كيف جذبت معلمة فلسطينية أنظار العالم؟ – إرم نيوز‬‎

كيف جذبت معلمة فلسطينية أنظار العالم؟

كيف جذبت معلمة فلسطينية أنظار العالم؟

المصدر: إرم نيوز- آدم لبزو

أثناء درس المعلمة حنان الحروب المعتاد للطلاب في الصف الثاني، دخل صحفي ألماني طويل القامة إلى الفصل، وتقدم نحو المعلمة التي فازت حديثاً بجائزة التعليم العالمية بقيمة 1 مليون دولار أميركي، وفق تقرير لصحيفة ”The New York Times“.

فمنذ الإعلان عن الجائزة التي فازت بها السيدة حنان الحروب في 13 مارس/آذار، تسابق المراسلون الدوليون إليها في منزلها وصفوفها، وقام العديد من المسؤولين الفلسطينيين، بتكريمها بالمهرجانات والدرجات الفخرية. لكن لم يكن الجميع سعيدا بهذا التكريم، فقد اعترض بعض الإسرائيليين على هذا القرار معتبرين السيدة الحروب جزءا من نظام التعليم الفلسطيني الذي يحرّض على العنف، وأشاروا إلى أنّ زوجها كان ساعد على قتل 6 مستوطنين يهود في مدينة الخليل بالضفة الغربية عام 1980. وما زالت الحروب البالغة من العمر (43 عاما) وفي وسط كل هذا الضجيج تواجه التحدي الأساس الذي يواجهه أي مدرس للمرحلة الابتدائية، ألا وهو المحافظة على تركيز الأطفال وتوجيهه نحو فروضهم. في صباح يوم تدريب البالونات، قامت الحروب بوضع أربع علامات تحت وجه أصفر عابس على السبورة، بينما احتوى الوجه المبتسم المجاور على علامة واحدة فقط. وفجأة نهضت فتاة تدعى شروق وقالت: ”لا يا مس! لا! سوف نركز، نعدك بذلك!“، عندها قامت الحروب بالتحدث مع الطلاب حول عدم انتباههم والآثار السلبية لمثل هذا السلوك، ولكن الطلاب وعدوا معلمتهم بتغييره.

كانت الحروب عادت للتو من رحلتها من دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث استلمت جائزة من مؤسسة ”فاركي“ في احتفال ضم نائب الرئيس جوزيف بايدن والأمير ويليام والبابا فرانسيس عن طريق الفيديو.

وقالت المؤسسة: إن اختيار الحروب جاء من أصل 8000 مرشح، وذلك بسبب طرق التدريس المتميزة التي صممتها والمتمحورة حول استخدام الألعاب التعليمية مع الأطفال الذين عانوا من العنف. ولقد جاءت هذه الجائزة في وقت حرج، إذ خاض المعلمون الفلسطينيون، بما في ذلك السيدة الحروب، إضرابا لمدة أسابيع للمطالبة بتحسين الأجور. (ووافقت السلطة الفلسطينية على زيادة الرواتب بنسبة تصل إلى 10% بعد ساعات من إعلان الجائزة).

وقالت الحروب، وهي أم لخمسة أطفال تتراوح أعمارهم بين الـ 18 والـ 23، إنها صممت نهج العلاج باللعب في الأساس لمساعدة أطفالها بعد أن أطلق جنود اسرائيليون النار على سيارة الأسرة عند حاجز عسكري قرب بيت لحم عام 2000. وقالت: إنها لم تكن في السيارة آنذاك ولا تعلم لماذا أطلق الجنود النار، ولكن ما تعلمه أن زوجها عمر الذي كان قضى عشر سنوات في السجون الإسرائيلية أصيب بهذه الحادثة.

وأضافت، إنه وبعد هذه الحادثة أصبح أطفالها يستيقطون من النوم ليلا وهم يصرخون، كما أنهم أصبحوا عدوانيين بشكل مضطرد. وقالت: ”لم يكن المعلمون في مدارسهم مدرّبين على التعامل مع مثل هذه الحالات، وكنت أخشى أن أفقد أطفالي“.

وأدركت الحروب، ومع مرور الوقت، أنّ أولادها كانوا في أسعد وأهدأ حالاتهم أثناء اللعب. وبدأت عندها تفكر في الألعاب التي يمكن أن يلعبوها معا. ثم قامت ببناء قسم للألعاب في زاوية من المنزل وقالت للأطفال: إن هذا المكان هو مكانهم الآمن.

