منوعات

هل يمكننا أن نغفر للعائلة ما لا يمكن الصفح عنه؟
تاريخ النشر: 18 يوليو 2022 19:36 GMT
تاريخ التحديث: 18 يوليو 2022 21:25 GMT

هل يمكننا أن نغفر للعائلة ما لا يمكن الصفح عنه؟

يعتبر الصفح في الأسرة صعبا للغاية عندما نتأذى، فهو من أصعب الأفعال والأوقات التي يعيشها الإنسان في حياته، وغالبًا ما تسجَّل القصصُ العائلية المؤلمة في ذاكرتنا،

+A -A
المصدر: مدني قصري – إرم نيوز

يعتبر الصفح في الأسرة صعبا للغاية عندما نتأذى، فهو من أصعب الأفعال والأوقات التي يعيشها الإنسان في حياته، وغالبًا ما تسجَّل القصصُ العائلية المؤلمة في ذاكرتنا، ومن الصعب التخلص منها.

وعندما يكون أحد الوالدين قد مرّ هو نفسه بهمّ من الهموم مع والديه ولم يغفر لهما سيجد الأطفال بدورهم صعوبة في أن يكونوا متسامحين، إنه تكرار لا نهاية له يترك آثارًا في قلوب جيل بأكمله، ومع ذلك سيكون الأطفال هم الذين يغفرون بسهولة أكبر من غفران الكبار، وسيكونون بالتأكيد مفتاحًا لممرّ أكثر فضيلة وأكثر خلاصًا.

كيف المضي نحو المسامحة في الأسرة حتى وإن كان الأذى لا يُغتفَر؟ كيف نتأكد من أن الماضي لا ينتقل إلى الحاضر؟

الغفران في الأسرة في مواجهة صدمات الطفولة

يفيد تقرير نشره موقع ”lesmotspositifs“ بأنه عندما يتعلق الأمر بالتسامح فإنه يمسّ حميمية الشخص واستعداده لمواجهة الألم الذي لا يقاس والذي قد نشعر به عندما يؤذينا أحد الوالدين، تخلق الطفولة صدمات عميقة تجعل منا كبارًا بالغين مَوجَعين أو مُوجِعين أو مندفعين.

ولتحديد الجروح المختلفة بشكل أفضل من المهم أولاً وقبل كل شيء تحديد جرح الماضي الحقيقي، إذ إن هناك 5 صدمات في الطفولة، هي الإساءات الانفعالية والجسدية، الإذلال اللفظي، العنف الجنسي، وجود فرد من العائلة مدمن أو مريض عقلياً، هجر الوالدين (الطلاق، الموت، الخسارة، السجن).

ومن الصعب للغاية التغلب على هذه الصدمات، وفي بعض الأحيان يمر وقت طويل قبل تحديد سبب الضغينة والاستياء بوضوح وفقدان الذات في علاقاتنا.

وقد يستغرق الأمر سنوات عديدة قبل الانتقال إلى فعل التسامح، إذ تعاني بعض العائلات من الاستياء، والانتظار، والنسيان والوحدة والتنائي والعديد من الهموم الأخرى دون رؤية النتيجة، وقد يأتي الغفران متأخرًا ولكن في بعض الأحيان لا يمكن أن يحدث أبدًا.

والغيظ والأحقاد يمكن أن تكون قاسية وصلبة وبالتالي يمكن أن تترك ندبات وأعباء ثقيلة لعائلة بأكملها، وجيل بأكمله، هنا يحل عدم الصفح محل الغفران ولا يبدو أن شيئًا يمهد الطريق نحو المسامحة وتنقية الأجواء.

كيف يغفر أحد لأحد أفراد أسرته دون أن يغضب منه إلى ما لا نهاية؟ كيف يمكن للشخص التغلب على الضغينة والكراهية والحقد والهمّ إزاء والديه وعائلته؟

المسامحة تعني رفض الانتقام

عندما نوافق على المسامحة نرفض الانتقام، وهذا ما يجب أن نكون على وعي به، وعندما لا نغفر نظل حاقدين، وهكذا نغذي مساحة سامة في قلوبنا، نغذي الجرح الموجود بمزيد من الغضب والحزن.

هذه المشاعر مشروعة تمامًا عندما نشعر بالألم أو عندما يكون الألم لا يزال متقدًا، فالخطوة التالية التي يجب إدماجها هي رفض إدامة الألم والشر.

وعندما نغفر فإننا نرفض فكرة ارتكاب الخطأ مرة أخرى، فلا يجب أن نستجيب للألم الذي نعاني منه بإثارة ألم آخر، أي يجب ألا تتمنى ضررًا لمن أضرك، وهكذا تُبعد الانتقام من حياتك، لذلك فإن المسامحة هي العلاج الشافي.

لكن في بعض الأحيان يكون من الصعب الوصول إلى هذا المستوى من الوعي، بإمكان المعالجين النفسيين مساعدتنا، ولكن إذا كنت لا ترغب في إخبار قصتك للمرة الألف يمكنك أيضًا علاج نفسك من خلال الكتابة العلاجية، واليوم، بفضل ورشات الكتابة المختلفة نستطيع أن نرى إلى أي مدى يمكن لفعل الكتابة أن يحرر ويعطي معنى آخر وطاقة أخرى لحياتك.

ويمثل سرد قصتك كتابةً، أو إنشاء وجهات نظر جديدة لنفسك أمرًا ضروريًا لإعادة بناء نفسك.

الانتقام لا يصلح خطأً لكنه يخطر بمائة انتقام أخرى، وفي عملية الانتقام نصبح نحن أنفسنا جلادين، نفتح بابًا للعنف، الباب الذي نرفض تحمّله. الانتقام متنفّس، رغبة في التعزي والتسلي، لكن في بعض الأحيان لا يمكن السيطرة على العنف لأن الألم شديد للغاية.

