تونس تشن حملة ضد الدجل والشعوذة

تونس تشن حملة ضد الدجل والشعوذة

المصدر: محمد رجب - إرم نيوز

أمام تفشي ظاهرة الدجل والشعوذة في تونس، وتأثيرها السلبي على المواطنين الذين يزورون الدجّالين والعراّفين، ويقفون في طوابير، انتظاراً لدورهم، أملاً في الشفاء من الأمراض المستعصية، وحلّ مشاكل العقم والعنوسة والسحر، فقد أصدر مفتي الديار التونسية ببطلان زيارة الدجالين والأطباء الروحانيين، معتبراً أنه ّ ذلك ”دجل وخزعبلات وضحك على المرضى“، بينما تدخّلت السلطة بحزم لتوقف نشاط أشهر العرّافين.

1

شفاء من السرطان

وكانت إحدى القنوات التلفزيونية التونسية الخاصة، عرضت في أحد برامجها، مقابلة مع مريضة، مقيمة في ألمانيا، كانت مصابة بمرض السرطان، أكدت خلالها أنها شفيت تماماً من مرضها، بعد زيارتها لـــ“حكيم روحاني“، مرّتين، وقد تأكدت من ذلك، عندما أعلمها طبيبها الألماني، الذي كان يستعدّ لإجراء عملية جراحية لها، أنها شفيت تماماً“.

3

إقبال منقطع النظير

وبعد فترة من هذه المقابلة، انتشر الخبر، الذي تمّ تداوله في كلّ مكان، وهو ما جعل المرضى والعوانس والعواقر، يتجمّعون أمام عيادة ”الحكيم“، ينتظرون لحظة وقوفهم أمام العرّاف، حتى يتكرّم عليهم بالدواء الناجع، والشافي لأمراضهم، أو المساعد لهنّ على إيجاد العريس، أو الإنجاب، لكن العدد الهائل من الزوار والذي يفوق 400 زائر يومياً، جعل البعض ينتظر دوره، وقالت إحدى المريضات، أو الزائرات، إنها تزور ”الحكيم“ للمرة الثالثة، ولكنها لم تتمكن من الوقوف أمامه، لكثرة الزوار.

هذا الإقبال الكبير على ”الحكيم“ أثار المارّة من الشارع الذي يوجد به عيادته، في إحدى ضواحي تونس العاصمة، حيث تعطلت حركة المرور، وهو ما جعل السلطات الأمنية تتدخل للتنظيم، كما أنّ لهذا العرّاف عدد من الحرّاس الذين يسهرون على جميع الأمور التنظيمية ومنها تسجيل المرضى، ويمنعون رجال الإعلام، إلاّ في صورة موافقة ”الحكيم“.

2

الماء الساخن.. البلسم الشافي

المرضى أغلبهم من النسوة، بعضهنّ يتباكين، وأخريات يتدافعن في طابور طويل، بهدف التسجيل ومقابلة ”الحكيم“ في أقرب وقت.

مئات أمام ”العيادة“، في الشارع العام، أو في الداخل، يخرج عليهم ”الحكيم“ وهو يسخّن الماء في عدد من الأباريق، والبخار يتصاعد من ماء بلغ درجة الغليان، ثم يحمل إبريقاً مليئا بالماء في درجة عالية من الحرارة، ويضعه في فمه، الذي يكاد ينفجر من الاحمرار، ثم ينفخ في الماء، ويرفع صوته بالتكبير ”الله أكبر، الله أكبر، صلّوا على النبيّ“، و“اللهم يا كاشف الكاشفة، اكشف عنهم كلّ أذى..آمين“، بينما عدد من المرضى، يعيدون، ويتصايحون، ويبكون، ويرفعون أكفّهم إلى السماء ”آمين“.. في حالات أشبه بالفولكلور، ثم يوزع ذلك الماء الساخن على المرضى الذي يحمل كل واحد منهم قارورة، يملؤها ماءً ساخناً، هو بمثابة البلسم الشافي من كل الأمراض، هكذا كان يقول لهم العرّاف.

شهادات من هنا وهناك

وأكدت إحدى العواقر (ر) الذي زارت ”الحكيم“، 3 مرات، من أجل الحمل، أنه كان يطمئنها في كل مرة، على أنها ستحمل قريباً من زوجها، ولكنها تقول: ”لقد كذب عليّ..لقد كنت أصدّق كلامه، وقراءته لبعض آيات من القرآن الكريم، كان يطمئنني في كل مرة بأنّ الحمل قريب، وأعطيته 3 آلاف دينار (1500 دولار)، لكن من دون فائدة“، مشيرة إلى أنها تقدّمت بدعوى قضائية في التحيّل والدجل.

وفي المقابل فقد أوضحت، إحدى الباحثات عن عمل، والتي زارت العرّاف ”ليفتح لها الأبواب“ بعد أن يئست وتقول ”لقد مكّنتني زيارة الشيخ المغربي من 3 فرص عمل بعد أن كنت في عطالة لسنوات“، لا بل أنها تؤكد أنّ عقد عمل ”جاءها من الخارج“.

تسويق لعروض الدجل

علّق الطبيب والباحث الاجتماعي، أحمد الأبيض، على هذه الظاهرة بالقول: ”عادة، الذين يتاجرون بهذا الأمر، يعملون على ملء حاجة الناس بالغريب والخارق، وبالتالي لمزيد تسويق عروضهم، ودجلهم، حتى يبنوا جسور الثقة مع المرضى، الذين يصلون درجة الاعتقاد، أو الإيمان بقدرة هؤلاء العرّافين على مساعدتهم..“.

