية والتي تحوّلت إلى برك راكدة متعفنة، نمت عليها الحشائش التي تطفح بالحشرات والروائح الكريهة“.

إيهاب أمين محامٍ وأحد سكان المنطقة، قال لـ“إرم نيوز“ : ”كان من المفترض الانتهاء من آخر عملية ترميم لجامع الظاهر بيبرس على يد ”شركة المقاولون العرب“ في 6 أكتوبر 2011، ولم نشهد سوى تخزين بعض معدات الصيانة في محيط المسجد“.

وأكّد عوض سليم، عامل المسجد، أنّ توقف عملية الترميم بسبب الخلافات بين ”شركة المقاولون العرب“ وبين علماء الآثار القائمين، يتعلق باستخدام الطوب الحراري وطرق سحب المياه الجوفية دون الإضرار بالآثار.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com