وجراح الطفولة هي قصة حياتنا، بحسب سيف ديموقليس، لكن لا يمكن أن نتحمل هذه المسؤولية لإعادة إنتاجها. فحتى لا نعيد إنتاجها يجب أن نتعلم التخلي، أي إرخاء القبضة، أحد الأسباب الأساسية للتجرد الروحي هذا هو وجود أبنائنا وسط هذه الآلام الداخلية.

أطفالنا خير من يساعدوننا على التسامح، الأطفال يسامحون بسهولة أكثر من الكبار، ويبدأ الأطفال بمحبة والديهم، وحين يكبرون يحكمون عليهم، في بعض الأحيان يغفرون لهم.

كيف تغفر صدمة الطفولة؟ كيف تغفر خيانة أسرية؟ كيف تعيش تجربة غفران؟

عندما نصبح بدورنا آباءً يهتز عالم كامل من المعتقدات، يجلب لنا أطفالنا نظرة جديدة للحياة. الحب الأبوي والأمومي مصادر قوية للتحول الشخصي، إنهم يوجّهوننا نحو مسؤولية تجاه الحياة.

وعندما لا نسامح شخصًا أساء إلينا في الأسرة فإن هناك عدة أسباب متضاربة تحركنا، وهي: أنا أتألم ولن أسامحك أبدًا على ما فعلته بي، أريد حماية نفسي وأولادي، لا أريد أن يحدث هذا مرة أخرى.

يسيطر الخوف ونبقى في هذه المعاناة، وهو يوم ندرك فيه الحاجة للتحرك نحو الغفران، ولذلك فإن وجود أبنائنا ومسؤوليتنا تجاههم يمكن أن يرافقنا في طريق المغفرة هذا. وفوق كل شيء يتيح لنا حبُّ أطفالنا المضي قدمًا والتحلي بالمرونة.

ويغفر الأطفال بسهولة أكبر من البالغين لأن لديهم القدرة على أن يكونوا في قلب العلاقة والمضي قدمًا عندما يتعرضون للأذى، ففي أثناء نشأتنا تجديدًا تزداد أحكامنا ويقل ميلنا إلى المسامحة.

لكن في البداية الحب هو المهيمن، وهو خالق الزخم نحو المغفرة، ”صديق ذات يوم، ثم عدو ثم المصالحة“، ويتمتع الأطفال بهذه القدرة على المصالحة بسرعة وليس بروح الانتقام، لماذا يصلون إلى هناك بسهولة أكبر منا؟

كما يتمتع الطفل بطبيعته بالتعاطف. صدقه واهتمامه بالآخرين متطور للغاية في سنه، هذه القدرة فطرية عنده يظل يرعاها مع نموه، فأطفالنا إذن هم المربون الأوائل لحساسيتنا التعاطفية التي فقدناها أحيانًا بترك عقولنا في حالة الألم الانفعالي.

وعندئذ سيغفر الأطفال بسهولة أكبر من البالغين، ومع ذلك فهم يخاطرون بفقدان ذكاء الغفران هذا إذا لم نكن نحن أنفسنا في قلب هذا التطور.

أهمية مكانة الغفران في الأسرة

مناطق الدماغ المعنية هي مناطق التعاطف وتنظيم التأثر.

أن تكون قادرًا على التسامح من خلال تعبئة هذه المجالات أمرٌ إيجابي للذات، لأننا نخفف من إدارتنا الانفعالية. إنها مطاردة الضغائن والتوجه بدلاً من ذلك إلى الراحة الذاتية، وترك الشر على الجانب الآخر من الطريق بدلاً من العبور عبر الخطوات السابقة نفسها.

إذا حافظنا على هذا الضغط المرتبط بالألم والاستياء فإننا سنساعد في تعميق إجهادنا، وهو ما يجعل الجسم ينتج الكورتيزول بكثافة، وهذه الانفعالات السلبية قد تتسبب في زرع الاكتئاب والقلق الاجتماعي، للحفاظ على رفاهيتنا لا سبيل سوى المغفرة، لذلك من المهم نشرها داخل الأسرة.

ويتساءل التقرير كم مرة نقول لأطفالنا: اعتذرْ !قل أنا آسف، لكن هذه ليست كلمات تُقال باستخفاف وكيفما أنفق. تعليم التسامح لأطفالنا تعليم حقيقي. من خلال التواجد في هذه المرافقة التربوية يمكننا أن ندرك إلى أي مدى يمكن لطريق التسامح أن يحررنا ويقودنا نحو حب الذات، وقبول آلامنا ومساراتنا التلقينية حتى عندما تكون هذه المسارات صعبة ولا تطاق.

وتمثل مواجهة السلوكيات غير العادلة والمؤذية جزءًا من حياتنا. إن زرع المسامحة في الأسرة يعني خلق راحة في الدماغ.

يعني أن نتخلى عن عملية معاناة انفعالية مُدمّرة للدماغ. على أي حال هذا ما نشره باحثون في دراسة في المجلة الوطنية الأمريكية للطب US National Library of Medicine.

للصفح سلطته، من خلال بذل جهد المسامحة ينشئ الدماغ شكلاً من أشكال اندمال الآلام. من دون مسامحة لن نشفَى أبدًا.

وتوضح الدراسة العلمية المذكورة ذلك من خلال صور التصوير بالرنين المغناطيسي التي توضح أنه عندما نغفر نخلق دائرة أخرى في دماغنا، وهكذا يلتئم الألم.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك