منوعات

عسر القراءة ليس اضطرابا بيولوجيا عصبيا بل مفتاح في التطور البشري
تاريخ النشر: 01 يوليو 2022 6:35 GMT
تاريخ التحديث: 01 يوليو 2022 9:00 GMT

عسر القراءة ليس اضطرابا بيولوجيا عصبيا بل مفتاح في التطور البشري

صُنِّف عسرُ القراءة من قبل منظمة الصحة العالمية في عام 1991 على أنه اضطراب في تعلم القراءة، ثم كإعاقة في عام 1993. والعسر يشمل ما يصل إلى 20% من عامة السكان،

+A -A
المصدر: مدني قصري – إرم نيوز

صُنِّف عسرُ القراءة من قبل منظمة الصحة العالمية في عام 1991 على أنه اضطراب في تعلم القراءة، ثم كإعاقة في عام 1993.

والعسر يشمل ما يصل إلى 20% من عامة السكان، بغض النظر عن ثقافة ومنطقة العالم.

وتختلف هذه النسبة بشكل خاص حسب خصائص كتابة الكلمات التي يتعلم الأطفال القراءة بها.

ويواجه هؤلاء الأطفال الذين غالبًا ما يُنظر إليهم على أنهم كسالى أو لديهم قدرات فكرية منخفضة، صعوبات لطالما تم التقليل من شأنها، تمامًا كما تم انتقاص إمكاناتهم.

ووفقًا لتقرير موقع trustmyscience العلمي، طرح فريق من الباحثين الأمريكيين في الآونة الأخيرة فرضية جديدة: عسر القراءة ليس اضطرابًا عصبيًا عاديًا، ولكنه ميزة تطورية.

أكثر كفاءة في استكشاف المجهول

ترى هذه الفرضية أن الأشخاص المصابين بعُسر القراءة أكثر كفاءة في استكشاف المجهول.

ومن شأن هذه الميزة أن تلعب دورًا أساسيًا في التكيف البشري مع البيئات المتغيرة. وحسب التقرير فإن نتائج هذه الفرضية تزعزع نظرتنا التقليدية لعُسر القراءة.

تُعرّف الاتحادية العالمية لطب الأعصاب عسرَ القراءة بأنه ”اضطراب يصيب الأطفال الذين على الرغم من تجربة كلاسيكية في الصف الدراسي يفشلون في اكتساب المهارات اللغوية في القراءة والكتابة والتهجئة بما يتناسب مع قدراتهم الفكرية“.

وهناك العديد من العوامل، البيئية والبيولوجية التي يمكن أن تكمُن وراء صعوبات تعلم القراءة، لذلك ليس من الممكن اختزال جميع صعوبات القراءة إلى سبب أو اضطراب واحد.

ومع ذلك، فقد أظهرت الأبحاث منذ أكثر من قرن أنه من بين الأطفال الذين يعانون من صعوبات فإن عددًا منهم مصابون بإعاقة حادة في تعلم القراءة، رغم أنهم عادة ما يكونون أذكياء، وتلقوا التعليم المناسب في بيئة عائلية واجتماعية عادية.

لذلك طُرحت فرضية وجود اضطراب معيّن في تعلم القراءة، وهو اضطراب يسمّى عسر قراءة نمائي، وغالبًا ما يتم اختصاره باسم عسر القراءة (ويجب تمييزه عن عَمَى الكلام (فقد القراءة)، أو عسر القراءة المكتسب الذي يحدث عند الأفراد البالغين في أعقاب إصابة في الدماغ).

وفي الآونة الأخيرة، استخدم باحثون في جامعة كامبريدج من خلال دراستهم للإدراك والسلوك والدماغ ككل نهجًا تطوريًا جديدًا لفهم ظاهرة عُسر القراءة هذه، الموجودة في جميع الثقافات.

ومن خلال تبنيهم لوجهة نظر معاكسة للدراسات الكلاسيكية التي تصف عسر القراءة على أنه شذوذ تطوري، سعوا إلى تحديد فائدة هذا النوع من الإدراك، وخلصوا إلى أن الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة مؤهلون لأن يكونوا متخصّصين في استكشاف المجهول، وتم نشر أعمالهم في مجلة Frontiers of Psychology.

عسر القراءة من منظور التطور

تعتمد فرضية الفريق على نظرية نورمان جيشويند أخصائي طب الأعصاب والطبيب النفساني الأمريكي الذي سجل عددًا متزايدًا من الدراسات التي تشير إلى أن الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة ينطوون على مواهب فائقة في بعض المهارات غير اللفظية المتعلقة بالفن والعمارة والهندسة وألعاب القوى.

وكان جيشويند أوّل من أظهر قاعدة تطورية محتملة للاختلافات الملحوظة.

علاوة على ذلك، اقترح أنه عندما تُظهر نسبة كبيرة من السكان حالةً غير مواتية في الظاهر، فإنه ”يجدر بنا التساؤل إن لم تكن هذه الظاهرة الشاذة تنطوي في جوهرها على ميزة تعويضية ما“، ناهيك عن أن مثل هذا الاضطراب ينطوي على عدة جينات وله قابلية وراثية بنسبة 60 ٪ على الأقل.

بالإضافة إلى ذلك، يعتمد الباحثون على نظرية جديدة تمامًا للتطور، صادرة عن نفس الفريق في جامعة كامبريدج.

وتقترح هذه النظرية أن التكيف الناجح عند الإنسان ينتج عن التعاون بين الأفراد المتخصصين في استراتيجيات بحث عصبية معرفية مختلفة ولكنها متكاملة.

