منوعات

"مصير مجهول" يواجه أطفالا بإدلب السورية بسبب المقاتلين الأجانب
تاريخ النشر: 16 سبتمبر 2022 8:32 GMT
تاريخ التحديث: 16 سبتمبر 2022 11:05 GMT

"مصير مجهول" يواجه أطفالا بإدلب السورية بسبب المقاتلين الأجانب

أصبح مصير مئات الأطفال في محافظة إدلب شمالي سوريا مجهولًا؛ نتيجة زواج أمهاتهم من مقاتلين أجانب إما قضوا أو رحلوا إلى غير رجعة. واضطرت أكثر من 1700 فتاة في

+A -A
المصدر: ماهر العمر - إرم نيوز

أصبح مصير مئات الأطفال في محافظة إدلب شمالي سوريا مجهولًا؛ نتيجة زواج أمهاتهم من مقاتلين أجانب إما قضوا أو رحلوا إلى غير رجعة.

واضطرت أكثر من 1700 فتاة في المحافظة إلى الزواج من مقاتلين أجانب خلال سيطرة فصائل معارضة على إدلب إما إجبارا أو بدافع العوز والفقر.

وردينة عليق (30 عامًا) واحدة من هؤلاء النسوة، التي تعيش الآن وحيدة برفقة طفليها في أحد المخيمات العشوائية التابعة لبلدة حزانو، شمال إدلب.

وكان زوجها التونسي المنتمي لصفوف ”هيئة تحرير الشام“ قتل أثناء مشاركته في المعارك الدائرة بمحافظة إدلب، شمال غرب سوريا، أواخر عام 2019.

”أبو إسلام التونسي“.. هذا كل ما تعرفه ”ردينة“ عنه، بعد أكثر من ثلاث سنوات على زواجها الذي خلف لها طفلين هما (محمد وعبدالله).

ووجدت الشابة السورية نفسها بعد مقتل ”أبو إسلام“ المسؤولة الوحيدة عن الطفلين وسط ظروف معيشية واقتصادية مزرية.

وتقول لـ“إرم نيوز“ إن ”زوجها الأجنبي كان قليل الكلام، خاصة أنه كان ينقطع عنها لفترات طويلة تصل لقرابة الشهر“.

وتشير إلى أنه كان يقضي تلك الفترة ”مع فصيله المسلح على خطوط القتال ضد قوات الحكومة، ليأتيها خبر مقتله في إحدى المعارك دون أي معلومات أخرى“.

وتضيف أنه ”لم يخبرها عن اسمه الحقيقي أو نسبه طيلة فترة زواجها، علمًا أنها لم تتردد في سؤاله عن هويته الحقيقية عدة مرات“.

وتتابع: ”كان دائمًا ما يرفض الإفصاح عن خصوصياته، مبررًا أنه لا يستطيع البوح بهويته الشخصية لدواع وأسباب كان يصفها بالأمنية“.

وعن دوافع زواجها الذي تصفه بـ“البائس“، تشير ردينة عليق إلى أن ”الفقر المدقع الذي كان يعيشه أهلها أجبرها على الزواج بمثل هذه الزيجة“.

وتؤكد أنه ”أغدق عليها وعلى أهلها المال والحلي، فضلًا عن بلوغها سن الزواج المتعارف عليه لدى المجتمع المحلي في محافظة إدلب، ما دفعها للزواج خوفًا من العنوسة ونظرات المجتمع التي لا ترحم“.

لم تستطع الشابة الثلاثينية تسجيل طفليها في الدوائر الحكومية، التي لم تعترف بهما، نظرًا لتعذر التعرف على نسبهما ووالدهما، ما أفقدهما أدنى حقوقهما المشروعة في التعليم والحصول على الأوراق الثبوتية والشخصية.

وتعمل ”عليق“ ضمن ورشات نسائية في الأراضي الزراعية وقطف الثمار لإعالة نفسها وطفليها، بأجر لا يتجاوز 30 ليرة تركية يوميًا، لكنه يبقى ”أفضل من طلب المساعدة أو العوز من أحد“، على حد تعبيرها.

