160 عامًا على بدء حفر قناة السويس

160 عامًا على بدء حفر قناة السويس

المصدر: نعمة عز الدين - إرم نيوز

في 19 يوليو العام 1856، أي منذ مئة وستين عامًا، وتحت سماء الصحراء القاحلة والشمس المحرقة، وفي أجواء أقرب إلى المرض والإهانة، شق نحو مليون فلاح مصري، في وقت وصل فيه عدد سكان مصر لأقل من 4 ملايين، ممن أجبروا على ترك حقولهم وقراهم، طريقهم إلى المجهول أو كما قيل لهم في ذلك الزمان إلى حفر قناة جديدة عرفت فيما بعد باسم ”قناة السويس“ والتي مات خلالها أكثر من 120 ألف مصري، أثناء عملية الحفر على إثر الجوع والعطش والأوبئة والمعاملة السيئة، ومعظمهم لم يستدل على جثمانه ودفن في الصحراء أو تحت مياه القناة.

وتحكي الباحثة الفرنسية المعاصرة ”نتالي مونتل“ في كتاب ”ورشة حفر قناة السويس“، والذي ترجمه الدكتور رؤوف عباس وصدرت الترجمة العام 2005 الصعوبات التي واجهت الحفر، وأهمها توفير المياه العذبة الضرورية للحياة في صحراء قاسية، والحلول التي مرت لحل تلك المشكلة الخطيرة بماكينات، تعمل بالبخار لتحلية المياه أو تعاقد مع أنفار لتوريد مياه النيل الحلوة بقوارب عبر بحيرة المنزلة أو من الإسكندرية لكن المعضلة الكبرى كانت الأيدي العاملة، وبناء على فرمان الخديوي ”سعيد“، كانت السخرة هي النظام المعمول به في مصر، فكانت أعداد ضخمة من الفلاحين تسخر في صيانة شبكات الري وتطهير القنوات وإقامة السدود، فكانت السخرة وسيلة استجلاب العمالة المصرية بمعدل عشرة آلاف عامل كل شهر إلى العمل ووصل الرقم إلى 25 ألف بعد العام 1861، فكانت رؤوس العمل فرنسية وقاعدة العمل المسخرة مصرية.

ea0c9674-5172-4367-a6bd-0960811980f9

وقد تناولت الباحثة نتالي مونتل، في الكتاب حقبة العشر سنوات التي استغرقتها عملية حفر قناة السويس، أي منذ بداية أول ضربة فأس لفلاح مصري، حتى إقامة حفل الافتتاح الذي دعا إليه الخديوي إسماعيل، ملوك وأمراء العالم.

فقد كانت ورشة حفر قناة السويس مسرحاً للثقافة التقنية الإدارية ومركزاً للابتكار ومعملاً لدراسة ممارسات العاملين، كل هذا قد تمّ على خلفية مصرية فيها خديوي ضعيف، وشعب مكوي بالشقاء.

وتصف الباحثة الفرنسية، ورشة العمل في حفر قناة السويس بنوعين من الحياة، أولهما محدثة بالمطاعم والمخابز ومحلات بيع المشروبات والمغاسل والمقاهي، وحتى البارات للصفوة الأجنبية وجزارات وورش خياطة وصالونات حلاقة وحمامات للخواجات، وحياة أخرى بائسة، لعمال السخرة المصريين من عشش قماش وجفاف وقهر ومذلة، وكانت النشرة الصحية للأمراض الأكثر انتشارًا، كانت هي التهاب الكبد والدوسنتاريا والرمد وأوجاع المعدة لكن كل ذلك يهون إلى جانب الكوليرا التي ظهرت في مايو 1865 وانتشرت في السويس مع وصول الحجاج.

