الطفل السوري في تركيا.. العمل من أجل البقاء

الطفل السوري في تركيا.. العمل من أجل البقاء

المصدر: شوقي عبدالعزيز - إرم نيوز

لم يكن أمام الطفل السوري أحمد، من حلّ سوى العمل ليواجه به الفقر واللجوء، بعد أن رأى والده وهو يموت أمام عينيه بسبب إصابته قبل 4 سنوات في القتال الدائر في سوريا.

أحمد سليمان، كان واحداً من آلاف الأطفال الذين فقدوا حقهم في التعليم، والعيش بحياة كريمة، لينضاف العمل إلى قسوة اللجوء.

وفي هذا الصدد، نشرت صحيفة ”نيويورك تايمز“ الأمريكية، تحقيقاً عن أوضاع أطفال سوريا الفارين إلى تركيا، وسلطت الضوء على وضع أحد الأطفال، متخذة من قصة أحمد نموذجاً على واقع الطفولة الصعب.

وقالت الصحيفة إنه عندما كان الطفل أحمد سليمان في التاسعة، شاهد والده وهو يموت بسبب إصابته في القتال في سوريا، وبعد مرور 4 سنوات على هذا الحادث، يعمل أحمد الآن لمدة 12 ساعة يومياً في مصنع رطب وردي للنسيج في أسطنبول، نظراً لأنه المُعيل الأساسي لأسرته التي فرت إلى تركيا بعد وفاة والده.

وذكرت ”نيويورك تايمز“، أن أكثر من مليون طفل سوري يعيشون حالياً في تركيا، والآلاف منهم مثل أحمد، يعملون في ورش أو مصانع أو حقول الخضراوات، بدلاً من التحاقهم بالفصول الدراسية، وأصبحوا ضمن الجيل الضائع من الشباب بسبب الحرب الدائرة في سوريا.

ومثل كثيرين آخرين في وضعه، يدفع أحمد ثمناً باهظاً ويكدّ من أجل سد حاجة عائلته، حيث قالت أمه زينب سليمان، البالغة من العمر 33 عاماً: ”أريد أن أرسل أحمد إلى المدرسة؛ لأنه لا يعرف القراءة والكتابة ولا يستطيع فهم لوحات الحافلات، ولكن ليس لدي خيار، هو مضطر للعمل من أجل أن نعيش“.

كثير من الأطفال الذين يصلون إلى تركيا، فقدوا بالفعل عدة سنوات دراسية بسبب الحرب، وذكرت منظمة ”اليونيسيف“ أنه قبل اندلاع الحرب كان 99% من الأطفال السوريين يتلقون تعليمهم في المدارس الابتدائية و82% في المدارس الثانوية.

أما اليوم فهناك ما يقرب من 3 ملايين طفل سوري خارج المدرسة، وبالنسبة لمن هم في تركيا فقد أصبحت الفجوة التعليمية كبيرة ومستمرة.

وفي حين وصل أكثر من مليون سوري إلى أوروبا، إلا أن أكثر من ذلك بكثير – حوالي 3 ملايين إجمالاً، بما في ذلك أسرة أحمد- اضطر بسبب الفقر للبقاء في تركيا حيث يظل مستقبلهم قاتماً.

واستهدف الاتفاق الأخير بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، للحد من تدفق الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، حماية السوريين من الموت في بحر إيجة وتحسين ظروف من يعيشون في تركيا من خلال تقديم أوروبا مساعدات بمليارات الدولارات.

وكان من المفترض أن تساهم هذه المساعدات على التحاق المزيد من الأطفال بالمدارس، ومنح آبائهم تصاريح عمل.

ولكن بدلاً من ذلك، ربما انهار الاتفاق بسبب مسألة لا علاقة لها بمحنة السوريين؛ حيث رفضت تركيا تعديل قوانينها المتعلقة بمكافحة الإرهاب في مقابل سفر المواطنين الأتراك إلى أوروبا بدون تأشيرة، وقد ترك هذا المأزق مستقبل السوريين في تركيا أكثر غموضًا.

وأنفقت تركيا حتى الآن مليارات الدولارات لرعاية اللاجئين السوريين وتوفير الرعاية الطبية المجانية لهم والتحاقهم بالتعليم، ولكن مازال أكثر من 400 ألف طفل سوري غير قادرين على الالتحاق بالمدرسة؛ لأن معظم العائلات السورية تعيش في مخيمات نائية، ومعظم هذه العائلات تعاني من الفقر وتكافح من أجل الحصول على عمل يعطي مقابل، يساعد في تغطية تكاليف الاحتياجات الأساسية من الغذاء والملبس والإيجار والمواصلات.

من جانبها، قالت سيلين أونيل، المتحدثة باسم برنامج الأمم المتحدة للاجئين في تركيا، إن هناك عوامل أخرى تمنع الأطفال من الالتحاق بالمدرسة، تشمل الحواجز اللغوية ومشاكل تتعلق بإجراءات التسجيل وبالمواصلات.

واشترطت الحكومة التركية في يناير / كانون الثاني الماضي، حصول السوريين على تصاريح عمل بهدف المساعدة في وقف عمليات الاستغلال في سوق العمل، حيث يتمكن الآباء من كسب أموال تكفي لإرسال أطفالهم إلى المدرسة، ولكن لم يحصل سوى 10300 سوري على تصاريح عمل في ظل اللوائح الجديدة، وذلك يرجع أساساً؛ لأن أصحاب العمل الأتراك كانوا مترددين في منح عقود تتطلب منهم دفع الحد الأدنى للأجور، بحسب ما ذكرته وزارة العمل.

