نصائح من الصينيين.. نحو اكتشاف النفس ووعي أفضل – إرم نيوز‬‎

نصائح من الصينيين.. نحو اكتشاف النفس ووعي أفضل

نصائح من الصينيين.. نحو اكتشاف النفس ووعي أفضل

المصدر: حنين الوعري – إرم نيوز

لا شك أننا جميعاً نمر بلحظات نشعر معها بصعوبة التأقلم مع ما هو حولنا، خصوصاً أن العقل البشري القائم على الأسئلة يظهر متعباً أمام الأجوبة الضائعة التي نحتاجها لإمضاء ساعات أيامنا بشكل سلس وأقل ضرراً.

لذا كان الفلاسفة الصينيون على ما يبدو أذكى من تعامل مع الحياة اليومية بواقعية وبساطة، ما جعل شروحاتهم التي دونت قبل 3 آلاف عام تقريباً الأكثر أهمية حتى يومنا هذا.

ويصدم الكثير منا عادة لمعرفة أن كونفوشيوس، ومينسيوس، ولاوتزه وغيرهم من الفلاسفة الصينيين القدماء لم يكونوا تقليديين متزمتين، ويبرهنون فكرة إلزام الفرد نفسه بدور اجتماعي من شأنه أن يوصله إلى أكبر منفعة له. كذلك لم يكونوا حكماء هادئين يدعون إلى التعايش المتناغم مع الطبيعة، بل كانوا مفكرين ثاروا على تقاليد مجتمعاتهم. وسعوا لجعل العالم مكاناً أفضل بتوسيع نطاق قدرات الإنسان.

وتكشف تعاليمهم أن العديد من فرضياتنا الأساسية حول الآلية التي يجب علينا أن نعيش حياتنا بناءً عليها قد قادتنا نحو الضياع. لذلك نتساءل، ما هي هذه الأفكار التي نتمسك بها نحن، وما هي البدائل التي يقترحها الفلاسفة الصينيون؟

!لا تبحث عن ذاتك

نشرت صحيفة ”ذا غارديان“ البريطانية مقالاً تناولت فيه مفهوم البحث عن الذات في عالمنا المجرد، وهو الأمر اعتبره الصينيون منذ قديم الزمان سبباً في هدر الوقت وإضاعة الجهود على أمر صعب المنال.

وتقول الصحيفة إنّ الافتراضات المشهورة التي تعتبر أنه يجب على الإنسان أن يبحث في داخله عن ذاته ويكتشف حقيقة نفسه. باتت أقل منطقية مع توصل مفكري اليوم لنتيجة مفادها أن الإنسان بطبيعته ذو أوجه متعددة، وذواتنا مشوشة وفوضوية وأننا نطور ذواتنا من خلال التطلع للخارج وليس بالنظر في الداخل.

وبين المفكرون أن شخصياتنا تتشكل نتيجة لكل ما نفعله؛ من تفاعلنا مع غيرنا وردود أفعالنا على الأمور التي نواجهها بالإضافة للأنشطة التي نسعى لها. فأنت لا تتصرف وأنت تتحدث مع أمك بطريقة مشابهة لطريقة تعاملك مع أحد زملائك في العمل أو الدراسة مثلاً، أو حتى صديقك المقرب.

!كن ممثلاً

واعتقد كونفوشيوس، أول فيلسوف في التقاليد الصينية الذي ولد في القرن السادس قبل الميلاد بعكس المشهور ”أن علينا تقبل ذاتنا وأن نصبح صادقين معها“. فقد كان يقول بأن المشكلة تكمن في أن الإنسان يرى في ذاته نمطاً ثابتاً من السلوكيات ولكن الحقيقة أنّ ماتراه، مجرد صورة لحظية بنيتها عن ذاتك في هذه اللحظة من الزمن. وإذا بقيت مخلصاً لهذا النمط وأتحت له الفرصة لأن يقودك، ستعيش مقيداً وبلا أي حرية تذكر متناسياً أنك دائم التغيير.

كما أنت.. العالم متقلب أيضاً

كما أننا نرى أن ذواتنا ثابتة، فكذلك هي نظرتنا للعالم مع أننا ندرك بالطبع أن الحياة متغيرة، لكننا نسعى للتقدم في ظل الافتراض أننا قادرون على تنبؤ الأحداث لتحقيق أكبر قدر من التعايش معه.

أما منسيوس، وهو باحث في الكونفوشيوسية عاش في نهايات القرن الرابع قبل الميلاد، كان يرى أن العالم مجزأ ومتقلب. وكان ينصح بالعمل رغم التغيرات والتحولات التي تساهم في تغذية حياتنا الممتدة. بدلاً من وضع خطط لحياتنا، ويدعو منهج منسيوس إلى تحديد اتجاهات حياتية من حين لآخر مع تقلبها.

توقف عن أخذ القرارات جرعة واحدة

يدعو نهج منسيوس إلى تقسيم القرارات الحياتية المهمة والكبيرة إلى قرارات أصغر وأسهل تطبيقاً بدلاً من تقييد نفسك بقرار حياتي مفصلي. فعلى سبيل المثال، عندما تسعى لإحداث تغيير في مهنتك أو تقرر الانفصال عن شريكك أو تغير مكان سكنك، سيكون اتخاذك للقرار أسهل لو قمت بتجربة خبرات جديدة متعلقة بقرارك على مستويات أصغر. وعليك الانتباه جيداً لانفعالاتك وردودك تجاه هذه الخبرات، لأنها سترشدك إلى طرق جديدة.

