تونس.. 1600 حالة إنجاب خارج إطار الزواج

تونس.. 1600 حالة إنجاب خارج إطار الزواج

المصدر: محمد رجب - إرم نيوز

قبل نحو أسبوع، أوردت القناة الوطنية الأولى خبراً مؤلماً في نشرة الأخبار تمثّل في احتراق طفل ثلاث سنوات، بعد أن ربطته أمّه العزباء (درّة، 37 سنة) في سريره، ونزلت من الشقة التي تسكنها في مدينة نابل، شرق تونس، بعد هروبها من عائلتها، لقضاء بعض الشؤون الخاصة ومن سوء حظها، ومن قساوة القدر أحياناً، وجد الطفل الصغير“ولاّعة“ بجانبه، فلعب بها دون دراية بما كان ينتظره..اشتعلت الحشيّة التي كان الطفل جالساً عليها، وهو مربوط إلى سريره، ولم يتمكّن الجيران لمّا تفطنوا إلى ألسنة النيران تخرج من الغرفة، من إنقاذ الطفل البريء الذي التصق لحمه الطريّ بتلك الحشية.

هذه الحادثة المؤلمة، أعادت مسألة ”الأمهات العازبات“ إلى سطح الأحداث من جديد، قضية ما إن تهدأ قليلاً، حتى تطفو بقوّة على ساحة الأحداث الاجتماعية والسياسية في تونس، لا لشيء إلاّ لتفاقمها وتحوّلها إلى ظاهرة حقيقية تؤرّق المجتمع التونسي، المحافظ، ولكن لأسباب عدّة، لم يكن بالإمكان تطويق الظاهرة، وإيجاد الحلول الكفيلة للقضاء عليها.

صور مؤلمة من الحياة

”لطيفة“ طالبة قدمت إلى تونس العاصمة، لمواصلة دراستها الجامعية، سقطت في حبال أحد ”الذئاب البشرية“، الذي وعدها بالزواج، وإنجاب الأطفال، وبناء أسرة، وكان له ما أراد.. ولما تأكد من أنها حامل، أنكر علاقته بها، ولم تستطع ”لطيفة“، أن تحول دون الولادة، فأنجبت طفلاً، استطاعت أن تتخلّص منه في سلّة قمامة.

أما ”يمينة“، تلك المعينة المنزلية القادمة من الريف إلى أضواء المدينة، وهي التي تتمتع بجمال ونضارة ونقاوة جبال منطقة قريبة، نزلت عند إحدى العائلات الميسورة، تقوم بشؤون المنزل من تنظيف وغيره، وتعرّفت إلى أحد الشبان الذي أعجب بجمالها، وكغيره اعتمد المراوغة سبيلاً للوصول إلى هدفه، ووعدها بالزواج وحصل المحظور، فساعدها الشاب على دفع تكاليف عملية الإجهاض، ونجحت لكنها أعادت الكرّة، وفي هذه المرّة، اختفى الشاب لفترة قبل الوصول إليه، ورفض الزواج بها، فكان مصيره السجن، أما هي فقد رفضت العودة إلى قريتها وأهلها من جديد، خوفاً على حياتها، بعد أن طردتها العائلة الميسورة، وواصلت حياتها تحت أضواء المدينة، في حرية تامة، من حضن إلى حضن.

وتقول ”رتيبة“ وهي طالبة، قبل سنوات، اتفقت مع زميلها في نفس الشعبة العلمية، بإحدى كليات تونس، على الزواج العرفي.. تواصل ”رتيبة“ بشيء من الحرقة والألم ”بعد فترة أولى من التعارف، تم الاتفاق والتوافق بيننا، وتزوّجنا فعلاً.. لست أدري ما الذي جعلني أوافق على مثل هذه الزيجة التي يرفضها المجتمع التونسي برغم انتشارها في الوسط الطلّابي أساساً،..وتفاقمت المشاكل خاصة لمّا أصبحت حاملاً، ..ولم نكن قادرين على تحمّل نفقاتنا،..غادر زوجي العرفي مقاعد الجامعة وبدأ يركّز على العمل، ولم يكن قادراً على الجمع بين العمل والدراسة، بدوري كنت أواصل دراستي، ولكنّي لما انتفخت بطني لم أعد قادرة على العودة إلى بيت عائلتي في إحدى مدن الجنوب التونسي..ووجدتني بين صراعات وضغوطات تتماوج في غير رحمة، لم أستطع المقاومة خاصة لما أصبحنا عاجزين عن توفير تكاليف مستلزمات الحياة..وغادرنا الشقة مكرهين، وعدنا إلى السكن الجامعي، بعيدين عن بعضنا..قاطعت الدراسة..ولم أجد الحلّ المناسب، ولمّا اقترب موعد الوضع، ابتعد عني زوجي ”العرفي“، بحثت عنه، دون جدوى، بقيت وحيدة أصارع المشاكل المحيطة بي من كل جانب، أخيراً وضعت طفلي في المستشفى، وبعد يومين، تركته هناك وغادرت، إلى أين..لست أدري..“.