خلال ذلك الوقت الذي شهد سنوات عنيفة للانتفاضة الثانية، فرضت السلطات الإسرائيلية حظر التجول على منطقة بيت لحم، حيث كانت السيدة الحروب تعيش مع أطفالها. وعندما كان يتم رفع حظر التجول ولو لمدة قصيرة كانت النساء الأخريات يتسابقن لشراء المواد الغذائية.

ولاحظت الحروب، التي نشأت في مخيم الدهيشة، كيف ساعدت الألعاب أطفالها على التغلب على المصاعب، لذلك قررت أن تصبح معلمة لتوسع من انتشار تجربتها. فالتحقت بالكلية وكانت في مقدمة الفصول الدراسية منذ عام 2005 لتحقق حلمها الذي أجبرت على تأجيله بعد نجاحها في الثانوية العامة بسبب الانتفاضة الفلسطينية الأولى التي أدت إلى إغلاق جميع جامعات الضفة الغربية. وساعدت الدراسة الجامعية على تحسين طرق التدريس التي ابتكرتها السيدة الحروب.

وتقول: ”كل شيء يبدأ بفكرة. بدأت أولا مع أولادي، ثم انتقلت إلى الطلاب في الفصول. والآن، تمكنت من إيصال أفكاري إلى العالم“.

وأضافت، إنها تعتزم استخدام قيمة الجائزة (1 مليون دولار أميركي) لإنشاء مؤسسة تسوق الألعاب التي ابتكرتها. فيما أرسلت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية العشرات من المعلمين ليتعلموا من تجربة وخبرة السيدة الحروب. وعلى الرغم من أن نظام التعليم الذي تتبعه الحروب نال استحسانا عالمياً، إلا أنها تقول، إنّ أسلوبها التعليمي لم ينتشر بعد محلياً وذلك يعود إلى المقاومة الثقافية من قبل الناس الذين يعتقدون أن اللعب أمر تافه.

وتضيف: ”كل عام يحدث الأمر نفسه، حيث يأتيني الأهالي مصدومين: هل أطفالنا يلعبون في المدرسة؟ وبعد ذلك يبدؤون برؤية النتائج“.

إنها لا تتحدث عن نتائج الامتحانات، بل النتائج العاطفية.

وأشارت الحروب إلى صبي ضخم كان على وشك أن يطرد من المدرسة بسبب تنمره. وتقول، إن والد الطفل توسل إليها لتعمل مع ابنه وتحاول تغيير سلوكه، وقد وافقت على شرط أن يتوقف الوالدان عن ضرب ابنهما. وفي يوم لعبة البالونات، قامت السيدة الحروب بتوبيخ الصبي مرتين، ولكنها أيضا أمطرته بالثناء عندما أنهى عمله. وعندما انتزع قلم رصاص من فتاة ودفعها، طلبت منه بلطف أن يجلس بجانب أحد الطلاب المؤدبين. ووصفته قائلة: ”هذا الولد الذي تراه اليوم هو طفل مختلف تماما عن الذي دخل إلى صفي في البداية“.وتشكل الصفوف الملونة بألوان زاهية في الطابق الثاني من مدرسة سميحة خليل خروجا صارخا على شكل الصف الفلسطيني النموذجي المكون من مكاتب مرتبة في صفوف. ففي حصة الرياضيات، يركض الطلاب حاملين الأرقام من 1 إلى 9 ويقفون مع بعضهم البعض في أزواج تكون الرقم 10، ثم يدفعون الكرات التي تحمل الأرقام الفردية في فم الأرنب ليتعلموا عن الأرقام الزوجية والفردية أكثر.

وعندما حان وقت القصة، ارتدت السيدة الحروب شعراً مستعاراً بلون قوس قزح فوق الحجاب، وارتدت كذلك أنفا أحمر مثل الذي يضعه المهرجون، ثم قرأت قصة عن عنكبوت شقي اسمه: ”-شع-شع-شع-شع-شع-بان“.

وتحث الحروب الأطفال على ما وصفته بوسائل الاختلاف ”السلمية“، حتى عندما يختلف الطلاب معها بالرأي. إذ رفض أحد الأطفال ”ليث البالغ من العمر 8 سنوات“ قرارها بنقله بعد أن ضرب أحد زملائه، قائلا: ”أنت ظلمتيني يا مس!“. عندها جلست المعلمة الحروب مع ليث وتحدثا بالمسألة ووصلا إلى اتفاق.