وأضاف الأبيض: ”ما هي إلاّ أوهام، وأضغاث أحلام، يتاجرون بها، ويوهمون بها البائسين، واليائسين والمتعبين والبسطاء والمرضى“، مؤكداً على أنه ”لا بدّ من توعية هؤلاء البسطاء بأنّ العرّافين والدجّالين غير قادرين على نفعهم أو ضرّهم، ولكن ذلك لا يكون إلاّ بالوعي والثقافة والتربية السليمة“.

”أطباء ضد الدكتاتورية“ يندّدون

هذه الظاهرة أثارت الأطباء، حتى أنّ جمعية ”أطباء ضد الدكتاتورية“ أصدروا بياناً يبينون موقفهم من ظاهرة التدجيل، اطلعت ”إرم نيوز“ على نسخة منه، ويندّدون فيه بـــ“صمت وزارة الصحة وتحمّلها مسؤولية انتشار هذه الظاهرة بسبب عجزها عن تقريب الصحة من المواطن وعدم قيامها بالتوعية الصحية الكافية“.

واستغرب الأطباء كذلك ”صمت وزارة المرأة والطفولة وعدم استنكارها لما يقوم به الدجّالون وادّعاءهم معالجة الأطفال ممّا قد يعرّض حياتهم للخطر خاصة وأنّ الأطفال يذهبون إلى هؤلاء قصراً فهم مجبرون من قبل آبائهم“.

وشجبت جمعية ”أطباء ضد الدكتاتورية“ ما أسمته ”تشجيع الحكومة لمثل هذه الممارسات بينما تدّعي محاربة التطرف والجهل“، متسائلة ”هل بالتدجيل والشعوذة يحارب الجهل ؟؟“.

واقترح الأطباء القيام بتوعية صحّية مكثّفة بالمؤسّسات التربوية من قبل مختصّين بميدان الصحّة، وبالمؤسّسات الإعلامية التي بحملتها الشرسة ضد الأطباء، ساهمت بشكل كبير في انعدام الثقة بين المريض والطبيب وما يصفه من علاج، وتقريب الصحّة من المواطن وتحسين الخدمات الصحّية بكافة الجهات والمناطق، والإسراع بمراجعة الرخص المُسندة للعرّافين وسحب تلك التي يتبيّن تحيّل أصحابها، وسنّ قانون لحماية الأطفال من هؤلاء المشعوذين يمنع كل عرّاف من استقبال من يقلّ عمرهم عن 15 عاماً.

المفتي يتدخل

وأمام انتشار هذه الظاهرة وخطورتها، وتصاعد الجدل بشأنها، فقد أصدر مفتي الجمهورية التونسية فتوى، أكد فيها أنّ ما يقوم به العرّافون أو الأطباء الروحانيون ”لا أساس له من الصحة وهو دجل وخزعبلات وضحك على المرضى واستغلال حالاتهم النفسية لابتزازهم والإيهام بأنهم قادرون عن استشفائهم أو حلّ مشاكلهم الاجتماعية“.

وشدد مفتي الجمهورية، عثمان بطيخ، وزير الشؤون الدينية السابق، على أنه ”لا يعلم الغيب إلا الله“، وأنّ ”ادعاء بعض هؤلاء دواء حرفائهم بالقرآن ”هو استغلال لمشاعر المرضى لأنّ في القرآن 6 آيات معروفة لدى من يحفظها بآيات الشفاء يقرأها المريض ويواظب عليها مع النية الخالصة وقراءة كلام الله تعالى، متيسرة لكل مسلم ولا تحتاج لا إلى عراف ولا إلى طبيب روحاني“.

وحذّر المفتي من ”الدجالين باسم الدين“، داعياً المسلم إلى أن ”يعتمد أولاً على الله، يطلب منه الشفاء من الأسقام وقضاء الحوائج، فهو النافع لعباده، بيده الخير وهو قريب منّا، يسمع نداءنا ويجيب علينا وهو القائل“ أدعوني أستجب لكم“.

وأشار إلى ضرورة ”طلب الدواء من الأطباء، أهل الاختصاص الذين أفنوا شبابهم في طلب العلم، فهم الجديرون بالتوجه إليهم لا لغيرهم، والله الهادي إلى سواء السبيل“.

السلطة تحسم الأمر

لم تبق السلطة مكتوفة الأيدي، بل تدخل الوالي، وقرّر منع العرّاف كمال المغربي، من النشاط بعد الجدل الذي أثاره في تونس.

وقد نفى الوالي عبد اللطيف الميساوي أن تكون الولاية قد منحت ترخيصاً للعراف كمال المغربي، الذي يمارس نشاطه في منطقة بومهل، مكذباً بذلك ما كان صرّح به العرّاف المذكور، من أنه حصل على ترخيص للنشاط منذ العام 2002.

وقدّمت الوالي قضية عدلية ضد العرّاف من أجل ”افتعال وثيقة وإيهام الناس بوجودها“.

وأكد الوالي أنّ هذا العرّاف كان تقدّم في 2002 بمطلب للترخيص له بالنشاط، لكنه مطلبه رفض، مشيراً إلى أنه ”لن نرخّص لمن يريد تعاطي مثل هذا النشاط“.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com