وبعبارة أخرى، تكامل الذكاءات الفردية هو مفتاح تطور وبقاء الجنس البشري.

وفي هذه الدراسة، أعاد الباحثون فحص الاختلافات المعرفية المرتبطة بعُسر القراءة من منظور التطور، من خلال نهج متعدد التخصصات، باستعراض ومراجعة جميع المؤلفات العلمية المتاحة حاليًا.

وقالت الدكتورة هيلين تايلور، الباحثة التابعة لمعهد ماكدونالد للأبحاث الأثرية بجامعة كامبريدج، في بيان، إن رؤية عسر القراءة المتمحورة فقط حول فكرة العجز لا تكشف عن سر الظاهرة كاملة، فهذا البحث يقدم إطارًا جديدًا لمساعدتنا على فهمٍ أفضل للقوى المعرفية عند الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة.

الإدراك التكميلي مصدر عسر القراءة وبقائنا

تقترح النظرية الجديدة التي طورتها تايلور وزملاؤها، والتي تدعم النتائج المتعلقة بعُسر القراءة، الفكرةَ القائلة إن أسلافنا تطوروا ليتخصّصوا في طرق تفكير مختلفة ولكنها متكاملة، ما يعزز قدرة الإنسان على التكيف بفضل التعاون.

ووفقًا لتايلور وزملائها، فإن هذه التخصصات المعرفية متجذرة في ”حلّ وسط“ معروف جيدًا بين استكشاف معلومات جديدة واستغلال المعرفة الموجودة.

ويشمل الاستكشاف الأنشطة التي تتضمن البحث عن المجهول، مثل التجريب والاكتشاف والابتكار.

في المقابل، يتعلق الاستغلال باستخدام ما هو معروف وقائم بالفعل، بما في ذلك الصقل والكفاءة والاختيار.

ويستخدم هؤلاء الباحثون مثالًا ملموسًا: ”إذا أكلتَ كل ما لديك من طعام فإنك تخاطر بالجوع حتى الموت عندما لا يبقى من الطعام شيء. وإذا أنفقت كل وقتك في البحث عن الطعام، فأنت تهدر طاقة لا تحتاج إلى إهدارها“.

فكما هو الحال مع أي نظام معقد، يجب الموازنة بين الحاجة إلى استغلال الموارد المعروفة وبين استكشاف موارد جديدة من أجل البقاء.

وتوضح تايلور: ”إيجاد توازن بين استكشاف فرص جديدة واستغلال ميزات خيار معين هو مفتاح التكيف والبقاء، وهو أساس العديد من القرارات التي نتخذها في حياتنا يوميًا“.

ويعتقد الباحثون أن الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة النمائي لديهم نقاط قوة محددة تتعلق باستكشاف المجهول، والتي ساهمت في نجاح التكيف وبقاء جنسنا البشري.

مجالات مفضلة في عُسر القراءة

مع الأخذ في الاعتبار هذه المفاضلة بين الاستكشاف والاستغلال، يبدو أن التخصص الاستكشافي لدى الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة يفسر سبب وجود صعوبة في المهام المتعلقة بالاستغلال، مثل القراءة والكتابة.

وتضيف تايلور: ”هذا يمكن أن يفسر أيضًا سبب انجذاب الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة إلى مهن معيّنة تتطلب قدرات متعلقة بالاستكشاف، مثل الفنون والعمارة والهندسة وريادة الأعمال“.

وبالفعل، كشفت دراسة أجريت في الولايات المتحدة عام 2009 على رواد أعمال أن 35% منهم يعانون من عسر القراءة، 22% منهم يعانون من عسر في القراءة أشد.

وفي بحث شمل العديد من جامعات المملكة المتحدة، من خلال أربعة تخصصات (الهندسة والقانون والطب وطب الأسنان) في عام 2014، أفاد علماء بأن عُسر القراءة في الهندسة بلغ 28% مقارنة بـ 5% في القانون.

ولاحظ الفريق أن النتائج التي توصلوا إليها مطابقة لأدلة عدة مجالات بحثية أخرى. على سبيل المثال، يشير تحرٍّ استكشافي في نسبة كبيرة من السكان إلى أن جنسنا البشري يجب أن يكون قد تطور خلال فترة من عدم اليقين والتغيير.

ويلتقي هذا الطرح مع الاكتشافات في مجال علم الآثار القديمة، ما يكشف أن التطور البشري قد تشكل على مدى مئات الآلاف من السنين في سياق عدم استقرار مناخي وبيئي دراماتيكي.

وأشار الباحثون إلى أن التعاون بين الأفراد ذوي القدرات المختلفة يمكن أن يساعد في تفسير القدرة الاستثنائية على التكيف عند جنسنا البشري.

كما أظهرت العديد من الدراسات أن الأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة لديهم قدرات متزايدة في جوانب مختلفة من التفكير المتشعب المتباين.

ويتضمن هذا التفكير القدرة على توليد العديد من الحلول أو الأفكار لحل مشكلة ما، والمرونة في التنقل من فئة إلى أخرى، والقدرة على صياغة فكرة وتطويرها، ويشمل هذا أيضًا الأصالة؛ أي القدرة على إنتاج أفكار جديدة وغير عادية.

لذلك خلص الباحثون إلى القول: ”ليست المدارس والكليات وأماكن العمل مصمَّمة لتحقيق أقصى استفادة من التعلم الاستكشافي، لكن علينا أن نبدأ بأسرع ما يمكننا في تغذية طريقة التفكير هذه حتى نتيح للبشرية مواصلة التكيف ومواجهة التحديات الرئيسية“.

حمل تطبيق إرم نيوز على هاتفك