لم يكن افتتاح قناة السويس العام 1869 مجرد حدثاً عادياً، بل كان عالمياً صاحبه العديد من القصص الغريبة والطريفة، بل والمأساوية أيضًا، إذ كان هذا الحدث شاهد على العصر لفترة من أهم فترات مصر، في العصر الحديث، فقد شهد ظلم وجبروت الخديوي محمد سعيد، وضعفه أمام ديليسبس، صاحب فكرة حفر القناة، فقد أغرق مصر في ديون ضخمة، ثم جاء الخديوي إسماعيل ليكمل الدور فيقوم ببيع نصيب مصر من أسهم قناة السويس بثمن بخس، من أجل سداد الديون، كما شهد أيضاً الدور الوطني الرائع الذي قام به الزعيم الوطني محمد فريد مع جميع فئات الشعب من منع إصدار قانون لمد امتياز قناة السويس، والتي كانت إنجلترا تريد تمريره مع الخديوي إسماعيل، دون علم الشعب المصري، وبمساندة من وزير المالية وقتها بطرس غالي، الذي اغتاله المواطن إبراهيم الورداني، بسبب أعماله وأفعاله ضد الوطن.

ويعد المصور الفرنسي ”إدوار ريو“، من أشهر رسامي فرنسا، بل والعالم، وكان يستعين به كبار الكتاب ليزود كتبهم برسومه الهامة والمعبرة، وقد كان ”إدوار ريو“ شاهد عيان على وقائع الافتتاح الأسطوري لقناة السويس مع الصحفيين المدعويين، وقام برسم كل الأحداث من رؤية عينيه، بل ورسم أيضًا بعض الشخصيات التي حضرت الحفل مثل الإمبراطورة أوجيني، وديليسبس والخديوي إسماعيل بالطبع، وغيرهم من الشخصيات الهامة، ليخرج لنا صوراً تكاد تكون ملتقطة بعدسة كاميرا حساسة، صوراً في غاية الروعة والجمال، تظل بالفعل شاهدًا على هذا الحدث الهام، هذه الصور التي اهتم بها مركز الخطوط بمكتبة الإسكندرية وجمعها في إسطوانتين حفظت في أرشيف المكتبة كوثيقة هامة وشاهد على حدث افتتاح قناة السويس.

fb6a7045-1caa-4117-91c8-ece13101d15b

وقد كانت أهم أحداث حفل الافتتاح التي سجلها ”ريو“، كفنان وبحس صحفي هو حضور الإمبراطورة ”أوجينس“ زوجة نابليون الثالث، وكانت أول من حضر لرؤية الحفل من الملوك والملكات، حيث أتت قبل الحفل بثلاثة أسابيع لتتفرج على معالم مصر وكان لموكبها في النيل، وهي صاعدة نحو الأقصر مشهد حافل، ذكره الشاعر حافظ إبراهيم بعد ذلك بأربعين سنة، وكانت أوجيني قد عزلت وقسا عليها الزمان، وألمت بمصر وحيدة وقد أحنى الدهر ظهرها، لتدفئ شيخوختها بشعاع من شمس مصر، ورآها الشاعر فرق لحالها وقال قصيدة يسترجع بها أيام العز الذى كان ويتحسر على صروف الزمان.

وشملت قوائم الطعام الذي قدم في ليلة الافتتاح على كل من سمك ولحوم بقرية مشوية على الطريقة الإنجليزية على قاعدة جيلاتينية من مدينة بيريجيه، ولحوم خنزير مملح مزخرف بلحوم صيد، وطيور لحم على الطريقة دورساي، ولسان بقر مسلوق بالبخار على الطريقة الإنجليزية، ومهلبية لحم أو سمك من مدينة نيراك، ومهلبية سمان وفيليه الثور على طريقة الإمبراطور، وسلطة جمبري بالجرجير إسبارج إيطالي بالزيت، وفخذ ظبي بطريقة سان هنتار، وديك رومي مضاف إليه رفت الرعد، طائر فاسينوس بالجرجير، طير محشي سمان، والحلو بسكويت مزخرف من إقليم سافرا نابوليتان وجيلاتي وبودنج بالبسكويت والكريمة ومثلجات.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com