”أميرة“، خلال مرحلة المراهقة، تعرضت إلى الاغتصاب، بعد ذلك تعرفت إلى شخص، وبقيا يعيشان معاً لفترة قصيرة، بغرض الزواج، ولكن، كغيره، وبعد أن أصبحت حاملا، لم تعد تراه، ورغم ذلك، لم تفرّط في طفلها وتحمّلت مسؤوليته، حتى عملية الوضع، والآن كبر ابنها، وهي تعمل في أحد النزل السياحية، في مدينة ساحلية.. لم تتوقف ”أميرة“ عن التعرف إلى الأشخاص، فأعادت الكرّة، ثانية، بل ثالثة، ولم تنجح في أيّ من“العمليات الثلاث“، وهرب الجميع، وبقيت ”أميرة“ تصارع الزمن، وتتابع قضاياها في المحكمة.

إحصائيات مفزعة

تشير آخر الإحصائيات إلى 1600 حالة إنجاب خارج إطار الزواج، سنوياً، دون اعتبار نحو 10 آلاف حالة إجهاض، تتمّ في المصحات الخاصة، أكثر من 500 حالة لهؤلاء الأمهات العازبات من هنّ في سنّ المراهقة، ودون السابعة عشرة. ظاهرة اجتماعية بدأت تتفاقم في المجتمع التونسي، وخاصة في المدن الساحلية، التي تزدهر فيها الهجرة الداخلية.

مئات الأطفال الذين ينجبون خارج إطار الزواج، تتكفل بهم الدولة ليعيشوا في مراكز للأطفال فاقدي السند ”أولاد بورقيبة“.

تقول الدكتورة سعاد السعداوي ”تصلنا حالات عديدة في المستشفى، ونحن نعمل على العناية بهؤلاء الأطفال فاقدي السند، وتتمّ عمليات التبنّي وفق الضوابط القانونية، وبحكم قضائي من المحكمة، لعائلات ترغب في تبنّي هؤلاء الأطفال، الذين تتركهم أمهاتهم في المستشفى بعد وضعهم“.

وتواصل ”من لا يجد من يتبنّاه، يوجه إلى مراكز رعاية الأطفال فاقدي السند، حيث يجدون العناية والرعاية“.

وتعمل العديد من الجمعيات المدنية على مساندة الأطفال فاقدي السند، من ذلك جمعية أمل للعائلة والطفل، ومبيت ”بيروني“ للأمهات العازبات، وتهدف إلى مساندة العائلة الأحادية الجانب، ومقاومة ظاهرة التخلي عن الأطفال المولودين خارج إطار الزواج، والعمل على تحقيق الاستقلالية والإدماج الاجتماعي والمهني للأم العزباء ومساعدتها وإيوائها وطفلها، وتوفير الحاجيات الأساسية، إلى جانب الإنصات والتعهد النفسي.

وفي مؤتمر صحفي عقد في كانون الأول 2015، قال رئيس جمعية ”أمل“، مالك كفيف إنّ عدد الأطفال خارج إطار الزواج يصل إلى حدود 1500 طفل سنوياً، مشكّكاً في صحة الإحصائيات الرسمية، التي كشفت في نفس المؤتمر إلى أنّ العدد لا يتجاوز 800 حالة تقريباً.

وأشار كفيف إلى وجود ولادات أخرى عديدة، لا يعلن عنها، بسبب التهرّب من الفضيحة، حيث يعتبر المجتمع التونسي هذه الحالة ”عاراً“، تعاقب عليه العائلة.

وهذا ”العار“ يجعل عديد من الفتيات، وبعد أن يقعن في المحظور، يهربن من العائلة، ويعشن منفردات، أو يبحثن من جديد، عن سقف جديد، وزيجة جديدة، تنهار قبل أن تنطلق رسمياً، وتبدأ المأساة الحقيقية.