”أطفال إلى المجهول“

ولجأ مقاتلون مهاجرون وأجانب يكنون أنفسهم بألقاب وأسماء وهمية إلى الزواج من نساء سوريات من مختلف المحافظات، بعد أن سيطرت فصائلهم على مساحات واسعة من الأراضي السورية.

وباءت معظم هذه الزيجات بالفشل نتيجة مقتل الزوج أو اختفائه أو عودته إلى بلده الأصلي، تاركين خلفهم عوائل وأطفال مجهولي النسب والهوية في مواجهة خطر الضياع والتهميش.

”زواجي هذا قلب حياتي رأسًا على عقب“.. بهذه الكلمات تلخص شيماء الدبيس (29 عامًا)، من سكان بلدة سلقين غرب إدلب، معاناتها بعد اختفاء زوجها السعودي الذي يدعى ”أبو عائشة الجزراوي“ بعد أقل من خمسة أشهر على زواجها منه.

وبعينين دامعتين، وصوت تخنقه العبرات، تقول الدبيس لـ ”إرم نيوز“ إنها ”تدفع ثمن خطأ والدها الذي أجبرها على الزواج من رجل مجهول اختبأ خلف اسم مستعار، بعد أن تأثر بمعتقداته وأفكاره، لأكون ضحية زواج أفضى في نهاية المطاف لدمار حياتي وحياة طفلي الذي بات يبحث عن نسبه الضائع“.

وتضيف أنه ”منذ خمس سنوات، وفي وقت متأخر من الليل، خرج زوجها مع مجموعة من العسكريين الذين يعمل إلى جانبهم، ولم يعد حتى اللحظة، دون أن يترك أي معلومة أو رسالة توضح مكان تواجده أو التوصل إليه“.

وأشارت إلى أنها ”دائمًا ما تواجه استفسارات طفلها المحرجة، الذي يتساءل عن اسمه ونسبه ووالده، خاصة بعد عدم قدرتها على تسجيله في دوائر النفوس بسبب ضياع نسبه وكنيته“.

وتؤكد أنها ”اضطرت مؤخرًا لتسجيله على نفوس والدها للحصول على حقوقه في التعليم وامتلاك الهوية والاعتراف به كجزء من المجتمع“.

وتبين الشابة العشرينية أنها ”رفضت كل عروض الزواج التي تقدمت إليها، لتبقى متمسكة بحضانة ابنها والاعتناء به، حتى يستطيع الاعتناء بنفسه وتحمل مسؤولياته من خلال استكمال تحصيله الدراسي والعلمي حتى نهايته“.

وبلغت أعداد النساء اللواتي تزوجن من مقاتلين أجانب منذ عام 2013 وحتى عام 2018 نحو 1735 حالة، من ضمنها حالات زواج قصّر (تحت 18 سنة)، و1124 منهن أنجبن 1826 طفلًا.

جاء ذلك وفق إحصائية كشفت عنها حملة ”مين زوجك؟“ التي أطلقها عدد من الناشطين السوريين مطلع عام 2018.

وقالت الإحصائية إن ”193 من النساء تم طلاقهن أو أصبحن أرامل جراء مقتل أزواجهن في المعارك، و165 منهن واجهن هرب الزوج وبات مصيره مجهولًا“ .

”إجبار على الزواج“

ولم تكن فاطمة الحاج (32 عامًا)، وهي نازحة في مخيمات دير حسان شمال إدلب، أفضل حالًا من سابقاتها حين تركها زوجها المغربي المنتمي لتنظيم ”داعش“ مع أطفالها الثلاثة، وعاد إلى بلده الأم، دون أن يأخذ بعين الاعتبار ما سيحل بعائلته وأطفاله.

تقول فاطمة إنه ”بعد سيطرة التنظيم على مساحات واسعة من سوريا والعراق، تزوجت من شخص يدعى“ أبو مصطفى الأنصاري“ بعد تعرضها لضغوط من عائلتها التي أجبرتها على الزواج منه خوفًا من سلطته، وبطش فصيله الذي كان يتمتع بصلاحيات كبيرة آنذاك“.

وتضيف أن ”زواجها استمر لمدة ثلاث سنوات قبل انحسار مواقع التنظيم، وخساراته المستمرة التي دفعت زوجها للهروب والعودة إلى بلده الأم دون سابق إنذار“.