وعليك أن تعلم أن سبب كون الكثير من الخطط الحياتية خاطئة يكمن في أنك تخطط لمستقبلك وفقاً لذاتك الحالية وليس بناء على ما ستكون عليه في المستقبل.

حافظ على اتصالك بالعالم

افتراض آخر مشهور هو أن الأقوياء ينتصرون. فقد قيل لنا أن علينا الصمود والإصرار في سبيل ما نريده. لكن لاوتزه دعا في كتابه ”داوديجنغ“، إلى القوة في الاتصال بدلاً من قوة الممارسة في العلن. حيث قال إنّ علينا النظر لكل ما حولنا في العالم على أنه متصل بدلا من النظر إليه على أنه مقسم ومختلف، الأمر الذي سيساعدنا في البقاء متصلين مع غيرنا.

حيث يتيح الاتصال مع الغير إحداث نوع جديد من التأثير. فبدلا من استخدام القوة مباشرة على الناس، ستتوصل لمهارة تغيير المواقف، وبالتالي تتمكن من قيادة الناس لكن دون نظرتهم لك على أنك ”مسيطر“ عليهم.

نقاط قوتك ليست كل شيء

يتم تشجيعنا على اكتشاف مواهبنا ونقاط القوة لدينا من أجل تقويتها وبنائها من عمر صغير. فعلى سبيل المثال، إذا كانت ميولك رياضية، تنضم لفريق كرة القدم؛ وإذا كنت تحب القراءة منذ الصغر، تدرس الأدب. ومع تقدمك في العمر تقوم بتنمية هذه الميول حتى تصبح جزءاً من هويتك. لكن إن تطرّفت بهذه العقلية ستتوقف عن القيام بأي شيء آخر.

يشجع الفلاسفة الصينيون على عدم التركيز فيما تحسب نفسك عليه لتتمكن من كسر تصوراتك المسبقة. إذا كنت تعتقد أنك غير رشيق، قم بالاشتراك في دروس رقص. وإذا لم تكن جيدا في اللغات، اغمر نفسك في دروس اللغة الفرنسية. لا يكمن الهدف من ذلك في تقوية نفسك من هذه الجوانب، بل يكمن في أن تعيش حياتك على أنها سلسلة من الأشياء المنفصلة، فبهذا يكمن السبيل لتغيرك مع الوقت.

لا تكن واعياً كما هو معروف

يعتقد الغالبية بمفاهيم الوعي بطريقة معاكسة عن المعنى المراد لها. حيث نسمع أن الوعي سيساعدنا في تحقيق السلام والتناغم في حياتنا ذات الوقع السريع. حيث يتم استخدامها في الوقت الحالي كأداة من أجل الإنتاجية والتأثير من قبل كليات إدارة الأعمال، والمؤسسات وحتى الجيوش.

وبنظرة سطحية لا يبدو الوعي مختلفا عن فكرة كونفوشيوس حول الانتباه للاستجابات العاطفية. لكن يفهم الغالبية الوعي الذي يتضمن النظر لدواخلنا وتقبل ما نجده بشكل منفصل وبدون إطلاق الأحكام بطريقة معاكسة عن المعنى المراد لها منذ البداية. فالبوذية تتبنى عقيدة التجرد من الأنا الذاتية والنظر نحو الداخل، لكن المنظور الكونفوشسي في تنمية الذات مختلف. حيث يعنى بالتفاعل مع العالم وتنمية الذات من خلال هذا التفاعل. ويعتنق مبدأ نشطاً بدلاً من المبدأ غير الفعال من أجل تنمية الذات لتصبح إنسانا أفضل.

أعد التفكير في  كل ما هو تقليدي ومعاصر

تقول الفرضية المعاصرة إننا قد تحررنا من العالم التقليدي القمعي لنعيش حياتنا كما نشاء. لكن إن قمنا بتعريف العالم التقليدي بذاك الذي يتقبل فيه البشر الأمور كما هي بشكل غير نشط من أجل محاولة التأقلم مع النظام الموجود منذ البداية، إذاً فنحن أولئك الذين يوصفون بالتقليديين. فالفرضيات التي نعتبرها صحيحة تقيدنا عن الوصول لأفضل إمكانياتنا.

ويقول كتاب ”داوديجنغ“، إنّ المسارات التي يمكن سلوكها معرّفة بوضوح على أنها ليست الصحيحة الدائمة. فإذا كنت تعتقد بأنك تستطيع وضع خطة ممتازة لحياتك، إذاً اعلم أنك ضللت الطريق. وبدلاً من ذلك اعلم أننا كائنات معقدة يتم سحبنا بشكل مستمر في اتجاهات مختلفة، وأننا ننمو فقط من خلال العمل من تفاعلنا مع غيرنا وردود أفعالنا على الأمور التي نواجهها، بالإضافة للأنشطة التي نسعى لها. وأخيراً، الأفعال الصغيرة التي تصل نفسك بها هي الأهم من أجل بنائك لذات وعالم أفضل.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com