وأوضحت السيدة الحروب أنها لا تتبع أية أجندة سياسية كما أنها ترحب باستخدام الأساليب التدريسية التي وضعتها داخل الصفوف الإسرائيلية. ومع ذلك، احتوى جداراً في أحد صفوفها على خريطة هائلة للمنطقة لا تعترف بوجود إسرائيل. وعندما أخذت السيدة الحروب الأطفال في رحلة خيالية عبر القدس، ”جالوا“ جميعا في المواقع الإسلامية والمسيحية، لكنها لم تذكر أيا من المواقع اليهودية.

ومنذ تم الإعلان عن الجائزة، قامت بعض الجماعات الموالية لإسرائيل على الإنترنت بانتقاد المنظمة بسبب زوج السيدة الحروب الذي يعمل الآن كمستشار قانوني للسلطة الفلسطينية والذي كان شارك في الكمين الذي نصب في 1980 لمجموعة من الإسرائيليين الذي كانوا يحاولون إحياء مستوطنة يهودية في الخليل. (وأشادت بعض المواقع الإخبارية الفلسطينية بزوج السيدة الحروب واصفة إياه ”بالعقل المدبر“ للهجوم، على الرغم من أن مقال ”نيويورك تايمز“ الذي صدر وقتها ذكر أنه ساعد فقط في وضع الكمين).

واعترض آخرون على تكريم أي مدرس فلسطيني من الأساس. وقال ايتمار ماركوس، القائم على منظمة مراقبة الإعلام الفلسطيني التي توثق التصريحات المعادية لإسرائيل والسامية في وسائل الإعلام العربية، والذي لطالما وصف المدارس الفلسطينية بأنها تعلم الطلاب الكراهية: ”حتى لو كانت السيدة الحروب معلمة ممتازة، فسوف تعتبر وزارة التربية والتعليم الفلسطينية هذه الجائزة ”تأكيدا على أن ما يقومون به جيد ومقبول“.

واشتكى السيد ماركوس أنّ 25 مدرسة فلسطينية سميت بأسماء متشددين قاموا بقتل الإسرائيليين أو اليهود، وأن البطولات الرياضية للشباب قامت بتكريم ما يسمون بالشهداء. وأضاف، إنه تم بث أشرطة الفيديو على التلفزيون الفلسطيني تظهر أطفال المدارس وهم يشيدون بمثل هذه الهجمات، مفسرا ذلك بأن النظام التدريسي لقنهم هذه الكلمات.

ونفى جمال الدجاني، المتحدث باسم الحكومة الفلسطينية، هذا الاقتراح، قائلا: ”يعترض الأطفال الفلسطينيون باستمرار على الجنود الإسرائيليين والمستوطنين المسلحين الذين يلوحون بالبنادق في وجوههم. وهذا هو سبب كاف لتوليد الكره والمشاكل“.

هذا وقد تجنبت السيدة الحروب الأسئلة السياسية قائلة: ”أنا مدرسة. هذه هي حقيقتي، ولا يمكنني تغيير التاريخ أو تغيير ما حدث قبل 10 أو 20 عاما“.

وبالعودة إلى صفوفها مرة أخرى، أنهت الحروب لعبة البالونات – الرياضيات التي يبدو أنها لم تحقق النتيجة المرجوة. ولتغيير مزاج الأطفال، قامت بتشغيل شريط فيديو لطفل يضحك من موقع يوتيوب، وسرعان ما اعترت الأطفال موجة من الضحك، ثم ألقوا البالونات في الهواء وداسوا عليها ورقصوا وغنوا أغنية عن جدة فلسطينية. وعندما انتهوا من المرح، تحدثوا عن صحة الأسنان وانتقلوا بهدوء إلى بعض التمارين اللغوية.

في نهاية الحصة، ابتسمت السيدة الحروب وقامت بوضع علامة تحت الوجه الضاحك على السبورة. وعندها قالت إحدى الفتيات: ”ضعي واحدة أخرى، يا مس! نحن نستحق ذلك!“. واستجابت المعلمة حنان الحروب لطلب الفتاة ووضعت علامتين تحت الوجه الضاحك؛ ما دفع الأطفال للهتاف والفرح، فقد أصبحت العلامات تحت الوجه الضاحك تساوي العلامات تحت الوجه العابس.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com