وتشير إلى أنه ”تركها مع أطفالها في مواجهة مخاطر عديدة كادت أن تودي بحياتهم، قبل أن تخوض رحلة نزوح قاسية استقرت بها في أحد مخيمات الشمال السوري“.

وبينت أن ”طفلها الأكبر والبالغ من العمر 8 سنوات لا يملك أي وثيقة شخصية تثبت اسمه ولا نسبه، ما أجبره على العمل في مهن شاقة وبيئة صعبة لا تتناسب مع عمره، لتعذر تسجيله في المدرسة التي عادة ما تطلب وثائق رسمية وهويات شخصية، وهو ما لا يمتلكه أبناؤها“.

وتعيش فاطمة برفقة أطفالها أوضاعًا معيشية واقتصادية واجتماعية غاية في الصعوبة، نتيجة التنمر والتهميش الذي تتلقاه هي وأطفالها من المجتمع المحيط.

كما أنها غير قادرة على تحمل أعباء الحياة المعيشية في ظل افتقارها لمعيل ينفق عليها وعلى أطفالها في هذه الظروف السيئة.

”آثار كارثية“

من جهته، يحذر نزيه حمادة (38 عامًا)، وهو محام مقيم في مدينة إدلب، من ظاهرة الزواج من مقاتلين مجهولين وأجانب لما لها من آثار وصفها بـ“الكارثية“ على الأطفال ومستقبلهم المجهول في حال وفاة والدهم.

ويؤكد حمادة أنه ”يتم تجريد هؤلاء الأطفال حكمًا وقانونًا من حقوقهم في استخراج هوية شخصية وأوراق ثبوتية، ما سيجعلهم محرومين من الحماية والرعاية الصحية والتعليم، وغيرها من الحقوق التي تحفظ كرامتهم وحياتهم“.

ويضيف أن ”هذه الزيجات باطلة وغير معترف بها من الناحية القانونية والشرعية في القانون السوري، كونها تفتقر لشرطين أساسيين من شروط الزواج، وهما إخفاء الاسم والنسب الحقيقي“.

ويتابع: ”بناء على ذلك لا يجوز للولي ولا للمرأة الموافقة على الزواج ممن يخفي اسمه ونسبه، لما يتبع ذلك مِن أضرار اجتماعية، ولمخالفته مقاصد الشريعة في الحفاظ على الأعراض والنسب، واستقرار المجتمع وأمنه“.

ويذكر المحامي أن ”معظم هذه الزيجات غير مسجلة في المحاكم الشرعية والمدنية، حيث تتم عبر طرق تقليدية في إحضار شيخ وشهود ليتم عقد القران، مما يجرد المرأة من كامل حقوقها المشروعة في نفقتها ونفقة أطفالها وحقوقها على زوجها كالمقدم والمؤخر وغيرها“.

”الأسباب والدوافع“

وعن أسباب تنامي هذه الظاهرة، تقول المرشدة الاجتماعية والنفسية، فاطمة القاسم (35 عامًا)، وهي من سكان مدينة إدلب، إن ”الفقر والحالة الاقتصادية المزرية التي يعيشها السكان في مناطق شمال غرب سوريا، وما رافقها من حالة نزوح جماعي وانعدام الأمن من أبرز المسببات لزواج الفتيات السوريات بمثل هذه الزيجات المسيرة“.

وتضيف القاسم أن ”تأثر الأهالي والسكان بأفكار ومعتقدات هؤلاء الأشخاص كان أحد أهم الأسباب التي دفعتهم لإجبار بناتهم على الزواج دون الرجوع إلى حقهن في اختيار شريك حياتهن“.

ولا تخفي المرشدة النفسية الآثار السلبية العديدة التي تفرزها مثل هذه الزيجات، والتي تضع المرأة أمام خيارات صعبة، ومخاطر جسيمة، كمقتل الزوج أو اختفائه، ما يحملها مسؤولية الأطفال والاعتناء بهم، فضلًا عن عدم اعتراف المجتمع المحيط بهم.

وتلفت إلى ”ضرورة التوعية بمخاطر هذه الظاهرة من خلال حملات توعوية من شأنها الحد بشكل كبير من آثار هذه الآفة الخطيرة على المرأة وأطفالها والمجتمع ككل“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك