ما هو العامل المشترك بين القردة قديمًا والإنسان؟

ما هو العامل المشترك بين القردة قديمًا والإنسان؟

المصدر: داليا أبو الخير – إرم نيوز

يقضي البشر وقتاً أقل في اللهو واللعب حين يتقدمون في العمر، وفي دراسة نشرت الخميس الماضي تبين أن القردة تتصرف بالمثل.

وإذا كنت قد قضيت وقتاً مع جدك أو مع والدك المتقاعد أو كنت أنت نفسك قد تقدمت في العمر، ستلاحظ أن الإنسان يزداد ضجراً كلما تقدم في العمر. ستجد البعض منهم يرتاد ذات المطعم في ذات اليوم من كل أسبوع، والبعض الآخر ينزعج بسرعة من الضوضاء ومن ثرثرة الغرباء حولهم، وستجد بعض كبار السن يفضلون مشاهدة التلفاز بصمت على اللعب مع أحفادهم في الخارج.

ولكن ما علاقة القرود بكل هذا، فهم ليسوا بشراً، إنهم بلا شك أسلافنا القدماء الذين يفصلنا عنهم 25 مليون عام من التطور، مع ذلك فهم أقرب إلينا مما نظن، فقد أثبتت دراسات أن القرود تتصرف بانعزالية أكثر وتصبح ضجرة عندما تتقدم في العمر.

وتقول ألكساندرا فرويند الأخصائية النفسية في علم التطور في جامعة “زيورخ” وأحد العلماء الذين عملوا على البحث المنشور على موقع “كرنت بيولوجي”: “يدلنا هذ الاكتشاف أن البشر ليسوا مميزين في الطريقة التي يتصرفون فيها اجتماعياً عند الشيخوخة، فهناك جذر مشترك في تلك التصرفات تطورت لدى النوعين”. مما يؤكد أن تغير السلوك البشري مع التقدم في العمر يحمل أصولاً بيولوجية”.

ويدأب باحثون وعلماء منهم الطبيبتان “فرويند” و”جوليا فيتشر”، اللتان تدرسان الإدراك لدى الرئيسيات أو الحيوانات الراقية، في مركز إدراك الرئيسيات في جيوتنجن في ألمانيا، ويسعى هؤلاء العلماء إلى البحث للتعرف على مدى تأثير العمر على سلوك حوالي 100 من قرود الـ”مكاك” غير المنضبط، التي تعيش في حديقة مساحتها 50 هكتاراً جنوبي فرنسا.

ولاحظ العلماء في بحثهم ردود أفعال القرود التي تتراوح أعمارها ما بين 4 إلى 29 عامًا أي ما يوازي 105 سنوات بعمر البشر، للأدوات الحسية كالألعاب الجديدة والأعواد التي يعلق عليها الطعام، إضافة إلى دراسة ردود أفعالهم خلال التواصل الاجتماعي مع أفراد المجموعة، كتنظيف الأصدقاء أو الشجار معهم، وتابعت الدراسة كذلك ردود فعل القردة على استقبال المعلومات الاجتماعية المتمثلة في صور أو نداءات الأصدقاء والغرباء.

ووجد الباحثون أنّ اهتمام القردة بالألعاب تضاءل مع بداية مرحلة التناسل والإنجاب لديهم، وعند وصول القردة إلى سن العشرين، وهو سن التقاعد تقريباً مقارنة بالبشر، يقل تواصلهم الاجتماعي مع من حولهم.

وما أدهش العلماء حقاً أن ذلك السلوك لم ينبع عن نفور المجموعة من القرود الأكبر سناً مثلاً، فقد لاحظ العلماء أن القرود الأصغر لا زالت تقترب من تلك الأكبر عمراً وتتودد إليها. كما لم يكن سلوك القردة على هذا النحو نتيجة عدم استثارة القردة الأكبر عمراً لأي حدث يجري حولها، فقد استجابت تلك القردة للصور وكانت تطلق أصواتاً عدائية عند حدوث شجار، وتقول الدكتور فيشر: “لا تزال تلك القردة على دراية تامة بما يجري من حولها، لكنها لم تعد ترغب في الانخراط في محيطها مثل قبل”.

وتؤكد الدكتورة فرويند أن تلك السلوكيات مشابهة جداً لسلوكيات البشر.

وتفسر النظرية النفسية الأكثر شيوعاً سلوك البشر حيث نميل إلى أن نصبح انتقائيين فيما يتعلق بخياراتنا عندما نكبر، ذلك أننا مدركين أنه لم يعد أمامنا الكثير من الوقت فالموت يقترب مع دقات الساعة.

ولكن في حالة القردة الذين يتمتعون بذاكرة حادة وليس هناك ما يؤكد من دراسات أن القردة تعي تماماً اقتراب الموت منها عندما تتقدم في السن. فتشير “فيشر” إلى أنه إن كان كل من البشر والقرود يتصرفون بنفس الطريقة، إذاً تلك النظرية ما هي إلا طريقة لتفسير إحدى الظواهر الطبيعية بربطها بالأصول البيولوجية.

وتضيف الدكتورة أنه من المحتمل أن البشر والقرود يفقدون القدرة على التحمل مع التقدم في العمر، فقد تتصرف القردة بهذا الشكل لأن لا جلد لديها للانخراط في علاقات سلبية أو لا جدوى منها.

تفسير آخر لهذه الظاهرة هو ما تحاول الأبحاث فك أسراره حالياً، وهو أن القردة الكبيرة في العمر تميل للابتعاد عن المخاطر عموماً مما يدفعها لأن تقلل من تواصلها اجتماعياً مع مجموعتها، وهذا نفسه ما يحدث على ما يبدو في المجتمعات البشرية.

ومهما كان السبب وراء ذلك السلوك المشترك بيننا وبين تلك السلالة بعيدة القرابة بالبشر، فهناك أمر واحد ينبغي أخذه فالحسبان هنا، مثلما تؤكد الدكتورة فرويند: “سلوكياتنا الناتجة عن محض إرادتنا واختياراتنا قريبة أكثر مما نظن بسلوكيات أسلافنا من الحيوانات الراقية”.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

محتوى مدفوع