الأمّ العزباء والقانون

ينصّ الفصل 227 مكرر من المجلة الجنائية على أنّ ”الحمل والمعاشرة لا يولّدان حق الأم العزباء في مطالبة الأب بالزواج بها“.

ويبقى بإمكان الأمّ العزباء إقامة دعوى قضائية على الأب البيولوجي للمطالبة بالنفقة وإعالة الطفل.

وأقرّ الفصل الأول من القانون المؤرخ في 28 أكتوبر 1998، وبعد أن تمّ تعديله بمقتضى قانون 7 جويلية 2003 والمتعلق بإسناد لقب عائلي للأطفال المهملين أو مجهولي النسب، منح المولود الحق في النفقة والرعاية من ولاية وحضانة ما لم يبلغ سن الرشد أو بعده في الحالات المخولة قانوناً، كما يمكن للأم أن تطالب بالترفيع من نفقة ابنها. ويترتّب عن الأبوّة البيولوجية آثار قانونية ثابتة، لا يمكن المساس بها كالحق في النسب والحق في النفقة والرعاية، لكن القصور يكمن في حرمان الطفل المولود خارج الرابطة الزوجية أو خارج الفراش الطبيعي من الإرث.

في نفس الإطار، فقد نظم المشرّع التونسي عملية الإجهاض وقننها وبيّن شروط جوازها، حيث يجيز الفصل 214 من المجلة الجزائية قطع الحمل عمداً في حالتين، الأولى إن لم تتجاوز مدة الحمل ثلاثة أشهر ، وفي الثانية يرخص الإجهاض بعد ثلاثة أشهر إذا كان يخشى أن يتسبب تواصل الحمل في انهيار صحة الأم.

وفي كلتا الحالتين، يجب القيام بعملية إسقاط الحمل بمستشفى أو بمصحة مرخص لها وبواسطة طبيب مباشر لمهنته بصفة قانونية تجنباً لأيّ خطر على صحة الأم.

ويعاقب القانون في غير هاتين الحالتين، من ذلك استعمال كلّ الوسائل من أطعمة ومشروبات وأدوية أو وسائل أخرى لإسقاط الحمل ويعاقب بالسجن وبالخطية أو بإحدى العقوبتين الأم المعنية بالأمر ومن ساعدها أو أشار عليها بذلك.

عوامل اقتصادية وثقافية ونفسية

وتقف وراء ظاهرة الأمهات العازبات عوامل اقتصادية وثقافية واجتماعية، فقد أكدت الأخصائية الاجتماعية كريمة الرويسي، أنّ هذه العوامل تقف وراء الظاهرة.

وأضافت، بناء على دراسة ميدانية، تضمّنت عيّنة من ثلاثين أمّاً عزباء، أنّ عدداً كبيراً من الأمهات العازبات يعشن ظروفاً اقتصادية واجتماعية صعبة جداً، ويعيش 75 بالمائة منهن في حالة بطالة، أو  يعملن بشكل موسمي.

وأشارت الرويسي إلى أنّ نسبة كبيرة من هؤلاء الأمهات، أردن الانعتاق من أوضاع معيشية صعبة، في بداية حياتهن، فخرجن للبحث عن العمل، ويحلمن العيش في وضعية أحسن، لكنّ طموحهنّ، الذي لا حدود له، يجعلهن يقعن، وبسرعة ضحية، لمن يصطاد مثل هذه الحالات، وعندما يقعن في الخطأ، لا يمكن لهنّ العودة إلى الوراء، لوجود مجتمع وراءهن، يرفض مثل هذه الزيجات، والعلاقات غير الشرعية، فيواصلن في نفس النهج، ووفق نفس الأسلوب.

وتضيف الأخصائية الاجتماعية أنّ ثلث الأمّهات العازبات لم يتجاوزن المرحلة الابتدائية، وهو ما يزيد من خطر وقوعهن في مثل هذه الظاهرة المنبوذة اجتماعياً.

والكثير من هؤلاء، ونتيجة لغياب الحوار داخل العائلة، يهربن بحثاً عن مكان أفضل، وهنّ في مراحل جد دقيقة، من حياتهنّ، فيقعن بالتالي، وبسهولة، ضحايا، فيمثلن عبئاً على المجتمع.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com