واعترف مسؤولون أتراك، بالمشاكل التي تنطوي عليها قوانين العمل، وتعهدوا بزيادة عدد عمليات تفتيش مواقع العمل للمساعدة في تطبيق اللوائح الجديدة، التي تستهدف توفير دخل أعلى والقضاء على عمالة الأطفال.

من جهتها قالت والدة أحمد، وفق الصحيفة، إنها لم تسمع عن مسألة تصاريح العمل، واضطرت مؤخرًا إلى ترك عملها في غسل الأطباق بأحد المطاعم بعد أن عاقبها رئيسها في العمل عندما اشتكت من أن أجرها الأسبوعي البالغ 90 دولارًا تأخر دفعه لمدة شهر.

ويذهب معظم الأجر الأسبوعي الذي يتقاضاه أحمد، والبالغ 60 دولارًا، إلى دفع 270 دولارًا إيجار الغرفة الضيقة التي يعيش فيها مع والدته و3 أشقاء في حي ترلباسي في اسطنبول، والذي يقطنه سكان ذوو دخل منخفض.

يغادر أحمد المنزل في 8 صباحاً طوال 6 أيام في الأسبوع، ويذهب إلى مصنع الغزل والنسيج القريب منه؛ حيث يقضي هناك أيامه في تجهيز القمصان وسط أصوات ماكينات الخياطة المزعجة، ويأخذ استراحة لمدة 30 دقيقة وقت الغداء، واستراحة مرتين لمدة 15 دقيقة لشرب الشاي مع البسكويت الذي يشتريه من الـ80 سنتًا الذي تعطيها له والدته كل يوم.

وقال أحمد، وهو يبتسم إلى زميله الكردي الذي يساعده في وضع علامات على طابور من القمصان: ”أنا مبسوط بهذا العمل ولم تتم معاملتي بشكل سيئ.. كان يجب علي رعاية أسرتي، وهذه هي الطريقة الوحيدة للقيام بذلك“.

وكان أحمد يحلم وهو في سوريا، أن يصبح مغنيًا، وقال: ”في الحقيقة أنا لدي صوت جيد، أنا أتحدث بجدية، فأنا أغني لزملائي في العمل وهم يحبون ذلك“.

لكن عندما سئل عن أفضل وظيفة بالنسبة له، أوقف أحمد ابتسامته وقال ”المنقذ“ ، وأضاف: ”أريد إنقاذ كل الناس من الفقر؛ لأنني فقير ولا أريد لأحد أن يمر بالظروف التي مررت بها“.

وقال أحمد، إنه من أجل تحقيق هذا الهدف يعلم أنه يحتاج إلى الالتحاق بالمدرسة، وأضاف: ”هذا هو الطريق الوحيد لكسب الكثير من المال“.

واعترف مدير المصنع بأن أحمد كان صغيراً جداً على العمل، وكان يجب أن يكون في المدرسة، ولكنه قال إنه وظف أحمد ليس لأن أجره صغيرًا، ولكن لأنه كان يريد أن يساعده.

أحمد هو الطفل الوحيد الذي يعمل في المصنع، ولكن في حي ”زياتنبرنو“، وهو أحد مراكز صناعة النسيج في اسطنبول، نجد أن عمالة الأطفال متفشية بشكل كبير.

وفي إحدى ورش العمل المليئة بالأطفال، كان هناك طفل يبلغ من العمر 11 عاماً، يشعر بالحرج من وجوده، وعندما أدرك أن مدير العمل كان يراقبه لذلك، نظر الولد بعيدًا وركز على قطع الأقمشة وطي الملابس.

وكان يوجد بجانبه عامل على ماكينة الخياطة، واسمه عبدالرحمن يبلغ من العمر 15 سنة، والذي قال إنه ليس لديه فكرة عن الأجر الذي يتقاضاه؛ لأن أجره يذهب مباشرة إلى عائلته، وكان هناك شقيقان سوريان هما بصر، 16 عامًا، ومحمد نور، 15 عامًا، يقومان بمسح أرضية الورشة، وقد جاءا إلى تركيا وحدهما من حلب لكسب المال وإرساله ثانية إلى أسرهما.

ويبلغ أجرهما معاً حوالي 250 دولارًا في الشهر، ويقومان بإرسال 200 دولار منها للأسرة، ولأنهما غير قادرين على تحمل ايجارات السكن يتم السماح لهما بالنوم تحت المقاعد الموجودة في المصنع على أسرة بها بطانية واحدة وقطعة قماش قديمة يتناوبان النوم فيها.

وبالعودة مرة أخرى إلى ترلباسي، نجد أن أم أحمد قد توصلت إلى طريقة تسمح لها بإرسال طفليها الصغيرين إلى المدرسة، وقالت إنها سوف تزوج ابنتها ”آيلا“ البالغة من العمر 15 عامًا إلى رجل كردي يبلغ من العمر 22 عامًا، والذي عرضت عائلته إرسالها إلى المدرسة ومساعدة أسرتها ماليًا.

وأضافت: ”بهذه الطريقة يمكن إرسال الطفلين الصغيرين للمدرسة، بينما أظل أنا وأحمد في العمل“.

وعندما سئلت آيلا عن شعورها بالزواج، نظرت إلى أظافرها الملونة وقالت: ”لم أعش التجربة بعد، لكني لست خائفة .. أنا سعيدة بذلك وأريد أن أتزوج من أجل أسرتي“.

ووجهت السيدة سليمان نظرة قلق إلى ابنتها، مشيرة إلى أنها ”لا تعرف أي شيء حتى الآن، ولكن ما هو الخيار الذي نملكه؟ هذا هو قدرنا“!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com